القول الفصل

القول الفصل

الأربعاء، 4 مارس 2015

جوع الأبيض


صادفت اليوم هذه الصورة التي التقطتها عايدة قعدان في العام 2013. نعرف أن هذه الصورة لطفلة خرجت من سوريا، وعليه فإن كل ما أريد أن أحكيه عن الصورة، رغم أنه ليس مباشرًا بأي شكل من الأشكال، يقع في سياق التفكير الواعي وغير الواعي بالحالة السوريّة.

جوليا - عايدة قعدان (2013)



اللون الأبيض في هذه الصورة نادر بقسوته. محشوّ بالموت والفقدان. لون أبيض يتضمّن فراغًا حادًا، يحمل الفراغ ويستخدمه ليسطو على الصورة فينتشر عليه ويرسّم حدودها. تُصرّ الصورة على أن الفراغ موضوعها، فلا يعود الأبيض لونًا في الصورة، إنما تصبح الصورة أسيرة لونها، تنتهي حيث ينتهي هو.  وهذا الأبيض ينطق باسم موتٍ جامعٍ للألوان، يراكم تناقضاتها التي رفضت الاستسلم لبعضها البعض. ليس لونًا، إنما حصيلة أطيافٍ تطرّفت إلى حدودٍ مطلقة إلى أنه اختفت كلها إليه – إلى هذا الموت الذي ليس فيه شيء من الموت الذي نعرفه – ذاك الأسود العبثيّ المستسلم. إن الأسود عادةً، هو لون الموت قابعًا في القبور، بينما الأبيض هنا هو لون الموت المُطلّ علينا من السماء، الموت الذي يحتوي على معرفة الآخرة. والموت في هذه الصورة يُلقي من السماء بكلّ جسده على الغرفة، بكلّ جثّته الثقيلة والعارية. هذا موت آخر: موت متربّص مترصّد يحمل قصدًا. هو فراغ عدوانيّ، وقح، نافر، يستطيع في هذه الصورة أن يغتنم كل المساحة ليُعلن هزيمة الألوان في سوريا – الأبيض الذي يجمع جثث الطيف، يكدّسها، يجلس فوقها، ويضحك.


إن الغياب في هذه الصورة ليس مسالمًا بأي شكلٍ من الأشكال. فهو لا يتوانى في استدراج المشاهد إليه، ينهشنا ويبتلعنا يمتصّ لونا فيحوّلنا جزءًا منه. إنه غياب مخادع، مناور، يلعب في صعوده وهبوطه لعبة: يُنتج فروقات وهميّة تقنعنا بأن هذا الأبيض الذي أمامنا ليس نفسه، لكنه يخلق بينه وبين نفسه فوارق تتنافس على النيل منّا، فيدبّ فينا رغبة أن نختار بين خياراتٍ هي في الواقع نفسها.


يكشف الفراغ الأبيض في هذه الصورة عن بناءٍ وظيفيّ لبيتٍ من دون وظيفة. تنازل سكّانه عن حاجاتهم حين تنازلوا عن أملهم بالحصول عليها. غرفة من دون معنى، خالية اتجاه قاطنيها الممتلئين الذين يحبسون في داخلهم الكثير، ويحبسون إراداتهم بالأساس. ليس في هذه الغرفة أي أغراضٍ أو تفاصيل توفّر الدفء الذي يشعر به الإنسان حين يكون سيدًا على بيته الصغير، بأغراضه وتفاصيله التي ُلدت لتلبي حاجة السيّد. إن الإنسان الظاهر في هذه الصورة يحبس في  نفسه كلّ ما يحاكي العاطفيّة الدافئة أو حتّى الغضب الحار، إذا لا يمتلك مسندًا أو موضعًا لصبّهذه العواطف كلّها في هذا البيت الغائب.


يمارس الأبيض في هذه الصورة خدعتين وكذبة فظّة واحدة.  فهو أولًا يسحبنا إلى وهم الاختلاف بين مدخلين لغرفٍ أخرى. الأوّل بابه ظاهر فيه عن طريق إطاره الأسود، مدخل يطلّ منه ضوء نظاميّ مستقيم وباهت ومحدود. بينما المدخل الثاني يشعّ منه ضوء مشاكس، يتعدّى على الإطار الأسود  في داخل الغرفة الثانية، ويتطفّل على الجدار، وهو يطلق بياضًا باتجاه القادم إليه بعكس المدخل الأوّل الذي يقطع امتداده رواق البيت عرضًا. على أن الفرق بين غرفةٍ بابها مؤطّر بالأسود وأخرى ينتفض فيها الضوء، رغم التلميح بسوادٍ ما داخلها، ليس فرقًا مثبتًا، لا شيء يشهد علميًا بأن الغرفة الثانية أكثر نورًا من الأولى، ولكن الأبيض يمارس خديعته، كما قلنا، إذ أنه كما قلت سابقًا، يلعب لُعبة انتاج الفروقات الوهميّة، ولعبة الموت المتنافس مع ذاته على جائزة النيل منّا. أما الخدعة الثانية التي تمارسها الصورة فهي لتزيد قانعتنا بأنّ الغرفة الثانية هي تلك المرغوبة، فنرى الطفلة تعبر المدخل الأول، تتجاوزه، دون أن تلتفت إليه، وتخطو نحو الآخر. لكن الكذبة الفظة تكمن في انقطاع الصورة عند حدود المدخل الثالث، ذلك الذي تنظر إليه البنت. إنه المدخل الذي لا يستطيع الأبيض تحديده، المدخل الذي لم تمت الألوان فيه ولا زالت تصارع على مكانها، المدخل الذي لم تنتصر عليه الكثافة فلم تلغِه. اختفى الباب الثالث من سوريا إذ أبى أن يدخل في دائرة النفي ودائرة الموت المطلق.  إن الأبيض – وهو سيّد الصورة كما قلنا- عزل الباب الثالث من الصورة تمامًا لأن سيّد الغرفة لم يتمكّن حتّى الآن من إحراز انتصاره عليه ليدخله في صورتنا هذه – ليبتلعه.


يحوّل الأبيض هذه المساحة إلى مساحةٍ عملاقة شاسعة، وكلما كبرت يكبر معها الإنسان الذي يشغل حيّزًا منها. أما الطفلة فتكبر الآن وتصبح بالغةً: هذه اللحظة العمريّة التي يصبح المشيّ فيها اعتياديًا فترتفع القدم اليسرى عن الأرض بثقة، هي اللحظة التي تتنازل فيها الطفلة عن علاقتها بالغرفة، وتحدد علاقة جسدها بأرض الغرفة البيضاء. قبل هذه اللحظة، كان الربط بين الطفلة ومكانها حتميًا، إنما في اللحظة التي يتمكّن فيها الطفل من الوقوف على قدميه والسير بحريّة، فهو ينفصل بالضرورة عن محيطه. وأنت لو أمعنت النظر بالصورة من هذه اللحظة الزمنيّة، سينزل عن ظهرك همًا ثقيلًا: همّ أن ننظر إلى هذا المكان باعتباره بيتًا للطفلة. نحن نرى منذ اللحظة الأولى هذه الصورة صورةً داخل بيتٍ، لأن ما فينا من رحمةٍ إنسانيّة رفض أن يموضع هذه الطفلة الصغيرة في أي مكانٍ آخر غير بيتها – المكان الطبيعي الذي يجب أن تكون فيه الطفلة. وهي ليست هناك بالحقيقة، هي لاجئة. فلو تخلّصنا من قلقنا عليها، وسمحنا لأنفسنا بأن نعتبر هذا المكان شيئًا آخر غير البيت لاستطعنا أن نرى بوضوح أن هذا الكائن الحيّ داخل الصورة لم يعد طفلًا. لكنه حصل على قدرٍ جديّ من البلوغ في مشيته واستقلاليّته وفي الشعر الذي يمكن أن نراه شعر طفلةٍ لكنّه كذلك شعر امرأةٍ رصينة واثقة على حافّة الأربعين، كمان أن شكل ما تلبسه قد يكون فعلًا رداء طفلةٍ صغيرة، لكنه قد يكون رداء سيّدة بالغة في لحظةٍ حميميّة ما من حياتها. وسأقول بحذر أن مشيتها في الرواق الفارغ بهذا الشكل، تذكّر بمشاهد سينمائيّة كثيرة مألوفة تخرج فيها بائعة هوى من إحدى الغرف وتمشي في رواق الماخور الفارغ.


لقد فعل الأبيض فعلته إذن، لقد أوقع بنّا مرةً أخرى وابتلع الطفلة، ذوّبها فيه لتفقد ملامح شخصيّتها أمامنا ونتحرر من التعامل معها كما هي عليه. لقد اختلط الأمر. ومثلما اختلطت الألوان بتطرّف وابتلعها الأبيض، اختلطت عليّ شخصيّات الكائن الحيّ الظاهر في هذه الصورة. وليست هذه اللهفة وهذا الشوق للغوص في بحر إمكانيّات هذه الإنسان، إلا وسيلة الأبيض ليجعلنا نلحق بها، نحن المختبئون وراء شيءٍ مايظهر في زاوية الصورة التحتى.



يبتلع الأبيض كلّ الألوان حين تتبعثر وتختلط وتتجادل وتتطرّف. ومثلما تبتلع سطوته الألوان، ينفّذ الأبيض خدعه ليختلط فينا الأمر حول هذه "الطفلة"، تتبعثر أفكارنا، خيالاتنا، رؤيتنا، نتوه فيها رغم وضوحها. يبتلعها العالم الأبيض – عالم اللجوء هذا- ويقتل شخصيّتها التي كانت قبل قليل غايةً في الوضوح. تذكروا، قبل سطورٍ قليلة فقط، كنّا متأكدين من أنها طفلةً طيبة تخطو خطواتها الأولى في رواق بيتها. ثم يجعلنا نتبع هذه الغائبة بفضولٍ ونهم، نمشي إليها، خلفها، إلى أن يستدرجنا الأبيض الجائع، الموت اللئيم، إلى داخل سيادته المرئيّة  في عمق الصورة ويبتلعنا.

الاثنين، 16 فبراير 2015

مهرجان القائمة المشتركة: من دخل بيت دوف حنين فهو آمن




كان يوم السبت مهرجان انطلاق حملة القائمة المشتركة في الناصرة. قاعة أبو ماهر الي كان فيها المهرجان بعرفهاش غير من مهرجانات سابقة، مهرجانات مكانش فيها محل للناس توقّف ع الدرج، مهرجانات كانت القاعة الصغيرة تملا شباب قاعدة قبال شاشة، ومهرجانات تلاقي ع مدخلها الباصات مصفصفة من كل البلاد والمناطق. الحضور كان ممتاز؟ كان ممتاز لو انه الجبهة عاملة المهرجان لحالها، أو التجمع أو الإسلاميّة. حاولت ببساطة أحسب عدد المندوبين في البرايميريز للأحزاب الثلاثة، طلّع معي إشي بشبه العدد الي كان بالقاعة. بادي نقّ؟ بالزبط. 

كان في بالقاعة نوعين ناس. ناس محششين، وناس مش مصدّقين إيش هذول المحششين عم بعملوا. ناس طايرين بالهوا، محبة ورواق وخضار وشوي بدهن يلبسوا قمصان مفتوحة وسنسال ورد ونظارات شمس، والكل يعبّط ببعضه ويبوّس ببعضه، وإنه بتشعر بكل لحظة إنه ممكن يجي عصام مخّول يمدلّك كبّاية موخيتو. وفي ناس، مثلي، مش فاهمين إيش عم بصير. كأنك فايت ع كوكب ثاني. وفجأة بتبدا تكتشف إنه كثير غريب الموضوع، بس من ناحية ثانية كثير مألوف، إنه كلهن زيّ بعض. يعني عادي. عندك جماعة "إحنا الطاقم إعلامي ومعانا netstick" بكونوا قاعدين ورا المنصّة، وعندك الشباب الي دمّهن حامي بكونوا واقفين ع الجنبين (هدول هتّيفة + حبّيبة، أنا خرّيج هاي المدرسة)، وعندك ثلاث أنواع مخضرمين حزبيًا: في نوع واثق من حاله بكون واقف ساند الحيط الورّاني الي ع جنبين الباب، ونوع من جماعة الي بدهن اهتمام بتلاقيهن واقفين (الله أعلم ليش!) بعِرق المنصّة دغري. وفي عندك نوع ثالث اسمه علي مواسي بضل كل المهرجان رايح جاي. وفي عندك المحترفين والمتفرّغين بالأحزاب الي فوق الأربعين بكونوا دايمًا واقفين يدخنوا ع الدرجة، وقد برز غياب هذه الشريحة بالمهرجان لسبب مش واضحلي.  

*

منصور عبّاس (الحركة الإسلاميّة) كان عريف الحفل، بكل جديّة الزلمة هذا لطيف. بس إنه، يمكن عشان الوحدة وهيك، كان في إشي زي النسويّات. كيف بالزبط النسويّين\ات كلشي لازم يحكوه\ا بالمذكر والمؤنث، هيك الشّيخ منصور حسّ إنه كلشي بقوله لازم يلائمه للجبهة والتجمع والحركة، أو مسلم ومسيحي وعلماني، كلشي لازم تقوله ثلاث مرّات. فبدأ بده يدعي الناس للوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء، إسا الشيخ متعوّد إنه شو؟ يقرأوا الفاتحة والسلام عليكم وخلّصنا الموضوع. قام قلّك "نقف إجلالاً لأرواح شهداءنا، فمنّا من سيتلو صلاة (قصده المسيحيّة) ومنّا من سيقرأ الفاتحة (قصده الإسلام) ومنّا من... (علّق)... سيقف دقيقة صمتٍ لأرواحهم". إسا تمام، مشينا بالموضوع، بتقدرش تضحك لأنه دقيقة صمت. إسا شو؟ الشيخ عامل حسابه انه بتخلص الصمت، بيجي بعدها النشيد الوطني، بس شو المشكلة؟ إنه الشيخ إله بالعادة يعيّر ع الفاتحة، إسا الفاتحة يعني إذا مدّيتها منيح بتوخد معك 15 ثانية، بالجنازات عمومًا بتوخد بين 5 لـ 10 ثواني حسب عمر المرحوم، كل م كان أكبر بقروها أسرع. فمرقوا 15 ثانية قام الشيخ منصور بكل تلقائيّة بقول: 

"موطني"

صمت في القاعة. 

العلمانيين علميين، باقيلهم 45 ثانية للدقيقة.
المسيحيّة مخلّصوش الإفلوغيتاريا. 

صمت في القاعة. وصدى الشيخ منصور يتردد "موطني".. "موطني".. "لماذا لم يطرقوا جدران الخزّان؟"... "لماذا لم يطرقوا جدران الخزّان؟"

وطبعًا استمر الشيخ منصور هيك حتّى نهاية المهرجان بحاول يقول كلشي مثلّث. وطبعًا المحطّة المفصليّة لما توجّه للحركة الإسلاميّة قال الأخوة، وما بده يتوجّه للجبهة قام نسي جمع كلمة رفيق: والـ... رُفقاء. إسا تمام، الشيخ غلط بس يعني بتلوموش. إنه بكل جديّة، إحنا بالـ 2015 ليش بعده اليسار مصرّ ينادي بعضه "رفاق". إنه يا إبن وسائل الانتاج تغيّرت، وحضرتك، بالذات انت، مش واقف ع خط الانتاج بمصنع سيّارات، ناهيك عن إنه كلّ اليسار بعرف بعضه، نادوا بعض بأساميكو! بعدين أجا دور ينادي نشطاء العربّة للتغيير (فش هيك إشي، مناداهنّش) بعدين أجا دور التجمّع. قال الحركة الإسلاميّة أخوة، الجبهة رفاق، والتجمع شو؟ إنه شو بده يقلّهن يعني؟ أتراب؟ عناصر؟ قام قلّهن زملاء... ليش لأ، الشغل مش عيب. 

وبعدين أجا نشيد موطني. مهو يا جماعة شو هي الوحدة؟ الوحدة إنه كل واحد من جهته يقدر يتنازل بجوانب معيّنة عشان يوصل لاتفاق مع الآخر. إنه التجمّع مستحيل يتنازل عن النشيد الوطني، صبابا، بس بلاش التسجيل الحربجي، خدوا تسجيل هاني متواسي. يا جماعة حطّوا النشيد الوطني، النشيد الوطني لازم يستحوا يحطّوه بتقسيم الكعكة في خطبة عروسين بأوّل التسعينات.

*

كانت صبيّة جنبي حكت شغلة هلكتني ضحك، عرايها: "حاسّة حالة بفيلم ديزني، لما بآخر الفلم هيك كل حيوانات الغابة بتتحالف مع بعضها وبتقطع غابات شاسعة وبتيجي على الاجتماع، اشي زيّ فلم سيمبا، كأنه نهاية سعيدة ولكل متجمّع وبدهن يرفعوا وليّ العهد بالهوا..." 


*

طبعًا كان مهم إنه يشكروا لجنة الوفاق الي بدونها ما كانت هاي الوحدة تحققت، وبفكّر إنه رغم الخلافات من واجبنا كمان احنا نشكر أعضاء اللجنة مع حفاظ الألقاب والمناصب: محمد زيدان، أحمد ناطور، مصطفى كبها، محمد علي طه، ومريم فرح.

*

إسا عندك قبل م كل واحد يحكي بحطّوله غنّاي بطلع عليها. يعني مثلًا حنين زعبي طلعت يمكن حطّولها "وين الملايين"، مازن غنايم حطّوله "وين ع رام الله"، أيمن عودة حطّوله "منتصب القامة"، جمال زحالقة حطّوله "ساكن في حيّ السيّدة" (بمزح) أحمد طيبي، طبعًا، شو بدهن يحطّوله؟ علّي الكوفية علّي ولولح فيها، وكان ناقص يطلع ع المكرفون يغني: وتلولحي يا دالية يام غصون العالية. 

إسا وين الفلم؟ إنه أجا دور دوف حنين. إسا شو بدك تحطّ لدوف حنين؟ على المنصّة ناصب رشاشه على المنصّة؟ مبنفعش. ما منصور عبّس دعى دوف حنين ولا فجأة!
Imagine all the people, living for todaaaaaaaaaaay Woooohooooo

والحركة الإسلاميّة مُبتسمين! وجون لينون يقلّه imagine there is no heaven، وبرضه مُبتسمين، ويرد جون لينون يقلّه and no religion too. وبرضه مبتسمين.

فهمتوا شو الوحدة الوطنيّة؟

إسا صار كمان شغلة لذيذة إنه منصور عبّاس حكى قبل دوف حنين عن انه القائمة العربيّة هي القائمة الي بتنادي بالحريّة والمساواة والديمقراطيّة للكل وانها بتمثل هاي القيم وبالتالي في مكان لليهود فيها وإلى آخره، وإنه الزلمة قال حكي عظيم ومُسالم، بس إنه شو المشكلة بالإسلاميين؟ فش عندهن فينيش، قد م يكونوا مناح بالآخر بخرّبوها. حكى كل الحكي العسل الي بالعالم، وبالآخر رفع سبابته وصاح بالمكرفون: "فنحن نقول لهم، إن كنتم تريدون السلام! (وقفة ترصّد) فانضموا إلى القائمة المشتركة... (بهدوء إنما بثقة)"... إنه كان بكل لحظة ممكن يتطلع ع دوف حنين ويقلّه: "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن". 

ممكن أصلًا هذا يكون شعارنا بتل أبيب: من دخل بيت دوف حنين فهو آمن!

*

قال الطيبي عرايه: "ترفّعنا عن ذاتنا الحزبيّة"... يا زلمة خلص اسكت، زهكتك أنا، خلص... 

*

إسا بجدّ، خلص منيكة. أنا بفكّر إنه خطاب جمال زحالقة كان لازم يكون أجمد من هيك. يعني حكى جمال بأكثر من محل إنه هو الوحيد الي كان متفائل وإلى آخره وممتاز، بس مش مقنع كثير موضوع انه "لأنه هذا هو الإشي الصح". إنه "لا يصح إلا الصحيح" هذا مش شعار سياسي، بحكي جد. بس مش في شغلة واحدة كانت جامدة بخطاب جمال: 

كل واحد من الي حكوا كان محضرلوا هيك نقفة بيت شعر يلهلب العواطف. احنا شعب بحبّ الشعر. فحدا جايبلك سميح القاسم، ومحمد علي طه جايب حاله وجاي، والي اقتبس توفيق زيّاد، وطبعًا، هذا الذّ إشي، إنه جاي أحمد طيبي محضّر قصيدة لمحمود درويش، قامت عايدة توما طلعت محضّريتها نفسها، وخلعتها قبل الطيبي. إسا الطيبي صار محضّرها، ومبعرفش غيرها، شو بده يساوي، قام عادها. بس ألذ إشي بكل هذا إنه جمال زحالقة ترك الشابي وراشد حسين واقتبس أبو النوّاس، وعصام مخول بعده داير يعزم موخيتو ع الشباب... 

بس في شغلة حكاها جمال زحالقة مفهمتهاش منيح إنه ابواب الاتحاد الأوروبي مفتوحة أو هيك إشي، مكنتش مركّز بس احتمال التجمع بدهن يفوتوا ع الاتحاد الأوروبّي برضه. هني فيهن إشي شوي اشكنازي. 

*

مسعود غنايم من الحركة الإسلاميّة. هذا الزلمة أنا والله العظيم بحترمه، بس يعني تطلع ع المنصّة تقولّي "أشعر بالفخر أكثر من فخر هوميروس بالإلياذة؟ وإنك عاصرت عمالقة كما هم أخيليس؟" يا رجل شو مالك؟ شو هوميروس؟ يا رفيق شيخ مسعود، ركّز معنا الله يخلّيك، هوميروس هاد، مش محمد عسّاف بعدين شو عمالقة مثل أخيليس؟ يا زلمة منقلّك طلب أبو عرار بتقلّي أخيليس؟ خليك معنا يا أستاذ، بلاش تقلّي كمان إنه لجنة الوفاق قاعدة بمجلس الآلهة ع ظهر الأوليمبوس. 

*

وعندك فقرة الي شكروا فيها اعضاء الكنيست الي تركوا مناصبهن. إنه عفو اغباريّة ومحمد بركة، إسا كلهن وصفوهن وكالوا المديح، القائد المثابر، والنائب الشجاع، والمتألق، ومش عارف شو. وصلوا حنّا سويد. قال: النائب الراقي حنّا سويد. كأنه مسيحي من عيلبون شو بدنا نوصفه؟ مغوار؟ صنديد؟ يلا راقي راقي.

*

نهايةً، يا جماعة الله يتمم بخير. والله يجيب العواقب سليمة. ويا بخت مين وفّق ثلاث روس وأحمد طيبي ع مخدّة. وإسا ادشروكوا من المسخرة كان المهرجان عنجد ظاهرة انثروبولوجيّة إحنا لازم نعززها. وبما إنه النائب مسعود غنايم طرح موضوع أخيليس، أنا بفكر إحنا نستعين بالطرق الي كانوا يستخدموها تاريخيًا لتوطيد التحالفات وشدّ أواصرها.. يتجوّزوا من بعض. أنا انتبهت امبارح إنه المجال مفتوح بشكل جدّي لصبايا وشباب الجبهة والتجمع والعربيّة للتغيير (فش هيك إشي بالحقيقة) يحبّوا بعض ويصاحبوا، والحركة الإسلاميّة كمان بس على سنة الله ورسوله هه. 

*

وهيك بدينا الحملة الانتخابيّة بالفالنتاين 14.2.2015
ومنشوفكو بالـ st. patrick's day بـ 17.3.2015

ومن شان الله، صوّتوا... مش عشان إشي، بس إنه توحّدنا ومش حلوة ننفضح قدّام العالم. 

الثلاثاء، 13 يناير 2015

تشارلي مش عن جد زعلان






الشعب الفرنسي مش عنجد زعلان عشان قتل الرسّامين في مجلّة Charlie Hebdo. الشعب الفرنسي متضايق بالأساس لأنه قالوا إن هذا "يوم أسود في تاريخ فرنسا".  مارين لو بين قالت: "اليوم الأسود أخذ يوم بتاريخ فرنسا، بكرا الأسود بصير بده كل الأيام بتاريخ فرنسا".

متغرّكوش المظاهر. الفرنسيّة مش مفرق معهن الرسّامين. سيبك، هدول غيرانين لأنه داعش أخذ فكرة المقصلة وعملها Handmade، ومبعوصين إنه الّي نفّذوا العمليّة مأخذوش سبايا. بتعرفوا لو كان سبايا؟ كان نص الشعب الفرنسي كان إسا قاعد يفنطز ع سبيّة فرنسيّة مع سبع مجاهدين جزائريين، 20% من زلام فرنسا روّحوا ع البيت متنكّرين لمجاهدين عشان ينعشوا حياتهن الجنسيّة، وجان كلود بريسو أخرج كمان فلم سكس وعنف ما بعد حداثي، وانحبس كمان دور بتهمة تحرش جنسي.


الفرنسيّة مش عنجد زعلانين ع العمليّة، بس إذا في ثلاثة راح ينفذوا العمليّة، الفرنسيّة أكيد كانوا بفضّلوا الثلاثي جبران.

 الفرنسيّة غيرانين. بالأساس غيرانين. آه. غيرانين من الأميركان. الأميركان انعمل ضدهن عمليّة، راحوا احتلوا افغنستان، راحوا احتلوا العراق، الفرنسيّة شو بدهن يحتلوا؟ باربيس؟ مارسيليا؟ فش، رغم أنّ الفرنسيّة شايفين حالهن بكثير أجمد وأفحل من الأميركان بهاي القصص، خاصةً إنهن خلافًا للأميركان، بُرجهن بعده واقف.

بعدين حتّى لو زعلانين. إحنا ممكن بسهولة نرضيهن ونقلّهن إنه الي عملوا العمليّة هدول فنّانين، وإنه المجزرة كانت عمل فنّي معاصر. واحنا منتطوع نحنّط الجثث ونحطها بالبومبيدو مع صور من المظاهرة المليونيّة. أو ممكن بسهولة نذكّرهن انه مبيعات الجريدة طلعت من 100 ألف نسخة لـ 3 مليون نسخة، وإنه مرّات نشر الفنّ هدف بحد ذاته، حتى لو في ناس انزعجت أو انمست مشاعرها حزنًا على ناس ماتت.

لا جد، مش راح نلاقي صعوبة نراضي الفرنسيين. منعمل زي م بعملوا اي ثنين بحبّوا بعض لما يتركوا، برجعوا للنوستالجيا - منحط شاشات كبيرة بباريس ومنعرض زين الدين زيدان بمونديال 98، هيك من مرّة منشجّعهن ياخذوا المجزرة بروح رياضيّة. تخافوش، راح يسامحونا ع كلشي، ما عدا شغلة واحدة، وهي فعلًا بتنعملش، إنه إبن الشرموطة القاتل الي قتل الشرطيّة ليش كان واقف فوق جثتها يغنّي: "عايشة... عايشة"؟! بس غير هيك ع شو بدهن يزعلوا؟ إذا في حدا لازم يزعل هو إحنا. زعلانين إنّه رسّامينهن انقتلوا وبطّلوا يرسموا؟ احنا زعلانين ع إنّه أميّة جحا بعدها مُصرّة ترسم.



الحريّة تقود الجماهير (1830)
أصلًا الشعب الفرنسي لازم يشكرنا. إحنا اعطينا الرسّامين فرصة نادرة يلتقوا شخصيًا مع الشخصيّات الي بحبّوا يرسموها. بعدين احنا ضدّ الحريّة؟ احنا مش ضدّ الحريّة بس انت بتقبل بنتك تقود الجماهير وبزازها برّا؟ فرجاءً، الحريّة مالهاش علاقة بكل القصّة، هاي ميّا خليفة، حدا طخ عليها؟ حدا اعتدى عليها؟ حدا حكى معها؟ إذا حدا حكى معها أرجو يتواصل معي لأني كمان حابب أحكي معها... 

وإحنا كمان مش زعلانين ع الفرنسيّة. جد، فش زعل. بس إنه إحنا طخّينا ع المجلة بالـ 2005، وأقمنا حد السيف، ورجعنا طخينا مرتين بالـ2007 وبالـ2011. يعني قصتنا معاكو بادية من 10 سنين، اعطيناكو كل الوقت الي بالعالم تحضّروا حالكو وتكونوا جاهزين للمجزرة، معقول بعد كل هاي السنين معرفتوش تطلعوا غير بشعار "كلنا تشارلي"؟ إنه في حدا بعد بستعمل هذا الشعار غير أهل رام الله لما غزة تنقصف والتجمّع لما حنين زعبي تنشطب؟ 

الفرنسيّة مش زعلانين. هنّي بس متضايقين شوي إنه مكنش عندهن منخفض جوّي، ولّا كان محتاجوش يحطّوا الجثث ببرادات... م الدنيا برّا برّاد... 


* آه صح، نسيت أقول. اعتبروا هاي ساتيرا. بلوج إيريسبونسابل.

الأربعاء، 7 يناير 2015

بطّلت أتحمّل قصّة ليلى الحمرا







قاهرني موضوع ليلى الحمرا. مش قادر أسكت ع الموضوع أكثر من هيك. مش عم بلاقي منطق الأشياء بهاي القصّة. ببساطة، مش راكبة ع عقلي وحاسس إنّه في إشي مش مزبوط. كل موضوع ليلى الحمرا مش نازلّي من زور. 

تعالوا نبدا من أوّل القصّة، إنه إسمها القبّعة الحمراء- بالإنجليزي Little red cap، ليلى هاي بس عند العرب- وكأنّه معطيين القبّعة الحمراء كل هالعظمة، وأساسًا القصّة بادية تشرح إنه ستّ ليلى هي الي جبتلها القبعة ومش عارف شو، وخلص، بتختفي القبعة فجأة. ولك يا حبيبي لطالما انت مش معني بالقبعة، لطالما اللون الأحمر مش مأثّر ع القصّة، ولا ع الذيب، ولا ع الصياد، لشو حاطط العنوان إنه خص نص قبعة وحمراء؟ لإيش عم تبعبص براس لولاد وعاملّهن عقدة مع الأحمر لمّا هو مالوش ولا أيّ دور بالأحداث؟

هاي أولًا. ثانيًا، إنت يا إم ليلى الحمرا يا زفت دايرة تعطيها نصايح. طيب شو كان بصير عليكي لو تحرّكي طيزك وتروحي انت تودّي لإمك ولّا مرت عمّك سلة الأكل بدل م تبعثي بنت القاصر؟ ولك عارفة انه في بالغابة ذيب وباعثة بنتك لحالها عند ستّها؟ فش دم؟ بعدين قال العرب ترجموا القصّة للأطفال ومكتبوش انه بالقصّة الأصليّة أم ليلى الحمرا بتبعث لست ليلى الحمرا قنينة نبيذ. نبيذ يا بنت الحرام؟ شو رايك تبعثيلها مارخوانا طبيّة؟ فش ذوق؟ يعني شو بدّك الذيب يفكّر عن بنتك لما هي حاملة قنينة النبيذ ودايرة بالشوارع؟ وبالآخر بتقولوا الذيب أكلها. 

بعدين حضرتك يا ذيب النَّم، لإيش هاد التذاكي كلّه؟ لإيش بتعملّي خطط؟ ولك شو مفكّر حالك؟ ثعلب؟ رومل؟ سليمان الفارسي؟ لإيش بتبعثها من طريق ثانية وبتسبّقلها وبتلبس أواعي ستّها ومش عارف ايش؟ شو بدك بكل هاي الطعريسة؟ ولك كُلها بأرضها، إنتشها يا زلمة أوّل م شفتها وخلّصنا من كل هالميمعة هاي. أي هو انت بدك توكل ليلى ولا تقاتل الناطور؟ قال شو. قال بعثها من الطريق الطويلة وراح أكل ستّها ولبس أواعيها. م من تياستك خلّص عليك الصيّاد، عشان تتعلّم تتفذلك. 

وكمان شغلة. هاي أهم واحدة. كل هاي القصّة وجيل بعد جيل، والأطفال كلهن حافظين ليلى الحمرا عن غيب. طيب شو المغزى من ليلى الحمرا؟ قال إنه إمّها قالتلها تروحيش من طريق الغابة، والذيب اقنعها تروح من طريق ثانية وعشان هيك أكلها. اسا فكروا بالموضوع بجديّة. ليلى الحمرا طلعت من دار أهلها بالطريق الي قالت عنها إمها. حلو؟ حلو. أجا الذيب شو عمل؟ اقنعها تروح من طريق الغابة وصار الي صار. طيب منستنتج من هيك إنه الذيب وين لاقى ليلى؟ لاقاها بالطريق الي قالت عنها إمها، بالطريق العادية، مش بطريق الغابة. يعني كله موضوع ليلى الحمرا وانه تردّ ع ماما كله خرا بخرا وفش منه هاد الحكي. مهو الذيب ملقاهاش بطريق الغابة! ولك م يمكن لو راحت طريق الغابة من الأوّل مكنش الذيب لاقاها شيلي ومكنتش صايرة كل هاي القصّة. طيب انتو ليش مستخفّين بعقولهن للولاد؟ ليش بتتسطلوا ع ربّهن؟ 

وفجأة بتفوت ليلى عند ستّها.
قال الذيب نايم بالتخت.
بتقوم ليلى بتسأله: ليش يا ستّي عيونك كبار؟ ليش يا ستّي منخارك كبير؟ ليش يا ستّي أذنيكي كبار؟

طيب انت يا شرموطة مش عارفة تميّزي ستّك من الذيب؟ هذا بس بقول وينتى آخر مرّة شفتيها ولّا طلّيتي عليها. 


قال وألذ إشي بتقلّه "ليش ذنيكي كبار" قال بقلّها "عشان أسمع منيح". يا زلمة أنا بعمري مشفتش ذيب أسمج منّك. قال واستنّاها تنها سألته: "وليش ثمك كبير" قلّها عشان آكلك، هع!" وأكلها. طيب افرض مسألتكاش عن ثمّك؟ افرض سألتك عن الفرو الي ع إجريك؟ يعني شو كنت تستنى؟ يعني تخيّل سألتك آخر إشي عن عينيك ووقفت أسئلة، شو بتعمل؟ بتصفن فيها يعني؟ بتسألها إذا في شغلات ثانية متغيّر فيك؟ يا زلمة خلّصنا كُلها، اقرطها يا زلمة، ليش هيك زيّ الشاعر إلي بعمل سكس. ثلث ترباع الساعة تحكي وجسدك وعيونك وأسمع جسمك وحوارات ومش عارف إيش عشان بالآخر تعمل سكس. هيك انت بالزبط خيا ذيب. 

مننتقل للأستاذ الصيّاد. بالقصّة الأصليّة قال الذيب بنام بطنه ملانه (طبعًا، ماكل السلالة كلّها) وبشخر بصوت عالي. بمرق الصيّاد من جنب بيت الجدّة وبقول لنفسه: هاي الجدّة بتشخر بصوت عالي، من الأفضل إني أتأكد إنه كلشي تمام عندها. وبفوت وبلاقي الذيب. بدايةً انت شو دخّلك؟ انت ليش عم تتسمّع ع الناس شو بتعمل ببيوتها؟ مين حضرتك يعني تنّك تحكم اذا حدا بشخر عالي ولا واطي وتتخذ خطوات بهذا الشأن؟ بعدين يا إبني الواحد بقعد مصاحب سنتين وبستحي يقول لصاحبته إنها بتشخّر بالليل، انت كيف إلك قلب تفوت عند الجدّة؟ شو بدك تقلها؟ كنتي تشخّري؟ بعدين هيك بتفوت؟ بتدقّش ع الباب؟ ما بتحسّه ولا هو فوق تختها! طب افرض الجدّة بزيق ربّها؟ افرض شالحة؟  افرض الجدّة كانت تمارس العادة السريّة قبل م تنام وتشخر؟ انت كيف بتسمح لنفسك تفوت ع بيوت الناس سلبطة؟

إسا طبعًا إحنا مش راح نعلقلهن ع كل قصة انه فتح بطن الذيب وطلّعهن سالمات غانمات، ما علينا. بدنا نقول خيال، ماشي. بس انتو بتعرفوا ليلى الحمرا شو عملت بالذيب بعد ما طلعت من بطنه؟ قال عبّتله بطنه حجار، ولمّا فاق الذيب بدي يركض عشان يهرب، قام مات من ثقل الحجار. إسا كمان دور، إنسوا موضوع انه الذيب بعد فيو حيل يركض. بس شو دينها هاي الطفلة الساديّة؟ ولك بتعبّيله بطنه حجار؟ ولك خلّيه قتّال قُتلى، خليه شو ما كان يكون، بتفتح بطنه بتعبّيه حجار؟ يا زلمة فش رحمة؟ وين أطباء لحقوق الإنسان؟ وين منظمات مناهضة التعذيب؟ انه هيك بدكو ولادكو؟ صبابا؟ دايرة تتسلى وتتضحوك وتعبّي حجار ببطن كائن حيّ وتضحك عليه وهو يركض ويموت؟

قال والصياد أخذ الفرو، والست شربت النبيذ وصحّت، وليلى الحمرا استنتجت انه بحياتها مش راح تترك الطريق الي امها قالت عنها. وهيك خلصت القصة. بالآخر بقلّك الآيباد بخرّب الطفال... 

وهاي حكايتي حكيتها وعليكو رميتها... 




الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

الكِركِة



-القطعة السادسة-


نحت سومري

(6)
تسيل الكلمات من فم عِراق ببطءٍ ثقيل وهو يحكي لنا قصّته من أمام النافذة الكبيرة. يروي التفاصيل لبقة باردة، بينما نحن نتحسس نارًا تحرق أحشاءه وتغلي بالأحداث التي تحوم في ذاكرته الآن. بدت الحكاية أول ما انطلق بها الشاب، حكاية فاترة غير مؤذية، لكن سرعان ما تذوّقنا منها شيئًا متوغّلين في تعقّدها، حتى صار طعمها شفافًا واضحًا، عاريًا ثقيلًا، فيه نارٌ تسلخ العقل عن الجسد، وتلسع الخيال.

حين يشرب الناس، يُقال فيهم أن العرق يتحدّث بلسانهم. كانت الكلمات تشبه مذاق العرق والقصّة تُشبه القنينة في كلّ شيء. في أنها تبدو شفافةً مسالمةً كالماء، وفي أنها قد تحمل الإنسان إما على الجنون، أو على النوم. ومثلما يخاف الناس من سُكرِ أحدهم فيشربون بسرعةٍ لئلا يتركوا له شيئًا من الكحول، خفنا من قصّة عراق وإلى أين يمكن أن تنتهي. كنّا نعرفه، وكنّا نعرف ما لا يعرفه صائب. وكنّا نريد لهذه القصّة أن تنتهي على الفور. ويخيل لي بأن وحيًا نزل علينا بالتشبيه بين القصّة وقنينة العرق، لأننا كنّا نشرب من القنينة بسرعةٍ وكأننا نريد أن نأتي على ما فيها ونَخلَص، وكأنّ لذلك علاقة بالقصّة. أما صائب فقد كان يبذل جهدًا لئلا تبدو عليه الثمالة أو يغطّ في النوم.

كان عراق على شيءٍ من اللؤم والحنكة ليحكي القصص بطريقة تجعل القناني تمتلئ من جديد. كنّا نشرب بسرعة، لكنّ القنينة الثالثة لم تكن لتفرغ أبدًا، وشعرنا كأنّ هذه القصّة تطول دهرًا. كانت كلماته تملأ القنينة قطرةً بعد قطرة والعبارات تخرج من فمه بطيئة مثلما يقطر العرق من قصبة الكركة. كان صديقنا الشاب يشبه الكركة التي حدّثنا عنها يومًا، حين شرح لنا كيف يصنعون مشروبه المفضّل.

تكون هذه الكركة مكوّنة من وعاءٍ نحاسيّ حسن الإغلاق في أسفلها. يُسكب العنب المعصور المختمر داخل هذا الوعاء ثم تُضرم النار تحته. يكون العنب قد قُطف عن أمّه الدالية، وقد سُحق حتى غادرت ماءه ثم عُزل لأسابيعٍ طويلة في عتمةٍ مُحكمة ليوضع بعد العزلة في الإناء النحاسيّ الملتهب. يبدو لنا الآن أن الأحداث القديمة كانت قد عصرت عِراق عصرًا أليمًا، وقد اختمرت في جوفه المُعتم بعد كل هذه السنوات. كأنّ الأحداث التي يرويها تغلي في قلبه الآن، حتّى تتصاعد بخارًا خفيفًا. مئات الصور الحزينة الحلوى المسحوقة تنتفض غليانًا وتصعد دخانًا عفريتًا إلى عقله مثيرة أفكارًا شرسة. فقد قال عراق يوم شرح عن تقطير العرقِ أن عصير العنب بعد أن يتبخّر، يتصاعد من الوعاء النحاسيّ إلى الأعلى طريق أنبوبٍ  يُسمّى "القُمُع" فيه يتصاعد البخار إلى أن يلامس سطحًا نحاسيًا باردًا، وهو أسفل طاسةٍ نحاسيّة يوضع فيها الماء المثلّج لتبقى باردة، وتكون الطاسة في أعلى الكركة، كأنها تاجها أو رأسها أو عقلها. وما أن يلمس البخار هذا السطح حتى يبرد هو الآخر. يخاف البخار من البرد، يضمّ أشلاءه المتباعدة إليه، يختبئ بصيغةٍ أخرى. يسمون هذه العمليّة تكاثفًا إذ يعود البخار سائلًا يقطر من سطح الطاسة العلويّة الباردة عبر قصبةٍ تُخرجه صافيًا من الكركة إلى الإناء.

كانت الأفكار الشريرة تتصاعد من جوف عِراق إلى عقله عبر "القمع". القمع، من دون ضمّة فوق القاف. كان شيئًا فيه يعيد بلورة الأفكار بحيث يقمع الشرّ فيها، يهذّبه ويطمس شكله. لكنّ المعروف والمؤكّد أن القمع نادرًا ما يغيّر جوهر الأشياء، والأكيد أن أفكار عِراق مهما بدت مسالمة، فهي تحمل حقدًا لا يضاهيه أيها حقد.


كانت الأفكار تصل عقل صديقنا الشاب، يدوّرها برأسه حتّى تبرد، تهدأ، تتكاثف لتصبح كلمات، وتُعاد صياغتها بأنبوب اللغة. فتخرج منه أحداث القصّة باردةً مقطّرة مثل العرق، شفافة مسالمة كالماء لكنّها سرعان ما تدفع الناس إلى الجنون. تخرج الحكاية من صديقنا الكركِة باردة غير مؤذية، لكن ما أن نتذوّق منها شيئًا متوغليّن في تعقّدها، حتى يصير طعمها الشفاف واضحًا عاريًا ثقيلًا، فيه نارٌ تسلخ العقل عن الجسد. وتلسع الخيال. وتفجّر الشرّ الكامن، فيها وفينا.

الاثنين، 13 أكتوبر 2014

كعكة تفّاح



-القطعة الخامسة-


Nature Morte Vivante - Salvador Dali - 1956



(5)
كان عِراق شابًا ملفوفًا بسخريةٍ تخفي كل ما يسري في كنهه. تعليقاته مقتضبةً قليلةً، لكنّها إن انطلقت لا تسكن إلا بعد أن تصيب ألمًا في نفس الآخرين. وكان صائب، صاحب سيليا الذي عرّفتنا إليه حديثًا، صيدًا سهلًا بالنسبة لعِراق. في بداية الأمر احتفظ الشاب بصمته أثناء حضورهما، ثم عندما غيابهما يأخذه سيل من المديح، فيعدد أمورًا إيجابيّة كثيرة عن صائب هذا، ثم يبدأ بالإفراط في مديحه إلى حدٍ نكتشف فيه السخرية الكامنة في كلامه منذ اللحظة الأولى.

في أحد الأيّام الصيفيّة تلك كان عيد ميلاد إيناس السابع والعشرين، واحتفلنا بهذه المناسبة في غرفتي مثل العادة رغم أن سيليا قد اتصلت مرات عديدة تسألنا أن "نغيّر جو" وننزل إلى إحدى حانات البلد التحتى. وكان المزاج معكرًا من أصله قبل حضور سيليا وصاحبها الذي صار اليوم زوجها. وذلك لأننا كنّا في الصباح قد أعطينا أدهم وعِراق مبلغًا من المال لشراء كعكة، لكنهما نزلا إلى الطابق الأوّل عند الستّ آليونا إيفانونفا وطلبا إليها أن تعدّ كعكةً لنا بمناسبةِ أنّي طلبت الزواج من ليلى. طبعًا، لم أكن قد طلبت الزواج ولا أي شيءٍ من هذا القبيل، وكانت القصة مجرّد فبركة منهما ليحصلا على الكعكةِ مجانًا، بينما اشتروا بالمال ثلاث قناني عرق صابات. وبعد أن جاءوا بالكعكة من عند الستّ إيفانوفا، نصبوا عليها شمعةً على شكل الرقم أربعة وثلاثين أتى بها عِراق. ورغم أنها تظاهرت بتقبّل المزحة، إلا أن ملامح الانزعاج قد ظهرت على حركة إيناس حين رأت الرقم فوق كعكة التفّاح الهزيلة، وقد أقسمت بأنها قد أعطت الستّ إيفانوفا قبل أسبوعين كيسًا من التفاح، وأن الكعكة صُنعت من ذلك التفّاح. لاحقًا أخبرتني ليلى بأن إيناس كانت قد أسرّت لها بأنها اعطت كيس التفّاح للجارة العجوز بعد أن حصلت عليه من شابٍ جولانيّ من مجدل شمس، خرجت معه لبضعة أيّام، ثم تركته بعد أن طلب منها في السرير أن تتأوّه وتصرخ باللهجة الشاميّة أثناء الجنس، حنينًا منه إلى أرض الوطن.

بعد أن كنّا قد أجهزنا على قنينة العرق الأولى وصلت سيليا ومعها صاحبها صائب. كنا قبل ذلك نسخر من الموسيقى التي يختارها أدهم. بلوز طبعًا. أنا كنت أسخر منه مدّعيًا بأن أصوات المغنّين تشبه صوت مطحنة القهوة في إليكا. أما عِراق فكانت سخريته تضرب لأكثر من جهة، فطلب منه أن يبدّل الموسيقى بأخرى تُسعد إيناس مثل نشيد كوريا الشماليّة، وسعيد سأله ساخرًا إن كان هذا الصوت الأجشّ الذي نسمعه يغنّي هو صوت توفيق زيّاد. وكانت ليلى تُريد أن تمازحه أيضًا، لكنّنا سمعنا طرقة سيليا الخفيفة على الباب، ثم دخلت هي وصاحبها.

كانت دقيقة من الحديث الرسمي، أهلًا وكيفك، وكانوا قد حملوا هديّة لإيناس، ونظرنا إلى بعضنا بحرجٍ لأن أحدنا لم يتذكّر أن نشتري لها أي هديّة. كانت زجاجة عِطر، وكان بالنسبة إلينا شيئًا مضحكًا أن تُهدى إيناس زجاجة عطر. ثم بعد انقضاء الدقيقة أرادت ليلى أن تستأنف ممازحة أدهم فقالت: "حُط نسمع شيء لوليد توفيق"، فلم يفهم صائب النكتة، إذ أنه لم يكن يعرف ليلى فحسبها تتحدّث بجديّة، وأراد أن يدخل إلى الحوار بأيّ ثمن فردّ بجديّة: "وليد توفيق؟ لعلّ كاظم الساهر أفضل بكثير في هذه الساعة"، ثم تطلّع إلى وجوهنا ينتظر منّا أن نُظهر تأييدنا له. أنا ابتسمت مناكفةً بليلى، ونظرنا الواحد للآخر مجتهدين أن لا ينفلت الضحك من أفواهنا.

عندها، هزّ عِراق رأسه موافقًا وقال: "من دون أدنى شك، من دون أدنى شكّ، يا أخي شغّل لنا زيديني عشقًا زيديني". وضحكنا دون أن يفهم صائب سبب الضحك. أما نحن ففهمنا أن حبيب سيليا قد كُتب عليه الليلة أن يكون فريسة سهلةً لعِراق.


"سأصبّ لك كأسًا بنفسي" قال عِراق، وعبّأ في الكاس ضعف العرق الذي نشربه نحن، وماء قليل ليُغيّر اللون فقط. ثلج؟ أم تشربه مثلما نشربه نحن؟ سأله عِراق. مثلما تشربون قال، من دون الثلج طبعًا. ناوله عراق الشراب ونده رافعًا ذراعه حاملاً الكأس: "بصحّة صائب وسيليا". وكانت ملامح الانزعاج باديةً على حركة إيناس، بينما كنّا ندقّ كؤوسنا المليئة بمكعّبات الثلج.

وبعد أن دارت الليلة، وأفرغنا الزجاجة الثانية وبدأ أدهم يعزف على آلته، وجدت سيليا أن تسأل صاحبها أوان مغادرتهما. لكنّ عِراق ضرب بودٍ على فخذ صائب وبيده الأخرى طوّق كتفه وتحدّث إليه بينما وجهه إلينا مبتسمًا: لا يا رجل، مستحيل. لن تغادر قبل أن أحكي لكم هذه القصّة، صدّقني لن تندم، جميعكم. لا بدنا أن تستمعوا إلى هذه القصّة...


الأحد، 12 أكتوبر 2014

آلة الحُزن المُكعّب




-القطعة الرابعة-


ماريون بوست وولكوت - 1939


(4)

لم نعرف كيف انسحب أدهم من المقبرة. أشارت إيناس نحوه عبر شبّاك السيّارة التي كانت تقلّنا. لندعه وشأنه قال عِراق الذي جلس إلى جانبها. هل أقود السيّارة بدلًا  عنك؟ تابع صاحب الاسم الغريب، رفضت إيناس بالطبع. لم يكن ليتغيّر أي شيءٍ في هذه القصّة لو أننا أخذنا أدهم معنا، كان قد بدأ يترجّل من المقبرة متخذًا شارع الشاطئ شمالًا  وقد شاهدته سيليا يمرّ بمحاذاة "أروما الشطّ"، وهو مقهى يهوديّ كبير يفتح أبوابه على مدار الساعة. لم نفكّر حينها ما الذي كانت تفعله هناك، هي وصاحبها، في ذلك الوقت.

خمس سنوات يطوف أدهم شوارع المدينة وهو يعزف الهرمونيكا، دون أن يردعه عن ذلك أيتها عارض. لا سكّة القطار عند حيّ المحطّة ولا سماجة رجال البلديّة. لم يوقفه أي شيءٍ من تلك الأشياء التي كانت تستوقف الناس في حيفا؛ لا رائحة الشوارما في أوّل شارع اللنبي ولا التحيات الملقاة أمام الباب الهنديّ لمقهى فتّوش. لا دَيانا الخطّافة تستوقفه، ولا فاطمة الشحّادة، ولا ياعكوف يطلب السجائر، ولا صفحة السودوكو وصور العاريات في صحيفة "المدينة".  لم توقفه الألعاب الناريّة في عيد الصليب، ولا التلفزيونات القديمة تسقط من سطوح البيوت ليلة رأس السنة، ولا يهوديّات موريّا، ولا مندوبو منظمة Green Peace على مدخل عمارة الـ "سيتي سنتر". لا أزمة السير أمام مدرسة راهبات الناصرة، ولا سائح أجنبي كبير السنّ وزوجته المنهكة تعبًا في شارع الجبل يسألون عن طريق الوصول إلى حدائق البهائيين. حتّى خليل لم يتمكّن من أن يوقفه، وخليل هذا هو رجل خمسينيّ لا زال يقول (كلّ يوم، منذ عشر سنوات) أنه خرج للتوّ  من السجن ويحتاج مالًا  ليصل إلى الناصرة. لا شيء يوقف الرجل الذي بات معلمًا من معالم المدينة: أدهم الهرمونيكا. لا شيء إلا امرأة واحدة.

خمس سنوات عزف أدهم حزنه على مقتل ليلى ألحانًا فيها شيء من المرح. كانت ألحان دي فورد بايلي، بروني ماكغي، مودي ووترز، وغيرها من أسماء الفنّانين الأمريكيين التي لم نكن نعرفها قط قبل أن يبدأ أدهم تعلّم الآلة. كنّا نسخر ونحوّل الأغاني التي يجعلنا نسمعها إلى مواضع للنكتة والتهكّم، لكنّي كنت أحفظ أسماءها وأسمعها حين أكون وحيدًا. وأكثر من هؤلاء كلهم، يعزف أدهم يوميًا ألحانًا كثيرة لسوني بوي ويليامسون، وهو أمريكيّ أسود من دِلتا نهر المسيسيبّي، وكان يكرر، لساعات طويلة، تلك الأغنية التي عزفها عند شاطئ البحر.

خمس سنوات وصوت الهرمونيكا المكعّب يلاحقنا، يذكّرنا بأن شيئًا بيننا قد تحطّم إلى غير رجعة. كانت نغمات الآلة المختلفة التي تنطلق في اللحظة ذاتها بانسجام ساخرٍ خبيث تتحوّل فيما بينها متعثّرة. كأنّ النغمات تصعد إلى الغرفة دون أن تضيء مصباح غرفة المصعد، فإذ بها تتسلق دون أن ترى الدرجات، فتدوس الهواء تارةً وتكاد تهوي إلى الأمام ظنًا بأن المزيد من الدرجات لا زالت أمامها، وتارةً أخرى تصعد درجتين في آن فتكاد تهوي للوراء.

لم تكن نغمات الآلة مستقيمةً ملساء مثل بيوت الألمانيّة، بل مستقيمة خشنة مثل شارع ياقوت وغيره من الأزقة، المستقيمة الخشنة، الصغيرة المحدودة بين شارع اللنبي، شارع عين دور، شارع مار يوحنّا وشارع الخوري. أزقة قليلة، وصغيرة، بعدد نغمات آلة الحُزن المَرِح على موتِ ليلى.

كانت آلة أدهم تملأ المدينة.  بعد أقل من سنة من مقتل ليلى آضحت الهرمونيكا أشهر من نارٍ تلتهم الكرمل. الكثير من الأطفال عاندوا ذويهم حتى اشتروا لهم واحدة، وجمعيّة المشغل للفنون أصدرت ملصقًا يغلب عليه اللون البرتقاليّ الضارب إلى الصفار، يعرض دروسًا لتعلّم عزف الهرمونيكا، وصارت الآلة صرعةً ورمزًا للمدينة.

وبينما ملأ آدهم المدينة التي لأجلها استشهدت ليلى، كانت غرفتي خالية. خمس سنوات تقريبًا ولم نجتمع فيها كما كنّا نجتمع. خمس سنوات من الغرفة الفارغة لم تقطعها إلا مكالمةٍ هاتفيّة من سعيد تخبرنا بأن شيئًا طارئًا يجب أن نعرفه قبل أن تتغيّر حيفا مرةً واحدة وللأبد، وأن علينا أن نجتمع. أشار سعيد لأن نجتمع في الغرفة، صدّقناه.

حين جمعنا سعيد، بعد نحو خمس سنوات من الحادثة، في هذه الغرفة الحقيرة على رأس البُرج، لم يكن أدهم بيننا. أخبرونا أنه كان في تلك الساعة يشقّ طريقه حتّى وصل كاسر الأمواج خلف الكازينو المهجور في بات غاليم. كان يبحث هناك عن المرأة الوحيدة التي استطاعت خلال السنوات هذه كلها أن تجعله يسكن، أو يحكي، أو يعود إلى رشده بأي شكلٍ من الأشكال...


لكنّ سونيا لم تكن هُناك.



السبت، 11 أكتوبر 2014

هرمونيكا سريعة الانكسار



- القطعة الثالثة -

مارك روثكو (1956)


(3)

كان أدهم يُحب ليلى كذلك، من يعلم، ربّما أكثر مما كنت أحبّها أنا بنفسي.

لا زال الرجل، منذ ذلك اليوم، يهيم على وجهه في جميع أنحاء المدينة بقميصه البرتقاليّ الضارب إلى الصفرة. صار القميص مسودًا بعد كل هذه السنوات التي لم يُغسل خلالها. كلّنا نعرف القصّة، ومن لم يعرفها حكاها له سعيد. كان أدهم يلبس القميص البرتقاليّ الضارب إلى الصفرة صباح ذلك اليوم. قيل أنّه دخل من بوّابة البرج الرئيسيّة ومرّ بآليونا العجوز دون أن يلقي عليها التحيّة متقدّمًا في عتمة المصعد. تسلّق بضعة درجات ثمّ عاد أدراجه وطرح السلام: مرحبا ستّ إيفانوفا. نظرت إليه العجوز وفي عينيها عتب عنيف قد يمكّنها من أن تحمل السكّين الذي تفرم به الملوخيّة، وتطعن أدهم في عينيه في شفتيه في كفّيه في قدميه. لم يفهم أدهم عنفوانها إلا حين سمع صرخة تهزّ البرج، كانت هذه صرختي.

كان أدهم يُحب ليلى كذلك، ربّما أكثر مما كنت أحبّها أنا بنفسي، لكنّي أنا كنت هناك قبل أن يكون هو هناك، فأحبّتني قبل أن تُحبّه. أنا وصلت الغرفة قبل أن يصل إليها أدهم ففهمت الأمر قبله. كانت الصرخة التي نبّهته لأن يصعد إلى الغرفة هي صرختي حين فهمت بأن ما يقوله الأصدقاء صحيحًا؛ أن ليلى غابت إلى الأبد، أنها لا تنظر إليّ، ولا تصغي إليّ، ولا هي ترغب في أن تقبّلني. كان أدهم يتأخّر دائمًا، يتأخر دائمًا، لكنّه كان يلتحق بنا دومًا في نهاية المطاف. لقد قبل عقلي في مرحلةٍ ما أن ليلى غابت، وحسبت أن أدهم سيلتحق بنا إلى ذلك الإدراك وإن كان متأخرًا. لكنّه لم يفعل.

في مقبرة كفار سمير الضخمة، جنوبيّ حيفا وفي قاع وادٍ جاف كان يُسمّى وادي كفر السامر، تقدّمت نحو أدهم. لم يكن من الصعب أن أجده بين الجموع التي أتت بلباسها الأسود لتودّع ليلى، كان لا زال يلبس قميصًا برتقاليًا ضارب إلى الصّفار. اقتربت منه لكنّه ارتدع عن عناقي لسببٍ لا أعرفه. وقفنا أمام بعضنا البعض، ومددت له العلبة المستطيلة المغلّفة بقماشٍ مخملي أحمر. كانت حركته البطيئة في فتح العلبة قد أشارت إليّ بأن أُطلق البكاء المخنوق منذ ثلاثة أيّام تأخّر فيها الدفن.

لمحت شهبًا في عينيّه حين رأى الهرمونيكا داخل العلبة الحمراء. وجدنا ليلى تحملها بيدها اليُسرى في كيسٍ قماشيّ لمحلّ آلات موسيقيّة في نيويورك. بيدها الأخرى كانت تجرّ حقيبة السفر الثقيلة التي عادت بها للتوّ، وحملتها إلى غُرفتي أعلى البُرج حتى أُنهِكَت تعبًا، مما حطّ من قدرتها على أن تقاوم المجرمين الذين انقضّوا عليها حين فتحت باب الغرفة.

هل أزعجني أن لا يكون آخر ما تهديه ليلى موجهًا لي؟ ابدًا. لم أكن أشكّ بحبها لي. وكنت أعرف وجهة نظرها بشأن هذا الفتى. كانت تقول أنه سريع الانكسار، وأن هذه لصفة سُكّرها ثقيل. تعلّم أدهم العزف على آلة الهرمونيكا، لكنّ خاصته كانت قد ضاعت منه. كنّا قد مشينا جميعًا إلى تلّ السمك، ثم دخلنا ليلى وأنا نسبح في الماء المحيط بالتلّ، أما الأصدقاء فقد صعدوا لمشاهدة الحفريّات التي كشفت آثارًا بيزنطيّة أعلى التلّ. بعد قائق، التحق أدهم بنا، وفي الطريق سحب الهرمونيكا من حقيبة دوروثي، وهي متطوّعة في جمعيّة بلدنا، أتت معه دون أن نعرفها من قبل، وظنّ الجميع أنه مُغرمٌ بها. لم يكنّ له أي مشاعر اتجاهها، كنت أعرف أنه مهما تقرّب من الصبايا الأخريات، لم يكن يُحبّ إلا ليلى، ربّما أكثر مما كنت أحبها أنا بنفسي، لكنّي أنا كنت هناك قبل أن يكون أدهم هناك. هذا كلّ ما في الأمر.

يومها، مشى الرجل على الصخور السوداء والبنيّة النازلة في داخل البحر مثل أصابع المارد الشرير. كان المشي فوقها عسيرًا، إذ أنها مدببةً خشنة ومتواصلة، لا تقطعها في بعض الأماكن إلا جحور ماء تسبح بها السرطانات، أو صخور ملساء رطبة أصعب للمشيّ من تلك الخشنة، بحيث أن الخطو فوقها مستحيل من دون أن تنزلق، وإن انزلقت وقعت حتمًا على صخرةٍ مدببةٍ. حاول الشاب أن يجتاز هذه الصخور ويصل إلى الأبعد داخل البحر من بينها، أقرب الصخور إلينا، ثمّ بدأ يعزف الهرمونيكا. عزف لحنًا سريعًا طريفًا لسوني بوي ويليامسون، أغنية يقول فيها: "You think i'm jokin' but you better belive what i say".

كان صوت الهرمونيكا المكعّب كأنه يرسم مشهدًا من لُعبة "ماين كرافت" الشهيرة. كان ماء البحر يسحبني بعيدًا عن ليلى مثلمًا يبتعد زوج عن زوجته، دون أن يشعر بأنه إدمانه على البلايستيشن بدأ يزيد عن حدّه.

فجأةً، انزلق الفتى عن الصخرة الملساء، ضرب رأسه بصخرةٍ مدببة خلفه، ووقعت الهرمونيكا إلى الماء، وبينما هرعنا نحن نسعفه، كان البحر قد أخذ الآلة إلى حيث لا  ندري. سحبناه إلى الشاطئ بصعوبةٍ بالغة ونحن ننزلق نقع ونتكسّر بين الصخور. وعندما وصلنا، راح الطفل يبكي. وما عرفت إن كان يبكي على الهرمونيكا أو أنّه يبكي من شدّة الألم. لكنّ ليلى تقول أنه سريع الانكسار، وأن هذه لصفة سُكّرها ثقيل.

في المقبرة، عندما فتح أدهم علبة الهرمونيكا الجديدة التي أحضرتها معها ليلى من نيويورك، عبّأت الدموع فمي المفغور صائحًا مخنوقًا. لم أبك طيلة أيامٍ ثلاثة. وقفت أمامه أحتاجه، بحقّ القبور، أن يأخذني إلى حضنه ويضمّني. كنت مكسورًا، أما هو فقد كان ينظر إلى الآلة الجديدة بدهشةٍ وهو يُبعد العلبة ويقرّبها من بؤبؤيه. لم أحظ بعناقٍ منه، فانكسرت على نفسي، إلى الأرض، وقرفصت أبكي ليلى، دافنًا رأسي بين فخذتي، وهو ينتزع الآلة ويرفعها عن العلبة المستطيلة التي كان داخلها مفروشًا بقماشٍ أبيض ناعم، يُشبه مجسمًا مصغّرًا لتابوتٍ. كان أدهم يحمل الهرمونيكا بيده كأنما يلمس مولودًا جديدًا تقمّص روح حبيبته.

انفلت التابوت الصغير من يده. كنت أبكي عند قدميه حين شعرت بالعلبة تضرب مؤخرة جمجمتي بخفّة فتنغلق وتسقط أرضًا. غلاف مخمليّ أحمر من الخارج، بينما فُرِشَ داخله بقماشٍ أبيض لونه من لون جدران الغرفة الأربعة.


الجمعة، 10 أكتوبر 2014

حذاء أسود عند المغيب





ويليام نيكلسون (1920)


القطعة الثانية 

هل كنتَ على درايةٍ بأن ذلك قد يحدث؟
تسأل إيناس حازمةً وتنتظر جوابًا دون أن تظهر عليها أيّ نيةٍ للتنازل عن تساؤلها. أوصدتْ باب الغرفة بقوّة، كررت السؤال، ثم سدّت النافذة بعنفٍ يعزلنا عن صراخ الأصدقاء الذي هرعوا يمزّقون شارع مسّادة الساكن.


جاوب. هل كنت تعرف أن شيئًا من هذا القبيل يمكنه أن يحدث؟
كانت تحوم بتوتّر في الغرفة العالية، خطواتها الخشنة تسخّن الأرض. الجوّ حرّ وهي تسدّ كل ثقبٍ يمكن أن يتسرّب منه الهواء بينما تفتّش عن شيء ما. "أين الزّفت" قالت إيناس وتابعت تقضّ الغرفة المستطيلة وجدرانها البيضاء. جدار الغرفة الذي يجابه الشمال كان عبارة عن نافذةٍ عريضة كبيرة تنكشف منها أحياء المدينة ومن بعدها البحر، ومن بعده عكّا صغيرةً هزيلة.

على الحائط الأيسر الذي يدير ظهره للغرب، كنتُ قد علّقت صورة عن لوحةٍ لرسّام نمساويّ يظهر فيها ابنه الذي لم يولد، زوجته وهو نفسه. لا شيء غير هذه الصورة. أما الحائط الأيمن فيلمسه سرير صغير، وفوق السرير بارتفاع الوسادة، نقطة توصيل للكهرباء تمكنني من أن أنام على دبيب إلكترونات تنتظر جسمًا معدنيًا لتنقضّ عليه. في أعلى الجدار مكيّف هوائيّ أبيض يتدلّى منه في الهواء سلك معدني مغلّف بالبلاستيك الأبيض. على هذا السلك المتأرجح كنت قد علّقت وردة صفراء سرقتها من ليلى قبل أعوامٍ طويلة، لم تكن وردة حقيقيّة بل مصنوعة من الصوف الأصفر الدافئ.

-        الدنيا حرّ إيناس.
-        جاوب، هل كنت تعرف؟ ردّت.

أما الجدار الرابع للغرفة فقد كان فيه الباب الرئيسيّ الذي خرج منه الأصدقاء للتو بشيءٍ من الهلع يلحقون بسعيد. إلى جانب مدخل الغرفة كان المدخل للمرحاض، والمدخل للمطبخ الصغير، والمدخل إلى علم الجمال من تأليف فيلهلم فريدريخ هيغيل، ترجمه جورج طرابيشي.


أنا لم أكن أعرف. حسبت أن البحر يتسلّى بالمدينة بشيءٍ من الفظاظة لا أكثر. هل كنت أعرف أن ذلك سيغيّر حيفا للأبد؟ لم أكن أعرف. حسبت أن النهر يعود دائمًا إلى مصبّه. هل كنت أعرف أن البحار تتآمر؟ لم أكن أعرف. حسبت أن عكّا ليست أكثر من متحفٍ عاجزٍ. هل كنت أعرف أنها تضمر لنا كل هذا الحقد؟ لم أكن أعرف. حسبت أن الصحراء بعيدة. هل كنت أعرف أن جبالًا ورمالًا وتلالًا تختبئ تحت كل بحرٍ، وفيها قد يرمح الخيول يومًا من الأيّام؟ لم أكن أعرف. حسبت أن حيفا محصّنة من كل هذا. حسبت أننا أطيب وأبسط من أن نضحي فريسةً وأن في عيوننا ما يكفي من الضعف ليشفق المجرمون علينا. نحن...

"هل تريد أن تقول لي مرةً أخرى أن هوايتنا الوحيدة في المدينة هي أن نقطّر الخراب ونعبّئه في قوارير صغيرة من زجاجٍ ملوّنٍ للذكرى؟ هل تريدني أن أصدق أن أهل هذه المدينة يكتفون باستخراج أصوات النساء من ضجيج الشوارع وزراعة الحدائق للأطفال الذين دوّنت أسماءهم في سجلّات المفقودين حول العالم؟" قالت إيناس باستخفاف وقد وجدت أخيرًا حذاءها الأسود. كان حذاءً عسكريًا.

"لم أكن أعرف. وأنا حتّى الآن لا أعرف ما الذي سيحدث. افتحي الشبّاك. أنا عم بختنق والدنيا حمّ." صحت بها، فتوقّفت وحدّقت بي. كنت أرى وجهي هزيلًا صغيرًا في بؤبؤها. ثم تنهدت عميقًا وانكمشت جفونها لتنقطع صورتي وتغيب من أمامي. أنا أيضًا أغمضت عينيّ لأهرب من غيابي. ثم هجمت إيناس عليّ. عضّت خدّي بشراسةٍ حتى شعرت بأنه يتمزّق، ودفعتني إلى الجدار الرابع فاصطدمت جمجمتي بباب المرحاض. وقعت أرضًا وابتعدت هي إلى زاوية الغرفة تنتعل حذاءها العسكريّ الأسود. أنا زحفت أرضًا حتّى وصلت السرير. اقتربت منّي وتسلّقت السرير وجسمي بهدوء. "هلّا زالت بزّتي العسكريّة تثير فيك شهوةً جامحةً لممارسة الجنس معي؟" قالت وقبّلت فمي.


أردت أن أسأل: "وأنت؟ هل كنتِ تعرفين بأن ذلك سيحصل؟" لكنّ رجلها بالحذاء العسكريّ كانت تهرس عضوي الجنسي. كنت أتألّم، وهي تفتح أزرار قميصها البنّي لينكشف جسدها أسمر ناعمًا فيه شيء من لون الشمسِ عند المغيب.



الخميس، 9 أكتوبر 2014

أعجوبة حيفا النائمة


هنري موني 1873


القطعة الأولى

يقول سعيد أن أعجوبة تسكن البحر في حيفا؛ أن البحر في المدينة يختفي ليلًا، يغيب بمعجزةٍ لا تفسير لها. كأنها قصة من نسج الخيال، عن شمسٍ تذوب في الماء وماء يتبخّر في الشمس. لكنّ ما يأتي به سعيد لا صلة له بالمخيّلة، إنما هو واقعٌ محضٌ من تلك الوقائع التي يستطيع هذا الرجل (وبمعجزةٍ لا تفسير لها) أن يطرحها علينا بهدوءٍ يطرد الريب من قلب من يصغي إليه.

كان صوته في ذلك اليوم يزيح عنّا حرارة الظهيرة وهو يحكي القصّة. يقف عند نافذة غرفتنا الكائنة في رأس البُرج، وعبر النافذة يتطلّع إلى البحر: الزُرقة الناعمة تحمل سفنًا مهولة، ترفعها دون أن تهتز بشرة الماء المحيط بالمدينة من كل ناحية. وكانت أشعة الشمس تضرب ثم تنعكس نحو السماء كخيوط رقيقة غير تمتد إلى أن تصل الغيوم، وتطوّق خاصرة السُحُب المُحلّقة فوق رؤوسنا. غيوم الصيف هذه تلقي علينا الظلال الصيفيّة تمامًا كأنها النادل الذي قدّم لنا كؤوس الشراب في حفل الاستقبال المُمل قُبيل زفاف سيليا العزيزة.


نظرنا جميعًا إلى الماء البعيد ونحن نتابع بشغف ما يقصّه علينا سعيد من ملابسات اختفاء البحر. كان المشهد شبيهًا إلى حدٍ خانقٍ بذلك اليوم الداكن من العام 2010 . حينها، كنت أنظر في عينيّ ليلى، أراها تقف أمامي، تُصغي إليّ، تنظر إليّ، ترغب في أن تقبّلني. كان الأصدقاء كلّهم في ذلك اليوم يشدّون على كتفيّ، ويرددون بتلعثم أن ليلى قد غابت إلى الأبد.


يقول سعيد بحزم أن الشمس في نهاية النهار لا ترغب بأي شيء غير أن تخلع أشعّتها المغبرة وتستحم. تغطّس نفسها في البحر، أمام هذا الشاطئ بالذات، وتنظر برومانسيّة مفرطة إلى امرأة تمشي على الشاطئ بصدريّة زرقاء. وعندما تغطس الشمس في المتوسّط، يعلو الماء حتى يفيض ويتسرّب إلى الشاطئ. يتلوّى داخل الرمل. وتتحوّل كل مسامةٍ بين حبتيّ رمل إلى مضيقٍ صغيرٍ تشغله نصف قطرة ماء. كل حبة ملحٍ في الرمل تحتفي بتدفّق ملح البحر، مثل فتاة تستقبل جيشًا يعود إلى المدينة من حربٍ ضروس، وتفتّش بين وجوه الحرب المتشابهة عن حبيبٍ قديمٍ لن تجده، فتكتفي بقبلةٍ من أول ذكرٍ تتلقّفه، قبلة يخلّدها التاريخ تحت عنوان "يوم الانتصار على اليابان".


قبل أن يحل الليل كاملةً يكون الماء قد تفرّغ من البحر إلى الساحل. يبدأ بالرمل ثم يتموّج في الأرض حتى يصل الصخور. يحتل شقوقها، يجد الثغرات وينسل إليها ناعمًا حتّى تلين. تتصالح الجرذان داكنة اللون مع سيل الماء الهادئ، وتتركه يغمرها في طريقه صعودًا نحو كنيسة القدّيس غريغوريوس عند الشاطئ الأزرق، في الطريق إلى تلّ السمك. في المتنزّه، تحت سكّة الحديد، تحت الأرصفة، يدخل الماء في كلّ أنبوب مكيّف هوائيّ ويتسلّق إلى كلّ بيت، وكلّ معملٍ ومكتب. وفي تجاعيد مليون درجٍ ودرج، يتأرجح الماء متمسكًا بتعرّجات الحجر القديم، يملأ النواحي المأهولة من جبل الكرمل، ويسقي في المدينة الوديعة كل شجرةٍ خضراء واقفة. وحين يكون الليل قد تمكّن من حيفا، يُصبح ماء البحر أكثر جرأةً على الاقتراب علنًا من أهل المدينة. يتسرّب الماء إلى النيام، إلى الأحلام، يطرّي الهواء فيخفّ شخير الرجال، ويدعو دموع الزوجات الوحيدة لتمتزج فيه، لا يترك الخبز يجفر، ويساعد قطرات الندى فوق السيّارات بحلّ وظائفها المنزليّة. هذه هي الأعجوبة التي تسكن حيفا النائمة.


أما حيفا التي لم يجهز النوم عليها
، يقول سعيد متنهدًا، فقد كان لها قصّة أخرى. قصّة لم يكن البحر فيها بتلك الخفّة والدماثة.