القول الفصل

القول الفصل

الأحد، 8 نوفمبر، 2015

هل تعرف كيف سأجعلك تحبّني؟


:::  :::  :::
:::  :::  :::
:::  :::  :::



هل تعرف كيف سأجعلك تحبّني؟

سأفرش لك قطعةً من حصيرة على بلاطٍ في بيت من بيوت حيفا، سأفرش لك المائدة، ولتجلس أمام البحر.


:::  :::  :::
:::  :::  :::
:::  :::  :::


ما الجميل في هذه القطعة القصيرة جدًا؟
أنها تُلخّص، إلى حدٍ بعيد، جوهر الكتابة.

تبدأ، قبل كلّ شيء، بأداة استفاهم موجّهة للقارئ، إذ أن الأساس الأوّل لوعي الكتابة هو اعتبارها حوارًا بين الكاتب والقارئ. الكتابة لا يُمكنها أن تحقق ماهيّتها من دون تفاعل القارئ معها، بغضّ النظر عن شكل هذا التفاعل. الكتابة تُحقق هدفها حين يتفاعل القارئ معها، والتفاعل يُقاس بالقيمة المطلقة، بقوّته، بغض النظر عن اتجاهه سلبًا أو إيجابًا. لهذا، فإن السؤال، رغم أنه يفتح الحوار، إلا أنه استنكاريًا وغير معنيّ بوجهة نظر القارئ، وهي إشارة لذاتيّة الكاتب، أنانيّته، فوقيّته وتفوّقه في وضع النص الخالص، ذاك الذي يُحاور القارئ ويؤثر عليه دون أن يتأثّر هو بنفسه.

إن المهمّة التي يؤدّيها القسم الأول من هذه القطعة، السؤال، هو في كشفه عن التماس المركزي في الأدب – التماس بين الحقيقة والكذبة. من جهة، يصارح بمهمة الكاتب الأكثر صراحةً ومباشرةً: حيازة إعجاب القارئ به شخصيًا. لكنّ هذه الصراحة بذاتها متحايلة؛ إنها تستخدم كلمة "تُحبّني" لتُضفي على العلاقة لونًا عاطفيًا ورومانسيًا، تضع الكاتب والقارئ، بواسطة الضميرين المتصلين، في إناء عاطفيّ واحد، تضمّهم معًا في "الحُب". وجود هذه الكلمة في نهاية السؤال، عمليًا، يخلق حالةً يكون فيها الانطباع العاطفيّ، القلبيّ، الرومانسيّ هو القول الأخير الذي يبقى طعمه على لسان القارئ قبل أن ينتقل إلى القسم الآخر. لكنّ هذه الخاتمة العاطفيّة والقلبيّة، ما الذي تُغطيه وتُخفيه؟
إنها تُخفي كلمة "تعرف" وكلمة "سأجعلك". والأولى تصفع العاطفة إذ أنها تؤكّد أن العمليّة عقلانيّة وليست قلبيّة، إن ما سيجعلك "تُحب" و "تُعجب" بالكاتب، هو بالواقع أدوات عقلانيّة ومدروسة يشغّلها الكاتب على القارئ بخبرةٍ ومعرفة مسبقة. أما كلمة "سأجعلك" فهي عنيفة، في صُلبها الإخضاع، الإجبار، الوعيد. هذه العبارات بالذات تختبئ وراء عبارة "تُحبّني" اللطيفة.

ولا ينقص كلمة "كيف" أي شيء لتكون جزءًا من مؤامرة الكاتب على قارئه. فهي تشتغل بطريقتين في الوقت ذاته. أولًا؛ بحيث أن تشغل القارئ بالوسيلة، الكيف، وليس بالنتيجة. الكاتب سيُجبره، سيخضعه، سيجعله، لكنّ "كيف" تحوّل انظار القارئ للتفكير بالوسيلة والطريقة التي سيُكسر فيها القارئ، بدل من أن ينشغل بمقاومة هذا الخضوع للنصّ. وثانيًا؛ أنّ سؤال الوسيلة يوهمنا بتعدد الإمكانيّات. "كيف" معناها "بأي وسيلة؟" والأخيرة معناها: "بأي وسيلة من الوسائل الممكنة؟". تعدد هذه الوسائل، وطرحها كموضوع للسؤال، يبرّئ الجُملة نفسها، القطعة نفسها، من عمليّة الإخضاع والإجبار التي يتعرّض لها القارئ. إذ أن عنف الكاتب اتجاه قارئه ليس وسيلة من الوسائل، إنما هو عمل الكاتب. الكتابة هي العنف، الكتابة هي الوسيلة، بكليّتها، لإخضاع القارئ، وبالتالي ليس هناك تعدد للوسائل يمكن المفاضلة والاختيار بينها، إنما من لحظة الكتابة الأولى، يتورط الكاتب والقارئ في دائرة الإخضاع. ورغم أن الكاتب يستخدم الكلمة "سأجعلك" بصراحة بالغة جدًا، إلا أن مؤامرة الكاتب الكبرى تكمن في أنه يوهم القرّاء دائمًا بأنه لا ينوي الوصول إلى السُلطة، أن شغله لا يضمر الهيمنة على الواقع إنما يستعرضه ويحلل ويقرأه، إلا أن حقيقة الكتابة هي فرض الواقع وإملاء أفكارها على الأرض.

والكاتب في هذه الجملة يُظهر وعيًا لطبقات وعي القارئ، والقناة التي ستنخر ذهن القارئ وتخضعه. إذا نظرنا للجملة على أنّها رسم خط، لنتخيّلها تبدأ في الكتاب. بداية الجملة، من اليمين، هي عمليًا جهة القارئ التي يأتي منها إلى قلب الكتاب أو النص. الجهة اليُمنى هي جهة القارئ، ومنها يدخل إلى المصيدة باتجاه الكاتب. والجملة تصف سفر القارئ، من معرفته العقلانيّة التي يبدأ منها بالقراءة، وصولًا بانغماسه في النص المتحايل والوصول إلى استسلام عاطفيّ يعطّل العقل. أو فعل "تعرف" والأخير "تُحبّ". هذه هي الرحلة الذي يُريد الكاتب أن يأخذ القارئ إليها. أن يجرّده من قدرته على نقد الكتاب وعقلنة المقروء ومقاومته، إلى الإنكسار ونكران العقل والوقوع في العاطفيّ استسلامًا
.

والآن، في القطعة الثانية، نكون قد بدأنا نسحب القارئ إلى قلب الكذبة التي ستأكله. سنوهمه بأنه كلّ شيء، بأنه همّنا الأساسيّ وكل ما نفعله هنا، هو من أجله. يوهم الكاتب قارئه بأنه يكتب دائمًا من أجله ولصالحه، لماذا يتوجّه الكاتب لهذا القارئ إن لم يكن يحمل همّه؟ إذن، فإن ما يفعله الكاتب هو "لك". ولكنّ الاهم هو استخدام "الفرش" فعلًا، لأنّه من جهة يعبّر عن البسط، الكاتب سيبسط أمامك أنت كل ما لديه، سيفتح يده ويكشفها، عندما تفرش قطعة من قماش فإنك تستعرضها كاملةً بعد أن كانت مطويّة. إذن، فاستخدام هذا الفعل يوحي بانفتاح كاملٍ وصدقٍ كاملٍ من قبل الكاتب أمام القارئ وله. لكنّ الحقيقة من وراء هذا الفعل أنه يستر ويتكتم. فالمفروش يظهر كاملةً، لكنّه يغطّي كل ما تحته. أي أن الكلمة توهم القارئ بانفتاح الكاتب في اللحظة التي سيغطّي فيها الكاتب بلاطًا ما. والبلاط يلعب دورين؛ الأوّل ارتباطه بالسلطة، بخدمةٍ سيّد ما، فهو يحاكي "شعراء البلاط" من جهة، ولكنّه من جهة أخرى يُنزل القارئ إلى الأرض. الجُملة تموضع القارئ في الأسفل – ليس في برجٍ ولا على جذع شجرة ولا فوق غيمة ولا على كرسيّ. القارئ الضحيّة موضوع على الأرض. والأرض ليست ترابيّة ولا طبيعيّة، إنما هي المبلطة بفعل فاعل، الأرض المصطنعة، المفتعلة، القصد في أساسها، وإلزام القارئ إلى هذه الأرضيّة السلطوية التي ستتحكّم به، وإن كانت تعطيه الشعور بأنه من يجلس فوقها. والبلاط مغطّى بما نفرشه، بالقصّة التي نصنعها – بالقطعة الفنيّة. "قطعة من حصيرة" هي قطعة العمل الفنيّ الذي يحمل طابعًا فلوكلوريًا يحاكي الماضي الشعبيّ والمتعارف. والتعبير يعود مرّة أخرى إلى ممارسة نفس التماس بين الكذب والحقيقة. بين الإفصاح عن "القطعة" – قطعة النص، القطعة الفنيّة، العمل- وبين كذبة "الحصيرة" المستحضرة من التراث.

أما البيت فيأتي ليحتضن. شكل العبارة "في بيت" هو شكل مقعّر. يبدأ في نقطة الفاء العالية وينزل، يأخذ القارئ إلى العمق الدافئ في ياء حرف الجرّ، يجرّه إلى بيتٍ آمنٍ، مغلق من الجهتين بالنقاط العلويّة للأحرف. لكنّ هذا البيت الواحد، هذا الدافئ الشخصيّ، يعترف مرّة أخرى بأنّه "بيت من بيوت"، بأنه يكذب حين يقول أن حدود الكتابة بيتها، ورغبة الكتابة السيطرة على بيتها. لذلك فإن ذكر البيوت يُعلن نيّة الكتابة الحقيقيّة، استخدام الفرديّ للسيطرة على العام والجماعي والكلّيّ. وفي هذه اللحظة، لحظة التورّط بنيّة الكتابة المبيّتة للسيطرة على العالم – تأتي الخصوصيّة المحليّة. تأتي التفاصيل المسمّاة، تأتي الأماكن والتفاصيل الحقيقيّة والواقعيّة التي تعيد النص إلى جحرٍ محليّ ضيّق له صفاته وأسماؤه وحدوده الحقيقيّة – حيفا- التي تهدف لإضفاء طبقة من الحقيقة، عن طريق التفاصيل، على كذبة تحيكها.

هذه العلاقة التي تُبنى، تبدأ من الكاتب الذي يفرش قطعته، وعبر هذه القطعة نسافر. نتابع إلى الأرض المبلّطة، نتسع للبيت، تستمر إلى البيوت وتنتهي في حيفا الواسعة. هذه العلاقة نفسها، هي علاقة أسر القارئ وأخذه إلى رحلةٍ مهولة بشكلٍ تدريجيّ خادع دون أن  يعرف إلى أي وجهته. فهو حين بدأ القراءة لم تكن لديه أية فكرة عن أنه سيصل حيفا. ثم تأتي الجملة التالية لتفتح ما سبقها. تشرحه بمبالغة. تبدأ بفرش المائدة – والمائدة للدعوة، للإغراء، وعليها الأكل، الغذاء. الكاتب يدعو القارئ ويصطاده عبر إغراء رغباته، والمائدة إشارة لمائدة أفلطون التي تتناول العشق والجنس. وتنتهي في البحر الواسع، البحر الذي أوسع من حيفا، إخراج من المدينة إلى الطبيعة. من تفاصيل المدينة الخاصّة والمحدودة، إلى السيطرة التامة على الكون والطبيعة. لكن الكاتب يترك القارئ، مرة أخرى، جالسًا. مرة أخرى متموضع مستسلم، مُشاهد للبحر، يصغر أمامه. والكاتب يثق بأنه، في هذه المرحلة من الجملة، قد انتصر على القارئ تدريجيًا فهو بدأ بالقوّة - "سأجعلك"، ثم قلّت الحاجة للقوّة "سأفرش لك"، ثم انعدمت الحاجة لاستخدام القوة ضد القارئ، فيصرفه إلى الخضوع دون حاجة بالعنف – "فلتجلس"، وحدك، دون أن أجبرك.

الآن، بعد أن أُخضع القارئ كاملةً، واستسلم، هو الآن يجلس أمام البحر، الطبيعة، الكون الذي سيخلقه الكاتب كيفما شاء. القارئ المستسلم، وأمامه العالم كما سيخلقه له الكاتب. هكذا، يبدأ الكاتب بالسيطرة على العالم.

الخميس، 22 أكتوبر، 2015

بلديّة الناصرة: يوم استقلالهم يوم نكبتنا


 
السنة الجاي يمثل هذا اليوم، بالذكرى الثالثة لانتصار علي سلّام ع جبهة الناصرة، راح يتم الإعلان عن يوم عطلة رسميّة في كلّ الناصرة، كنوع من تثبيت للنصر طبعًا. حدا بقول لأ لعُطلة؟

في السنة الي بعدها، بالذكرى الرابعة، وتحت عنوان "الرابعة طالعة"، راح يعمل علي سلّام مهرجان ويجيب عليه محمد عسّاف، هيثم خلايلة، وعمّار حسن.

في السنة الخامسة علي سلّام راح يكون قلقان بما أن الانتخابات قريبة. راح يقرر يستعمل سلاح اليوم الآخرة الذي سيُربك الجبهة ويقض مضاجعها، ويجعل جبهة الناصرة تدخل الانتخابات بنفوس مهزوز وصدمة وشيء من الذهول. راح يعمل مهرجان احتفالي بالذكرى الخامسة للانتصار على جبهة الناصرة – ويجيب عليه أمل مرقص تغنّي نصراويّات.

في الانتخابات الي بعدها راح ينتصر علي سلّام كمان دور ع الجبهة. هاي المرّة أخطر، لأنها ثبتت واقع فكّروا في الجبهة إنه سحابة عابرة واكتشفوا إنه لأ. بهاي اللحظة التاريخيّة بتقرر جبهة الناصرة إنها ما تستسلم، إنها تناضل، وإنه نضالها راح يكون طويل، وإنه معركتنا بالاساس معركة بقاء، ولازم الأجيال الجاي تعرف تاريخها الي كان قبل علي سلّام. وهيك، صارت الجبهة سنويًا تحيي ذكرى الكارثة والهزيمة – نكبة الناصرة.

علي سلّام طبعًا انزعج من الفكرة، في السنة الأولى بعد الانتخابات قمع مسيرة إحياء الذكرى. كان يدّعي إنه الجبهة بتحترمش فرحة الناس. المشاوي قايمة قاعدة بعيد الانتصار، وهدول الجبهاويّة معلنين الحداد؟ الجبهة ضد فرحة الجماهير.

الجبهة أصلًا نباتيين.

في ناس اقترحت تهجيرهن، بس يوسف عيّاد كان عندها حل أذكى بكثير واقترح ضمّ حارة الروم لحيفا من أجل التخلص من الخطر الديمغرافي. هون علي سلّام أثبت اتزانه ومنع هاي الخطوة. وبالمقابل سنّ قانون النكبة – قانون بلديّة بمنع الناس تعتبر يوم الانتصار على الجبهة يوم حداد، في هيك إشي بالعالم. جبهة الناصرة طبعًا انجنّت، الشباب نزلت تسكّر شوارع وتكسّر الدنيا ع راس علي سلّام، بس القيادة الحكيمة وقّفتهن. القيادة حكيمة وبتعرف إنّه النضال راح يكون طويل، وإنه معركتنا بالأساس معركة بقاء، فاختارت الطرق السلميّة وتوجّهت للمحكمة العليا بالتماس ضدّ القانون الجديد بادعاء إنه بقيّد الحق في التعبير عن الرأي. المحكمة العليا، طبعًا، رفضت الالتماس وأبقت القانون على ما هو. علي سلّام ضحك في عبّه، وضحك خارج عبّه.

وعشيّة الذكرى الثانية للانتصار الثاني والذكرى السابعة للانتصار الأوّل، اجتمعت جبهة الناصرة واتخذت قرار مسؤول وحكيم، بأنها ما تعرّض حياة الشباب للخطر، لأن النضال راح يكون طويل، ولإنه معركتنا بالأساس شو؟ معركة بقاء. بالضبط. لذلك، قررت الجبهة إنها مش راح تحيي ذكرى الهزيمة حقنًا للدماء.

علي سلّام، بهذا اليوم، فاق بلا هانغ أوفر، وقرر يكون إنسان منيح بس سمع هذا الخبر. قرر يكون أكبر منهن.

اتصل علي سلّام بجبهة الناصرة وقال لهم: "بحبكو بحبكو بحبكو والله بحبكو" ثم سمحلهن يعملوا مهرجان لإحياء ذكرى نكبة الناصرة، بشرط إنه لما أمل مرقص تخلّص تغنّي بمهرجان الانتصار تبع علي سلّام، وتروح بعدها تغنّي بمهرجان الحداد تبع جبهة الناصرة، تسمحله الجبهة يطلع علي ع المنصّة، ويغنّي معها نصراويّات. 

* هذه القصّة من وحي الخيال، ففي الحقيقة لا أحد يسمح لعلي سلّام أن يصعد للمنصّة، علي سلّام هو من يسمح للآخرين. وشكرًا

الثلاثاء، 20 أكتوبر، 2015

غيمة التاريخ






التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ بلا حدود، تحلّق خفيفة في الأزل. التاريخ غيمة دون أي شكلٍ فعليّ غير الذي يُمليه خيالنا؛ فقد تكون الغيمة أرنبًا لصًا، أو تكون عجوزًا شمطاء، قد يكون التاريخ أسدًا منزعجًا أو سيدة بفستانٍ متموّج - التاريخ ليس إلا فوضى كثّة لا تتهندم إلا في خيالنا. 

وشرط تخيّل التاريخ هو الابتعاد عنه. التاريخ بعيد بتعريفه ولا يمكن مشاهدته خلال المشي داخله. أقصد، إن نزل الغيم من سماء الأبد إلى الأرض الآنيّة، إلينا، لا يعود غيمًا إنما يصير ضبابًا يشوّش الرؤية التي تتخبّط بالأسئلة، بالخوف. يكون الهواء ثقيلًا حين تنزل إلينا غيمة التاريخ، يخنقنا مثل غيمة الغاز المسيّل للدموع. ونحن نمشي في داخله مثبّتين قدمًا واحدة بأرض الواقع، بينما نرفع الأخرى لتتقدّم في هواء المستقبل. واحدة في الواقع، وأخرى في الخيال - هكذا نسير، ويُصبح السير أصعب كلما اقتربت منّا غيمة التاريخ، صار الهواء أثقل، نحن نلهث، وأجسادنا زادت حاجتها للمقاومة من أجل أن نواصل السير، أما الغيمة فكلما ثقلت زاد سوادها، ثم تخبّطها، 
ثم رعبها برقًا مثل ضوء سيّارات الياسّام، ثم زمجرتها رعدًا مثل القنابل. ثم تُمطر. تُمطر وتصبح أرضنا وحلًا خائفًا يتوسّلنا البقاء في الأمر الواقع، ويُصبح السير أصعب ألف مرّة.

ثم تُزهر الأرض.

التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ دون حدود، ونحن لا نعرف، حين ينزل إلينا التاريخ، أننا نسير في داخله. غيمة التاريخ هذه خريفيّة ثقيلة في أكتوبر، والشتاء يندهنا بعدوانيّته التي تفشل في كل مرة من جديد بأن تطمس السرّ الذي يعرفه جميع الناس: أن الأرض غدًا ستزهر. 

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2015

مظاهرة سخنين: لماذا لم يكن السكوت ممكنًا؟



لم نفقد صوابنا في مظاهرة الأمس. لم نقتحم المنصّة جنونًا، ولم نمارس هواية التخريب – من يريد أن يصف الأمور كذلك، إنما هو يهرب من نقاش سياسيّ واجتماعيّ جديّ جدًا بدل مواجهة لحظة قد تكون مفصليّة لمجتمعنا إن لم نتنبّه إليها. نحن نأخذ أنفسنا على محمل الجدّ، ونأخذ شعبنا على محمل الجدّ، ونرفض أن نردد قوالب كلاميّة بدلًا من أن نفكّر بجديّة بما حدث ومدى خطورته.

الأحداث باختصار: مجموعة من 200-300 شاب وفتاة ينفصلون عن المظاهرة التي قررت لجنة المتابعة حرفها عن مسارها التقليدي وإدخالها إلى عمق المدينة، ويتّجهون بمسيرةٍ عفويّة بهدف التظاهر على مدخل مدينة سخنين. عندما وصلت المسيرة إلى أوّل دوّار في شارع المدينة الرئيسيّ قطعت طريقها مجموعة من الشبّان مفتولي العضلات بزيّ موحّد وسترات سوداء كُتب عليها Security  ביטחון، بعضهم مسلّح، وإلى جانبهم منظّمون من البلديّة بسترات لامعة، وغيرهم على الرصيف سيّارات فيها شبّان مجهّزون للعراك. قرر المتظاهرون، بعد نقاش شارك فيه الكثيرون وبشكلٍ مسؤول رغم الحماس العصبيّ، عدم الاصطدام بهذه المجموعة والعودة إلى المهرجان لنقول كلمة الحقّ في وجه من أرسل رجال الأمن هؤلاء. ودخل الشباب ساحة المهرجان يهتفون "يا شعبي طلّ اسمعنا، جابوا الأمن يقمعنا" وتوجّهوا نحو منصّة الخطابات. من يعترض على "الأسلوب" الذي تصرّف به الشباب، عليه أولًا أن يعرض علينا الهيئات والقنوات التي يمكن عن طريقها أن يحاسب المواطن الفلسطيني أن يحاسب ويُصلح لجنة المتابعة. كلنا نعرف أن هذه القنوات غير موجودة ولم يكن لدى الشباب أي وسيلة أخرى.

ما الخطير في هذه الحادثة؟ لماذا لا يمكن السكوت عنها؟
لأنّها عمليًا تخلق شكلًا جديدًا للعلاقة بيننا كمجتمع وبين قيادتنا المحليّة والقطريّة. وهذا الشكل الجديد للعلاقة يمكن أن يكون له إسقاطات جديّة على نضالنا ضد نظام إسرائيل العنصري. في السابق، كان ممثلو القيادة يحاولون ردع الشباب عن هذا الهتاف أو تلك المواجهة، يختلف الناس، يتنقاشون، تعلو الأصوات، مزاودات، نتدافع أحيانًا، يتعاركون أحيانًا. ولكنّ النقاش دائمًا يبقى بين أفراد ومجموعات على أساس المصلحة الوطنيّة. نختلف ونتشاجر، ولكننا نعرف أننا شعب واحد وسنعود غدًا ونتظاهر ونعمل معًا رغم كل شيء لأن الخلاف بيننا هو عمليًا حوار حول آليّات النضال وأولويّاته.

أما الآن، تخلق السلطة المحليّة، بغطاء من لجنة المتابعة، طبقة فاعلة جديدة تضبط علاقتها بالناس؛ شركات أمن خاصّة أو مجموعات مدرّبة (يدّعون أنهم مجموعة كونغفو!!) أو ما شابه – طبقة\منظومة مُطبّقي أوامر لا يمكن التحاور معهم. هم جنود، ينفّذون الأوامر بأي ثمن حتّى إن كان ذلك استخدام العنف، لا بل أن قدرتهم على استخدام العنف هي المبرر الوحيد لوجودهم في هذا المنصب. في السابق كان العنف، أحيانًا، من العوارض الرديئة للخلاف السياسي، ولكنه لم يكن جوهريًا في توصيف وظيفة من يردعون الناس عن إرادتهم السياسيّة. أما الآن فهو جوهريّ – هؤلاء الذين وقفوا أمام الشباب يوم أمس ليس لديهم أي وظيفة غير أنهم يستطيعون أن يستخدموا العنف لينفّذوا المطلوب منهم. ما حدث في مظاهرة سخنين أمس، هو أول مشهد يتحوّل فيه منطق تعامل القيادة الفلسطينية في الداخل مع جمهورها من المنطق الاجتماعي إلى المنطق الأمني.

وفي اللحظة التي يُصبح فيها استخدام العنف شرعيًا من أجل تطبيق أوامر قيادة ضد شعبها، تنهار كل امكانيّات وجود مجتمع مدني قادر على الحوار والبناء والنضال ورفع سقف المواجهة مع الظلم. استخدام العنف المنهجي والممأسس في خلاف حول الآليات السياسية المستخدمة داخل مجتمعنا هو انتحار اجتماعي وسياسي لا بد أن نضع له حد بأي ثمن. لحظة، أليس من الغريب أصلًا أننا نناقش شرعية وعدم شرعية استخدام عنف رجال أمن، مهما كانوا، ضد شعبنا؟ ضد شباب يخرجون للتظاهر؟ أليس من العيب أصلًا أن نناقش ذلك ونحن شعب يولد ويعيش ويموت تحت بسطار الأمن الإسرائيلي؟ هل فعلًا يجب أن نكتب مقالًا نشرح فيه لماذا يُمنع استخدام العنف في الخلاف السياسي بيننا؟

من يضبط رجال أمن البلديّة؟
ثم لنفترض جدلًا أننا سلّمنا بضرورة استعمال العنف من أجل منع المسيرة من التوجّه لمدخل المدينة. بموجب أي قانون يقرر رجال الأمن الخاص التابعين لبلديّة سخنين أن يفرّقوا المظاهرة؟ معقول أن تمنعنا بلديّة سخنين من إجراء مسيرة بشكل لا يمس حتّى بالقانون الإسرائيلي؟ ولنفترض جدلًا أننا وافقنا على استخدام العنف ضدّنا. طيّب، من يصدر الأوامر؟ ما هي درجات العنف المستخدمة وبأي حالات؟ من هو المسؤول في حالة الإصابة ومن يحقق بالأحداث في حال تفاقمت؟ لا حاجة لأن نكون عباقرة من أجل أن نفهم أن هذا الوضع من شأنه أن يخلق حالة تعسفيّة واعتباطيّة تُطلق فيها يد رجال الأمن دون أي ضوابط وأي قوانين غير قوانين الذراع والقوّة. لا حاجة لأن نكون عباقرة لنعرف أن هذا النموذج هو وصفة لارتكاب جريمة بحق أحد المتظاهرين في ظل عدم وجود أي منظومة ضبط أو محاسبة، ولا حاجة لأن نكون عباقرة لنقول أن السكوت عن هذه الوضعيّة سيحوّل البلديّات والمجالس المحليّة إلى سلطات ضاربة تقوم بدور الشرطة الإسرائيليّة تحت حجة الدفاع عن مصالح البلد.

تبنّي للرواية الإسرائيليّة: نحن نتحمّل مسؤوليّة قتلنا؟!
النقطة الثانية هي قضيّة "التصرف المسؤول" والادعاء أن ما مارسته البلديّة منع تعريض المتظاهرين للخطر. أولًا، لنبدأ من أنّ موقع المهرجان الخطابي كان يبعد مسافة 2.5 كيلومتر عن مدخل المدينة لذلك فإن توجّه الشباب للتظاهر على مفرق مسغاف لم يعرض الآلاف لأي خطر. ولكن ليست هذه المشكلة. المشكلة، بل المصيبة، في أن يصطف المئات خلف الادعاء بأن السبب بالقتل والسبب بالعنف والسبب بجرائم الشرطة الإسرائيليّة هم الشباب الذين يتوجّهون للتظاهر هناك. نحن السبب في قمع الشرطة؟ طيّب، وليد أبو صالح وعماد غنايم رحمة الله عليهم، استشهدوا لأنهم متهوّرون وغير مسؤولين ويبحثون عن مواجهة؟ معقول هذا الكلام؟ ما الذي يفعلونه؟ يوفّرون مواد للطرف الإسرائيليّ ليبرر هجومه على شبابنا؟ ليبرر جرائمه؟

الحق في التظاهر؛ إنعاشًا للذاكرة...
يبدو أنه ما نقوله في وجه الإسرائيليين ليلًا ونهارًا لم يستوعبه الكثيرون من أبناء شعبنا، إذن، فلنكرره: الحق بالتظاهر هو حق من حقوق الإنسان ولا يمكن المساس به مهما كان، ولا يمكن تقييده لا بمكان ولا بزمان. ليس لأي إنسان في العالم حقّ أن يوقف المظاهرة حيثما توجّهت. وحتّى حين تخالف المظاهرة قانون دولة فهناك طرق محددة ومعرّفة وواضحة للتعامل معها. إسرائيل تنتهك كل هذه القوانين – فلماذا تتولّون مهمة انتهاك حقوقنًا بدلًا من إسرائيل؟

لا يُمكن السماح، ولا للحظة واحدة، بأي استخفاف بحقّ الناس في التظاهر. حقّ الناس أن تمشي بمسيرة دون مضايقات، وحقّ الناس أن تصل إلى أي نقطة وتتظاهر فيها كيفما شاءت. هذه أمور يجب أن تكون بالنسبة لنا ثابتة ثبات الصخر. فكيف، فجأة، يُصبح من الممكن استسهال أن تستخدم سلطة ما رجال أمن ليقمعوا حريّة التظاهر؟ وكيف فجأة، نتبنّى الرواية الإسرائيليّة بهذه السلاسة، بأن هؤلاء الشباب يتوجّهون من أجل افتعال المشاكل؟


سكوتنا كمجتمع، وسكوت الأحزاب السياسية على هذه الحادثة يمكنه أن يقودنا إلى مأزق جدّي جدًا على مستوى العمل السياسي والنضالي.  لنفكّر بالعواقب، لنفكّر بالوضع الذي يُمكن أن تُنسخ فيه تجربة الضفّة الغربيّة وسلطة أوسلو وقمعها للمتظاهرين والمتظاهرات، عندنا في سخنين والناصرة وأم الفحم. ولنأخذ أنفسنا بقليل من الجديّة. 


الأربعاء، 4 مارس، 2015

جوع الأبيض


صادفت اليوم هذه الصورة التي التقطتها عايدة قعدان في العام 2013. نعرف أن هذه الصورة لطفلة خرجت من سوريا، وعليه فإن كل ما أريد أن أحكيه عن الصورة، رغم أنه ليس مباشرًا بأي شكل من الأشكال، يقع في سياق التفكير الواعي وغير الواعي بالحالة السوريّة.

جوليا - عايدة قعدان (2013)



اللون الأبيض في هذه الصورة نادر بقسوته. محشوّ بالموت والفقدان. لون أبيض يتضمّن فراغًا حادًا، يحمل الفراغ ويستخدمه ليسطو على الصورة فينتشر عليه ويرسّم حدودها. تُصرّ الصورة على أن الفراغ موضوعها، فلا يعود الأبيض لونًا في الصورة، إنما تصبح الصورة أسيرة لونها، تنتهي حيث ينتهي هو.  وهذا الأبيض ينطق باسم موتٍ جامعٍ للألوان، يراكم تناقضاتها التي رفضت الاستسلم لبعضها البعض. ليس لونًا، إنما حصيلة أطيافٍ تطرّفت إلى حدودٍ مطلقة إلى أنه اختفت كلها إليه – إلى هذا الموت الذي ليس فيه شيء من الموت الذي نعرفه – ذاك الأسود العبثيّ المستسلم. إن الأسود عادةً، هو لون الموت قابعًا في القبور، بينما الأبيض هنا هو لون الموت المُطلّ علينا من السماء، الموت الذي يحتوي على معرفة الآخرة. والموت في هذه الصورة يُلقي من السماء بكلّ جسده على الغرفة، بكلّ جثّته الثقيلة والعارية. هذا موت آخر: موت متربّص مترصّد يحمل قصدًا. هو فراغ عدوانيّ، وقح، نافر، يستطيع في هذه الصورة أن يغتنم كل المساحة ليُعلن هزيمة الألوان في سوريا – الأبيض الذي يجمع جثث الطيف، يكدّسها، يجلس فوقها، ويضحك.


إن الغياب في هذه الصورة ليس مسالمًا بأي شكلٍ من الأشكال. فهو لا يتوانى في استدراج المشاهد إليه، ينهشنا ويبتلعنا يمتصّ لونا فيحوّلنا جزءًا منه. إنه غياب مخادع، مناور، يلعب في صعوده وهبوطه لعبة: يُنتج فروقات وهميّة تقنعنا بأن هذا الأبيض الذي أمامنا ليس نفسه، لكنه يخلق بينه وبين نفسه فوارق تتنافس على النيل منّا، فيدبّ فينا رغبة أن نختار بين خياراتٍ هي في الواقع نفسها.


يكشف الفراغ الأبيض في هذه الصورة عن بناءٍ وظيفيّ لبيتٍ من دون وظيفة. تنازل سكّانه عن حاجاتهم حين تنازلوا عن أملهم بالحصول عليها. غرفة من دون معنى، خالية اتجاه قاطنيها الممتلئين الذين يحبسون في داخلهم الكثير، ويحبسون إراداتهم بالأساس. ليس في هذه الغرفة أي أغراضٍ أو تفاصيل توفّر الدفء الذي يشعر به الإنسان حين يكون سيدًا على بيته الصغير، بأغراضه وتفاصيله التي ُلدت لتلبي حاجة السيّد. إن الإنسان الظاهر في هذه الصورة يحبس في  نفسه كلّ ما يحاكي العاطفيّة الدافئة أو حتّى الغضب الحار، إذا لا يمتلك مسندًا أو موضعًا لصبّهذه العواطف كلّها في هذا البيت الغائب.


يمارس الأبيض في هذه الصورة خدعتين وكذبة فظّة واحدة.  فهو أولًا يسحبنا إلى وهم الاختلاف بين مدخلين لغرفٍ أخرى. الأوّل بابه ظاهر فيه عن طريق إطاره الأسود، مدخل يطلّ منه ضوء نظاميّ مستقيم وباهت ومحدود. بينما المدخل الثاني يشعّ منه ضوء مشاكس، يتعدّى على الإطار الأسود  في داخل الغرفة الثانية، ويتطفّل على الجدار، وهو يطلق بياضًا باتجاه القادم إليه بعكس المدخل الأوّل الذي يقطع امتداده رواق البيت عرضًا. على أن الفرق بين غرفةٍ بابها مؤطّر بالأسود وأخرى ينتفض فيها الضوء، رغم التلميح بسوادٍ ما داخلها، ليس فرقًا مثبتًا، لا شيء يشهد علميًا بأن الغرفة الثانية أكثر نورًا من الأولى، ولكن الأبيض يمارس خديعته، كما قلنا، إذ أنه كما قلت سابقًا، يلعب لُعبة انتاج الفروقات الوهميّة، ولعبة الموت المتنافس مع ذاته على جائزة النيل منّا. أما الخدعة الثانية التي تمارسها الصورة فهي لتزيد قانعتنا بأنّ الغرفة الثانية هي تلك المرغوبة، فنرى الطفلة تعبر المدخل الأول، تتجاوزه، دون أن تلتفت إليه، وتخطو نحو الآخر. لكن الكذبة الفظة تكمن في انقطاع الصورة عند حدود المدخل الثالث، ذلك الذي تنظر إليه البنت. إنه المدخل الذي لا يستطيع الأبيض تحديده، المدخل الذي لم تمت الألوان فيه ولا زالت تصارع على مكانها، المدخل الذي لم تنتصر عليه الكثافة فلم تلغِه. اختفى الباب الثالث من سوريا إذ أبى أن يدخل في دائرة النفي ودائرة الموت المطلق.  إن الأبيض – وهو سيّد الصورة كما قلنا- عزل الباب الثالث من الصورة تمامًا لأن سيّد الغرفة لم يتمكّن حتّى الآن من إحراز انتصاره عليه ليدخله في صورتنا هذه – ليبتلعه.


يحوّل الأبيض هذه المساحة إلى مساحةٍ عملاقة شاسعة، وكلما كبرت يكبر معها الإنسان الذي يشغل حيّزًا منها. أما الطفلة فتكبر الآن وتصبح بالغةً: هذه اللحظة العمريّة التي يصبح المشيّ فيها اعتياديًا فترتفع القدم اليسرى عن الأرض بثقة، هي اللحظة التي تتنازل فيها الطفلة عن علاقتها بالغرفة، وتحدد علاقة جسدها بأرض الغرفة البيضاء. قبل هذه اللحظة، كان الربط بين الطفلة ومكانها حتميًا، إنما في اللحظة التي يتمكّن فيها الطفل من الوقوف على قدميه والسير بحريّة، فهو ينفصل بالضرورة عن محيطه. وأنت لو أمعنت النظر بالصورة من هذه اللحظة الزمنيّة، سينزل عن ظهرك همًا ثقيلًا: همّ أن ننظر إلى هذا المكان باعتباره بيتًا للطفلة. نحن نرى منذ اللحظة الأولى هذه الصورة صورةً داخل بيتٍ، لأن ما فينا من رحمةٍ إنسانيّة رفض أن يموضع هذه الطفلة الصغيرة في أي مكانٍ آخر غير بيتها – المكان الطبيعي الذي يجب أن تكون فيه الطفلة. وهي ليست هناك بالحقيقة، هي لاجئة. فلو تخلّصنا من قلقنا عليها، وسمحنا لأنفسنا بأن نعتبر هذا المكان شيئًا آخر غير البيت لاستطعنا أن نرى بوضوح أن هذا الكائن الحيّ داخل الصورة لم يعد طفلًا. لكنه حصل على قدرٍ جديّ من البلوغ في مشيته واستقلاليّته وفي الشعر الذي يمكن أن نراه شعر طفلةٍ لكنّه كذلك شعر امرأةٍ رصينة واثقة على حافّة الأربعين، كمان أن شكل ما تلبسه قد يكون فعلًا رداء طفلةٍ صغيرة، لكنه قد يكون رداء سيّدة بالغة في لحظةٍ حميميّة ما من حياتها. وسأقول بحذر أن مشيتها في الرواق الفارغ بهذا الشكل، تذكّر بمشاهد سينمائيّة كثيرة مألوفة تخرج فيها بائعة هوى من إحدى الغرف وتمشي في رواق الماخور الفارغ.


لقد فعل الأبيض فعلته إذن، لقد أوقع بنّا مرةً أخرى وابتلع الطفلة، ذوّبها فيه لتفقد ملامح شخصيّتها أمامنا ونتحرر من التعامل معها كما هي عليه. لقد اختلط الأمر. ومثلما اختلطت الألوان بتطرّف وابتلعها الأبيض، اختلطت عليّ شخصيّات الكائن الحيّ الظاهر في هذه الصورة. وليست هذه اللهفة وهذا الشوق للغوص في بحر إمكانيّات هذه الإنسان، إلا وسيلة الأبيض ليجعلنا نلحق بها، نحن المختبئون وراء شيءٍ مايظهر في زاوية الصورة التحتى.



يبتلع الأبيض كلّ الألوان حين تتبعثر وتختلط وتتجادل وتتطرّف. ومثلما تبتلع سطوته الألوان، ينفّذ الأبيض خدعه ليختلط فينا الأمر حول هذه "الطفلة"، تتبعثر أفكارنا، خيالاتنا، رؤيتنا، نتوه فيها رغم وضوحها. يبتلعها العالم الأبيض – عالم اللجوء هذا- ويقتل شخصيّتها التي كانت قبل قليل غايةً في الوضوح. تذكروا، قبل سطورٍ قليلة فقط، كنّا متأكدين من أنها طفلةً طيبة تخطو خطواتها الأولى في رواق بيتها. ثم يجعلنا نتبع هذه الغائبة بفضولٍ ونهم، نمشي إليها، خلفها، إلى أن يستدرجنا الأبيض الجائع، الموت اللئيم، إلى داخل سيادته المرئيّة  في عمق الصورة ويبتلعنا.

الاثنين، 16 فبراير، 2015

مهرجان القائمة المشتركة: من دخل بيت دوف حنين فهو آمن




كان يوم السبت مهرجان انطلاق حملة القائمة المشتركة في الناصرة. قاعة أبو ماهر الي كان فيها المهرجان بعرفهاش غير من مهرجانات سابقة، مهرجانات مكانش فيها محل للناس توقّف ع الدرج، مهرجانات كانت القاعة الصغيرة تملا شباب قاعدة قبال شاشة، ومهرجانات تلاقي ع مدخلها الباصات مصفصفة من كل البلاد والمناطق. الحضور كان ممتاز؟ كان ممتاز لو انه الجبهة عاملة المهرجان لحالها، أو التجمع أو الإسلاميّة. حاولت ببساطة أحسب عدد المندوبين في البرايميريز للأحزاب الثلاثة، طلّع معي إشي بشبه العدد الي كان بالقاعة. بادي نقّ؟ بالزبط. 

كان في بالقاعة نوعين ناس. ناس محششين، وناس مش مصدّقين إيش هذول المحششين عم بعملوا. ناس طايرين بالهوا، محبة ورواق وخضار وشوي بدهن يلبسوا قمصان مفتوحة وسنسال ورد ونظارات شمس، والكل يعبّط ببعضه ويبوّس ببعضه، وإنه بتشعر بكل لحظة إنه ممكن يجي عصام مخّول يمدلّك كبّاية موخيتو. وفي ناس، مثلي، مش فاهمين إيش عم بصير. كأنك فايت ع كوكب ثاني. وفجأة بتبدا تكتشف إنه كثير غريب الموضوع، بس من ناحية ثانية كثير مألوف، إنه كلهن زيّ بعض. يعني عادي. عندك جماعة "إحنا الطاقم إعلامي ومعانا netstick" بكونوا قاعدين ورا المنصّة، وعندك الشباب الي دمّهن حامي بكونوا واقفين ع الجنبين (هدول هتّيفة + حبّيبة، أنا خرّيج هاي المدرسة)، وعندك ثلاث أنواع مخضرمين حزبيًا: في نوع واثق من حاله بكون واقف ساند الحيط الورّاني الي ع جنبين الباب، ونوع من جماعة الي بدهن اهتمام بتلاقيهن واقفين (الله أعلم ليش!) بعِرق المنصّة دغري. وفي عندك نوع ثالث اسمه علي مواسي بضل كل المهرجان رايح جاي. وفي عندك المحترفين والمتفرّغين بالأحزاب الي فوق الأربعين بكونوا دايمًا واقفين يدخنوا ع الدرجة، وقد برز غياب هذه الشريحة بالمهرجان لسبب مش واضحلي.  

*

منصور عبّاس (الحركة الإسلاميّة) كان عريف الحفل، بكل جديّة الزلمة هذا لطيف. بس إنه، يمكن عشان الوحدة وهيك، كان في إشي زي النسويّات. كيف بالزبط النسويّين\ات كلشي لازم يحكوه\ا بالمذكر والمؤنث، هيك الشّيخ منصور حسّ إنه كلشي بقوله لازم يلائمه للجبهة والتجمع والحركة، أو مسلم ومسيحي وعلماني، كلشي لازم تقوله ثلاث مرّات. فبدأ بده يدعي الناس للوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء، إسا الشيخ متعوّد إنه شو؟ يقرأوا الفاتحة والسلام عليكم وخلّصنا الموضوع. قام قلّك "نقف إجلالاً لأرواح شهداءنا، فمنّا من سيتلو صلاة (قصده المسيحيّة) ومنّا من سيقرأ الفاتحة (قصده الإسلام) ومنّا من... (علّق)... سيقف دقيقة صمتٍ لأرواحهم". إسا تمام، مشينا بالموضوع، بتقدرش تضحك لأنه دقيقة صمت. إسا شو؟ الشيخ عامل حسابه انه بتخلص الصمت، بيجي بعدها النشيد الوطني، بس شو المشكلة؟ إنه الشيخ إله بالعادة يعيّر ع الفاتحة، إسا الفاتحة يعني إذا مدّيتها منيح بتوخد معك 15 ثانية، بالجنازات عمومًا بتوخد بين 5 لـ 10 ثواني حسب عمر المرحوم، كل م كان أكبر بقروها أسرع. فمرقوا 15 ثانية قام الشيخ منصور بكل تلقائيّة بقول: 

"موطني"

صمت في القاعة. 

العلمانيين علميين، باقيلهم 45 ثانية للدقيقة.
المسيحيّة مخلّصوش الإفلوغيتاريا. 

صمت في القاعة. وصدى الشيخ منصور يتردد "موطني".. "موطني".. "لماذا لم يطرقوا جدران الخزّان؟"... "لماذا لم يطرقوا جدران الخزّان؟"

وطبعًا استمر الشيخ منصور هيك حتّى نهاية المهرجان بحاول يقول كلشي مثلّث. وطبعًا المحطّة المفصليّة لما توجّه للحركة الإسلاميّة قال الأخوة، وما بده يتوجّه للجبهة قام نسي جمع كلمة رفيق: والـ... رُفقاء. إسا تمام، الشيخ غلط بس يعني بتلوموش. إنه بكل جديّة، إحنا بالـ 2015 ليش بعده اليسار مصرّ ينادي بعضه "رفاق". إنه يا إبن وسائل الانتاج تغيّرت، وحضرتك، بالذات انت، مش واقف ع خط الانتاج بمصنع سيّارات، ناهيك عن إنه كلّ اليسار بعرف بعضه، نادوا بعض بأساميكو! بعدين أجا دور ينادي نشطاء العربّة للتغيير (فش هيك إشي، مناداهنّش) بعدين أجا دور التجمّع. قال الحركة الإسلاميّة أخوة، الجبهة رفاق، والتجمع شو؟ إنه شو بده يقلّهن يعني؟ أتراب؟ عناصر؟ قام قلّهن زملاء... ليش لأ، الشغل مش عيب. 

وبعدين أجا نشيد موطني. مهو يا جماعة شو هي الوحدة؟ الوحدة إنه كل واحد من جهته يقدر يتنازل بجوانب معيّنة عشان يوصل لاتفاق مع الآخر. إنه التجمّع مستحيل يتنازل عن النشيد الوطني، صبابا، بس بلاش التسجيل الحربجي، خدوا تسجيل هاني متواسي. يا جماعة حطّوا النشيد الوطني، النشيد الوطني لازم يستحوا يحطّوه بتقسيم الكعكة في خطبة عروسين بأوّل التسعينات.

*

كانت صبيّة جنبي حكت شغلة هلكتني ضحك، عرايها: "حاسّة حالة بفيلم ديزني، لما بآخر الفلم هيك كل حيوانات الغابة بتتحالف مع بعضها وبتقطع غابات شاسعة وبتيجي على الاجتماع، اشي زيّ فلم سيمبا، كأنه نهاية سعيدة ولكل متجمّع وبدهن يرفعوا وليّ العهد بالهوا..." 


*

طبعًا كان مهم إنه يشكروا لجنة الوفاق الي بدونها ما كانت هاي الوحدة تحققت، وبفكّر إنه رغم الخلافات من واجبنا كمان احنا نشكر أعضاء اللجنة مع حفاظ الألقاب والمناصب: محمد زيدان، أحمد ناطور، مصطفى كبها، محمد علي طه، ومريم فرح.

*

إسا عندك قبل م كل واحد يحكي بحطّوله غنّاي بطلع عليها. يعني مثلًا حنين زعبي طلعت يمكن حطّولها "وين الملايين"، مازن غنايم حطّوله "وين ع رام الله"، أيمن عودة حطّوله "منتصب القامة"، جمال زحالقة حطّوله "ساكن في حيّ السيّدة" (بمزح) أحمد طيبي، طبعًا، شو بدهن يحطّوله؟ علّي الكوفية علّي ولولح فيها، وكان ناقص يطلع ع المكرفون يغني: وتلولحي يا دالية يام غصون العالية. 

إسا وين الفلم؟ إنه أجا دور دوف حنين. إسا شو بدك تحطّ لدوف حنين؟ على المنصّة ناصب رشاشه على المنصّة؟ مبنفعش. ما منصور عبّس دعى دوف حنين ولا فجأة!
Imagine all the people, living for todaaaaaaaaaaay Woooohooooo

والحركة الإسلاميّة مُبتسمين! وجون لينون يقلّه imagine there is no heaven، وبرضه مُبتسمين، ويرد جون لينون يقلّه and no religion too. وبرضه مبتسمين.

فهمتوا شو الوحدة الوطنيّة؟

إسا صار كمان شغلة لذيذة إنه منصور عبّاس حكى قبل دوف حنين عن انه القائمة العربيّة هي القائمة الي بتنادي بالحريّة والمساواة والديمقراطيّة للكل وانها بتمثل هاي القيم وبالتالي في مكان لليهود فيها وإلى آخره، وإنه الزلمة قال حكي عظيم ومُسالم، بس إنه شو المشكلة بالإسلاميين؟ فش عندهن فينيش، قد م يكونوا مناح بالآخر بخرّبوها. حكى كل الحكي العسل الي بالعالم، وبالآخر رفع سبابته وصاح بالمكرفون: "فنحن نقول لهم، إن كنتم تريدون السلام! (وقفة ترصّد) فانضموا إلى القائمة المشتركة... (بهدوء إنما بثقة)"... إنه كان بكل لحظة ممكن يتطلع ع دوف حنين ويقلّه: "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن". 

ممكن أصلًا هذا يكون شعارنا بتل أبيب: من دخل بيت دوف حنين فهو آمن!

*

قال الطيبي عرايه: "ترفّعنا عن ذاتنا الحزبيّة"... يا زلمة خلص اسكت، زهكتك أنا، خلص... 

*

إسا بجدّ، خلص منيكة. أنا بفكّر إنه خطاب جمال زحالقة كان لازم يكون أجمد من هيك. يعني حكى جمال بأكثر من محل إنه هو الوحيد الي كان متفائل وإلى آخره وممتاز، بس مش مقنع كثير موضوع انه "لأنه هذا هو الإشي الصح". إنه "لا يصح إلا الصحيح" هذا مش شعار سياسي، بحكي جد. بس مش في شغلة واحدة كانت جامدة بخطاب جمال: 

كل واحد من الي حكوا كان محضرلوا هيك نقفة بيت شعر يلهلب العواطف. احنا شعب بحبّ الشعر. فحدا جايبلك سميح القاسم، ومحمد علي طه جايب حاله وجاي، والي اقتبس توفيق زيّاد، وطبعًا، هذا الذّ إشي، إنه جاي أحمد طيبي محضّر قصيدة لمحمود درويش، قامت عايدة توما طلعت محضّريتها نفسها، وخلعتها قبل الطيبي. إسا الطيبي صار محضّرها، ومبعرفش غيرها، شو بده يساوي، قام عادها. بس ألذ إشي بكل هذا إنه جمال زحالقة ترك الشابي وراشد حسين واقتبس أبو النوّاس، وعصام مخول بعده داير يعزم موخيتو ع الشباب... 

بس في شغلة حكاها جمال زحالقة مفهمتهاش منيح إنه ابواب الاتحاد الأوروبي مفتوحة أو هيك إشي، مكنتش مركّز بس احتمال التجمع بدهن يفوتوا ع الاتحاد الأوروبّي برضه. هني فيهن إشي شوي اشكنازي. 

*

مسعود غنايم من الحركة الإسلاميّة. هذا الزلمة أنا والله العظيم بحترمه، بس يعني تطلع ع المنصّة تقولّي "أشعر بالفخر أكثر من فخر هوميروس بالإلياذة؟ وإنك عاصرت عمالقة كما هم أخيليس؟" يا رجل شو مالك؟ شو هوميروس؟ يا رفيق شيخ مسعود، ركّز معنا الله يخلّيك، هوميروس هاد، مش محمد عسّاف بعدين شو عمالقة مثل أخيليس؟ يا زلمة منقلّك طلب أبو عرار بتقلّي أخيليس؟ خليك معنا يا أستاذ، بلاش تقلّي كمان إنه لجنة الوفاق قاعدة بمجلس الآلهة ع ظهر الأوليمبوس. 

*

وعندك فقرة الي شكروا فيها اعضاء الكنيست الي تركوا مناصبهن. إنه عفو اغباريّة ومحمد بركة، إسا كلهن وصفوهن وكالوا المديح، القائد المثابر، والنائب الشجاع، والمتألق، ومش عارف شو. وصلوا حنّا سويد. قال: النائب الراقي حنّا سويد. كأنه مسيحي من عيلبون شو بدنا نوصفه؟ مغوار؟ صنديد؟ يلا راقي راقي.

*

نهايةً، يا جماعة الله يتمم بخير. والله يجيب العواقب سليمة. ويا بخت مين وفّق ثلاث روس وأحمد طيبي ع مخدّة. وإسا ادشروكوا من المسخرة كان المهرجان عنجد ظاهرة انثروبولوجيّة إحنا لازم نعززها. وبما إنه النائب مسعود غنايم طرح موضوع أخيليس، أنا بفكر إحنا نستعين بالطرق الي كانوا يستخدموها تاريخيًا لتوطيد التحالفات وشدّ أواصرها.. يتجوّزوا من بعض. أنا انتبهت امبارح إنه المجال مفتوح بشكل جدّي لصبايا وشباب الجبهة والتجمع والعربيّة للتغيير (فش هيك إشي بالحقيقة) يحبّوا بعض ويصاحبوا، والحركة الإسلاميّة كمان بس على سنة الله ورسوله هه. 

*

وهيك بدينا الحملة الانتخابيّة بالفالنتاين 14.2.2015
ومنشوفكو بالـ st. patrick's day بـ 17.3.2015

ومن شان الله، صوّتوا... مش عشان إشي، بس إنه توحّدنا ومش حلوة ننفضح قدّام العالم. 

الثلاثاء، 13 يناير، 2015

تشارلي مش عن جد زعلان






الشعب الفرنسي مش عنجد زعلان عشان قتل الرسّامين في مجلّة Charlie Hebdo. الشعب الفرنسي متضايق بالأساس لأنه قالوا إن هذا "يوم أسود في تاريخ فرنسا".  مارين لو بين قالت: "اليوم الأسود أخذ يوم بتاريخ فرنسا، بكرا الأسود بصير بده كل الأيام بتاريخ فرنسا".

متغرّكوش المظاهر. الفرنسيّة مش مفرق معهن الرسّامين. سيبك، هدول غيرانين لأنه داعش أخذ فكرة المقصلة وعملها Handmade، ومبعوصين إنه الّي نفّذوا العمليّة مأخذوش سبايا. بتعرفوا لو كان سبايا؟ كان نص الشعب الفرنسي كان إسا قاعد يفنطز ع سبيّة فرنسيّة مع سبع مجاهدين جزائريين، 20% من زلام فرنسا روّحوا ع البيت متنكّرين لمجاهدين عشان ينعشوا حياتهن الجنسيّة، وجان كلود بريسو أخرج كمان فلم سكس وعنف ما بعد حداثي، وانحبس كمان دور بتهمة تحرش جنسي.


الفرنسيّة مش عنجد زعلانين ع العمليّة، بس إذا في ثلاثة راح ينفذوا العمليّة، الفرنسيّة أكيد كانوا بفضّلوا الثلاثي جبران.

 الفرنسيّة غيرانين. بالأساس غيرانين. آه. غيرانين من الأميركان. الأميركان انعمل ضدهن عمليّة، راحوا احتلوا افغنستان، راحوا احتلوا العراق، الفرنسيّة شو بدهن يحتلوا؟ باربيس؟ مارسيليا؟ فش، رغم أنّ الفرنسيّة شايفين حالهن بكثير أجمد وأفحل من الأميركان بهاي القصص، خاصةً إنهن خلافًا للأميركان، بُرجهن بعده واقف.

بعدين حتّى لو زعلانين. إحنا ممكن بسهولة نرضيهن ونقلّهن إنه الي عملوا العمليّة هدول فنّانين، وإنه المجزرة كانت عمل فنّي معاصر. واحنا منتطوع نحنّط الجثث ونحطها بالبومبيدو مع صور من المظاهرة المليونيّة. أو ممكن بسهولة نذكّرهن انه مبيعات الجريدة طلعت من 100 ألف نسخة لـ 3 مليون نسخة، وإنه مرّات نشر الفنّ هدف بحد ذاته، حتى لو في ناس انزعجت أو انمست مشاعرها حزنًا على ناس ماتت.

لا جد، مش راح نلاقي صعوبة نراضي الفرنسيين. منعمل زي م بعملوا اي ثنين بحبّوا بعض لما يتركوا، برجعوا للنوستالجيا - منحط شاشات كبيرة بباريس ومنعرض زين الدين زيدان بمونديال 98، هيك من مرّة منشجّعهن ياخذوا المجزرة بروح رياضيّة. تخافوش، راح يسامحونا ع كلشي، ما عدا شغلة واحدة، وهي فعلًا بتنعملش، إنه إبن الشرموطة القاتل الي قتل الشرطيّة ليش كان واقف فوق جثتها يغنّي: "عايشة... عايشة"؟! بس غير هيك ع شو بدهن يزعلوا؟ إذا في حدا لازم يزعل هو إحنا. زعلانين إنّه رسّامينهن انقتلوا وبطّلوا يرسموا؟ احنا زعلانين ع إنّه أميّة جحا بعدها مُصرّة ترسم.



الحريّة تقود الجماهير (1830)
أصلًا الشعب الفرنسي لازم يشكرنا. إحنا اعطينا الرسّامين فرصة نادرة يلتقوا شخصيًا مع الشخصيّات الي بحبّوا يرسموها. بعدين احنا ضدّ الحريّة؟ احنا مش ضدّ الحريّة بس انت بتقبل بنتك تقود الجماهير وبزازها برّا؟ فرجاءً، الحريّة مالهاش علاقة بكل القصّة، هاي ميّا خليفة، حدا طخ عليها؟ حدا اعتدى عليها؟ حدا حكى معها؟ إذا حدا حكى معها أرجو يتواصل معي لأني كمان حابب أحكي معها... 

وإحنا كمان مش زعلانين ع الفرنسيّة. جد، فش زعل. بس إنه إحنا طخّينا ع المجلة بالـ 2005، وأقمنا حد السيف، ورجعنا طخينا مرتين بالـ2007 وبالـ2011. يعني قصتنا معاكو بادية من 10 سنين، اعطيناكو كل الوقت الي بالعالم تحضّروا حالكو وتكونوا جاهزين للمجزرة، معقول بعد كل هاي السنين معرفتوش تطلعوا غير بشعار "كلنا تشارلي"؟ إنه في حدا بعد بستعمل هذا الشعار غير أهل رام الله لما غزة تنقصف والتجمّع لما حنين زعبي تنشطب؟ 

الفرنسيّة مش زعلانين. هنّي بس متضايقين شوي إنه مكنش عندهن منخفض جوّي، ولّا كان محتاجوش يحطّوا الجثث ببرادات... م الدنيا برّا برّاد... 


* آه صح، نسيت أقول. اعتبروا هاي ساتيرا. بلوج إيريسبونسابل.

الأربعاء، 7 يناير، 2015

بطّلت أتحمّل قصّة ليلى الحمرا







قاهرني موضوع ليلى الحمرا. مش قادر أسكت ع الموضوع أكثر من هيك. مش عم بلاقي منطق الأشياء بهاي القصّة. ببساطة، مش راكبة ع عقلي وحاسس إنّه في إشي مش مزبوط. كل موضوع ليلى الحمرا مش نازلّي من زور. 

تعالوا نبدا من أوّل القصّة، إنه إسمها القبّعة الحمراء- بالإنجليزي Little red cap، ليلى هاي بس عند العرب- وكأنّه معطيين القبّعة الحمراء كل هالعظمة، وأساسًا القصّة بادية تشرح إنه ستّ ليلى هي الي جبتلها القبعة ومش عارف شو، وخلص، بتختفي القبعة فجأة. ولك يا حبيبي لطالما انت مش معني بالقبعة، لطالما اللون الأحمر مش مأثّر ع القصّة، ولا ع الذيب، ولا ع الصياد، لشو حاطط العنوان إنه خص نص قبعة وحمراء؟ لإيش عم تبعبص براس لولاد وعاملّهن عقدة مع الأحمر لمّا هو مالوش ولا أيّ دور بالأحداث؟

هاي أولًا. ثانيًا، إنت يا إم ليلى الحمرا يا زفت دايرة تعطيها نصايح. طيب شو كان بصير عليكي لو تحرّكي طيزك وتروحي انت تودّي لإمك ولّا مرت عمّك سلة الأكل بدل م تبعثي بنت القاصر؟ ولك عارفة انه في بالغابة ذيب وباعثة بنتك لحالها عند ستّها؟ فش دم؟ بعدين قال العرب ترجموا القصّة للأطفال ومكتبوش انه بالقصّة الأصليّة أم ليلى الحمرا بتبعث لست ليلى الحمرا قنينة نبيذ. نبيذ يا بنت الحرام؟ شو رايك تبعثيلها مارخوانا طبيّة؟ فش ذوق؟ يعني شو بدّك الذيب يفكّر عن بنتك لما هي حاملة قنينة النبيذ ودايرة بالشوارع؟ وبالآخر بتقولوا الذيب أكلها. 

بعدين حضرتك يا ذيب النَّم، لإيش هاد التذاكي كلّه؟ لإيش بتعملّي خطط؟ ولك شو مفكّر حالك؟ ثعلب؟ رومل؟ سليمان الفارسي؟ لإيش بتبعثها من طريق ثانية وبتسبّقلها وبتلبس أواعي ستّها ومش عارف ايش؟ شو بدك بكل هاي الطعريسة؟ ولك كُلها بأرضها، إنتشها يا زلمة أوّل م شفتها وخلّصنا من كل هالميمعة هاي. أي هو انت بدك توكل ليلى ولا تقاتل الناطور؟ قال شو. قال بعثها من الطريق الطويلة وراح أكل ستّها ولبس أواعيها. م من تياستك خلّص عليك الصيّاد، عشان تتعلّم تتفذلك. 

وكمان شغلة. هاي أهم واحدة. كل هاي القصّة وجيل بعد جيل، والأطفال كلهن حافظين ليلى الحمرا عن غيب. طيب شو المغزى من ليلى الحمرا؟ قال إنه إمّها قالتلها تروحيش من طريق الغابة، والذيب اقنعها تروح من طريق ثانية وعشان هيك أكلها. اسا فكروا بالموضوع بجديّة. ليلى الحمرا طلعت من دار أهلها بالطريق الي قالت عنها إمها. حلو؟ حلو. أجا الذيب شو عمل؟ اقنعها تروح من طريق الغابة وصار الي صار. طيب منستنتج من هيك إنه الذيب وين لاقى ليلى؟ لاقاها بالطريق الي قالت عنها إمها، بالطريق العادية، مش بطريق الغابة. يعني كله موضوع ليلى الحمرا وانه تردّ ع ماما كله خرا بخرا وفش منه هاد الحكي. مهو الذيب ملقاهاش بطريق الغابة! ولك م يمكن لو راحت طريق الغابة من الأوّل مكنش الذيب لاقاها شيلي ومكنتش صايرة كل هاي القصّة. طيب انتو ليش مستخفّين بعقولهن للولاد؟ ليش بتتسطلوا ع ربّهن؟ 

وفجأة بتفوت ليلى عند ستّها.
قال الذيب نايم بالتخت.
بتقوم ليلى بتسأله: ليش يا ستّي عيونك كبار؟ ليش يا ستّي منخارك كبير؟ ليش يا ستّي أذنيكي كبار؟

طيب انت يا شرموطة مش عارفة تميّزي ستّك من الذيب؟ هذا بس بقول وينتى آخر مرّة شفتيها ولّا طلّيتي عليها. 


قال وألذ إشي بتقلّه "ليش ذنيكي كبار" قال بقلّها "عشان أسمع منيح". يا زلمة أنا بعمري مشفتش ذيب أسمج منّك. قال واستنّاها تنها سألته: "وليش ثمك كبير" قلّها عشان آكلك، هع!" وأكلها. طيب افرض مسألتكاش عن ثمّك؟ افرض سألتك عن الفرو الي ع إجريك؟ يعني شو كنت تستنى؟ يعني تخيّل سألتك آخر إشي عن عينيك ووقفت أسئلة، شو بتعمل؟ بتصفن فيها يعني؟ بتسألها إذا في شغلات ثانية متغيّر فيك؟ يا زلمة خلّصنا كُلها، اقرطها يا زلمة، ليش هيك زيّ الشاعر إلي بعمل سكس. ثلث ترباع الساعة تحكي وجسدك وعيونك وأسمع جسمك وحوارات ومش عارف إيش عشان بالآخر تعمل سكس. هيك انت بالزبط خيا ذيب. 

مننتقل للأستاذ الصيّاد. بالقصّة الأصليّة قال الذيب بنام بطنه ملانه (طبعًا، ماكل السلالة كلّها) وبشخر بصوت عالي. بمرق الصيّاد من جنب بيت الجدّة وبقول لنفسه: هاي الجدّة بتشخر بصوت عالي، من الأفضل إني أتأكد إنه كلشي تمام عندها. وبفوت وبلاقي الذيب. بدايةً انت شو دخّلك؟ انت ليش عم تتسمّع ع الناس شو بتعمل ببيوتها؟ مين حضرتك يعني تنّك تحكم اذا حدا بشخر عالي ولا واطي وتتخذ خطوات بهذا الشأن؟ بعدين يا إبني الواحد بقعد مصاحب سنتين وبستحي يقول لصاحبته إنها بتشخّر بالليل، انت كيف إلك قلب تفوت عند الجدّة؟ شو بدك تقلها؟ كنتي تشخّري؟ بعدين هيك بتفوت؟ بتدقّش ع الباب؟ ما بتحسّه ولا هو فوق تختها! طب افرض الجدّة بزيق ربّها؟ افرض شالحة؟  افرض الجدّة كانت تمارس العادة السريّة قبل م تنام وتشخر؟ انت كيف بتسمح لنفسك تفوت ع بيوت الناس سلبطة؟

إسا طبعًا إحنا مش راح نعلقلهن ع كل قصة انه فتح بطن الذيب وطلّعهن سالمات غانمات، ما علينا. بدنا نقول خيال، ماشي. بس انتو بتعرفوا ليلى الحمرا شو عملت بالذيب بعد ما طلعت من بطنه؟ قال عبّتله بطنه حجار، ولمّا فاق الذيب بدي يركض عشان يهرب، قام مات من ثقل الحجار. إسا كمان دور، إنسوا موضوع انه الذيب بعد فيو حيل يركض. بس شو دينها هاي الطفلة الساديّة؟ ولك بتعبّيله بطنه حجار؟ ولك خلّيه قتّال قُتلى، خليه شو ما كان يكون، بتفتح بطنه بتعبّيه حجار؟ يا زلمة فش رحمة؟ وين أطباء لحقوق الإنسان؟ وين منظمات مناهضة التعذيب؟ انه هيك بدكو ولادكو؟ صبابا؟ دايرة تتسلى وتتضحوك وتعبّي حجار ببطن كائن حيّ وتضحك عليه وهو يركض ويموت؟

قال والصياد أخذ الفرو، والست شربت النبيذ وصحّت، وليلى الحمرا استنتجت انه بحياتها مش راح تترك الطريق الي امها قالت عنها. وهيك خلصت القصة. بالآخر بقلّك الآيباد بخرّب الطفال... 

وهاي حكايتي حكيتها وعليكو رميتها...