القول الفصل

القول الفصل

الأحد، 29 أبريل، 2012

تلفزيوننا الجديد.. عرس للصحافة!


قصتنا مع التلفزيون لا علاقة لها بمراحل اختراعه. لا علاقة لنا بالقط فيليكس الذي ظهر في أول بثٍ تلفزيوني في العام 1925، ولا علاقة مباشرة مع إطلاق التلفزيون الملون (في مطلع الستينات بحسب ويكيبيديا)، وطبعًا لا يهمنا بشكل جدي البث التاريخي بعد اغتيال جون ف. كينيدي.

قصتنا مع التلفزيون أبسط وأجمل: التلفزيون الأردني، غوّار الطوشة، سعد حدّاد، أو قصص الأنتينا التي ستجدها تتكرر في كل عائلةٍ عربية. ومن كل هذا، ذاكرتي الشخصية لا تزال عالقة في حقبة "الكوابل" التي عشتها في بيت جدي في قرية عرّابة، وهي المرحلة التي فصلت بين حقبتي "الأنتينا" و"الصحن"، أي الستالايت. وذلك في جيلٍ لم أكن أعرف فيه أن كلمة "كوابل" مرادفة لكلمة "كفاليم" (بالعبرية) التي تزودها شركة "ماتاف" الإسرائيلية لبيتنا في حيفا، فالفرق الشاسع بجودة الصورة والإثارة أقنعني بأن "الكوابل" والـ"كفاليم" عالمان مختلفان تمامًا.

لا أذكر الكثير مما كانت تبثه "كوابل أبو علي"، لكني لا أنسى ثباتي مثل المومياء أمام التلفاز في بيت جدّي لساعات طويلة، أشاهد البرنامج الأكثر إثارة وحركة الذي كانت تبثه قناة القرية: أعراس!

كانت القناة تبث أعراس القرية بشكل شبه يومي لساعات وساعات، وأعراس سنوات التسعينات ليست كباقي الأعراس، إنها علامة فارق في التحوّل من ثقافة صف الحوالّوم، أو صف الحداي، أو صف السحجة أو سمها ما شئت، إلى ثقافة السهرات، أي التحوّل التاريخي من السحجة إلى الرقص، وتأثيراته على حياة الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها الذي لا وطن لها سواه، ولنا عند هذه النقطة وقفةً في المستقبل القريب إن شاء الله رب العالمين.

المشهد لا يُنسى: ساعات وساعات، نشاهد "صف الحداي" يدور في البلد مثل النهر في القصيدة التي تعلمناها في المدرسة لحنا أبو حنا- يلوب ويلوب ويلوب...

تشاهد الناس الذين ضاعت ملامحهم من ذاكرتك يجلسون على كراسي بلاستيكية حمراء وزرقاء مكتوب على ظهرها أسم صاحبها "أبو الأليف"، وكنت أنتشي، في شيء من البورنوغرافيا الطفولية، وأنا أشاهد الكراسي وأتخيّل نفسي أحمل قطعة قماش ودلو ماء وأنظفها قبل أن يأتي الضيوف؛ إنها الوظيفة الأكثر متعةً لأي طفل بين سن الخامسة والعاشرة من الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها الذي لا وطن لها سواه.

وكنت أيضًا أخاف أن أرمش في الوقت الذي سيظهر فيه جدّي في الصف يُطبق شفتيه على سيجارة "تايم" ويصفق تصفيقًا ثلاثيًا مثل ماكنة أوتوماتيكية لقتل الذباب.

أتذكر أيامًا مضت، وحالة مضت، أما الآن فكل شيء تغيّر، رغم كل العقبات، استطعنا أن نجعل من هذا الماضي ذكريات جميلة تترك قهقهةً في كل جلسة عائلية.

اتذكر أيامٍ مضت، وحالة مضت، أما الآن فكل شيء تغيّر: صار لدينا مخرجون ينافسون على جوائز عالمية، وإمكانية لدراسة السينما والتلفزيون، ودورات صحافة تلفزيونية، كما لدينا صحافيون يعملون في قنوات تلفاز جديّة في العالم، وصرنا نظهر في البرايم تايم الإسرائيلي وبالإتش دي!


ولكن هذا كله لا يهم، ما يهم بالفعل هو أننا حققنا حلمًا أيها الأصدقاء.. لقد صار للأقلية العربية الباقية في وطنها قناة تلفاز خاصة! قناة لنا! لنا! قناة تمثلنا، تنطق باسمنا، تعرضنا بصورة عالية الجودة... ومن يعلم؟ ربما سيصبح عندنا برامج ناجحة، وربما يومًا ما سيصبح عندنا مسابقة ملكة جمال، وربما رياليتي؟ رياليتي لعرب الداخل! كم أريد أن أشاهد الشيخ إبراهيم صرصور وفيوليت سلامة في الـBig Brother... أو في برنامج Survivor الذي سيُصوّر على الأرجح في قرية العراقيب، أو في أحد أحياء الفقر في اللد...

مبروك أيها الأصدقاء، مبروك... أصبح عندنا الآن تلفزيونًا يمثلنا: هلا!
يا هلا والله...

أكتب هذه الكلمات وأنا أراجع محاضرات في "الصحافة السياسية" تجهيزًا لامتحان يوم الغد، ولأني أستنتج مما أقرأه في هذه الأوراق أننا أحدثنا قفزةً نوعية بالفعل، أننا انتقلنا من كوابل أو علي إلى عهد جديد من الصحافة التلفزيونية، شعرت باكتفاء ذاتي وقومي وقررت أن أكافئ نفسي وأخرج لاستراحة فيسبوك... على حائط أحد الأصدقاء وجدت، يا للحظ، فيديو يوتيوب مأخوذ من قناتنا الجديدة، أدامها الله فوق رؤوسنا... سارعت لمشاهدة ما يعرضه هذا التلفزيون فوجدت سهرة عرس في "قصر الأميرات" في كفر مندا...لا، ليس في التسعينات، في العام 2012... رُش سَلطات!

إليكم الفيديو؛ فيديو عن أيام مضت، عن حالةٍ مضت، وعن الـ"كل شيء" الذي لا يتغيّر.




الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

السُّم / شارل بودلير

الشرّيب - اونري دوميير

*
يعرف الخمر كيف يضفي حتى على أحقر الأكواخ

وأقذرها بذخاً خارقاً
ويفجر أكثر من رواق خرافي

في ذهب بخاره الأحمر

كشمس غاربة في سماء غائمة

الأفيون يزيد اتساع ما ليس له حدود

يطيل اللامتناهي يعمّق الزمن

يكشف عن أعماق اللذة

ويملأ النفس فوق ما تسع

بلذائذ قاتمة سوداء

كل هذا لا يضاهي هذا السُّم

المنسكب من عينيك الخضراوين

بحيرتين ترتجف أمامها نفسي

فترى نفسها في وضع مقلوب

وتَفِدُ إليها أحلامي زمراً

لترتوي من أعماقها المُرّة

كل هذا لا يضاهي أعجوبة لعابك الرهيب

الذي يشدّ على قلبي

ويغرق في النسيان نفسي بلا نَدَم

ويجرف معه دوارها

ويتركها خائرة على شواطئ الموت



ترجمة: حنا وجورجين طيّار



الأحد، 15 أبريل، 2012

الكاتب شهيدًا: غزّة فيتوريو آريغوني

|مجد كيّال|
ليس ضيفاً ولا إضافةً
بعد استشهاد فيتوريو آريغوني في غزّة في الخامس عشر من نيسان الأخير، شنقاً على يد جماعة "سلفية" اختطفته، تصبح قراءة مذكراته في الحرب على غزة "غزّة: ابق إنسانًا" مهمة مضنية. فمن جهة، يجابهك خطر الامتداح الملحمي بما يحمله من كليشيهات مستهلكة. ومن جهة أخرى لا يمكن تجاهل سياق أحداثٍ يسبق خلالها الكاتب مخطوطته بخطوات، فبدلاًً من أن تتقمص الكاتب لتنظر عبره إلى المكان والشخوص والحالة، تجد نفسك مضطراً إلى تقمص غزّة، لتنجز التنقيب عن ملامح الشهيد. إننا أمام تناقض مولود من مأساة المشهد الثقافي: الفجوة المؤسفة بين قيمة الكلمة وثمن التضحية.

الكتاب، في سياق استشهاد صاحبه، يدعونا للتركيز على فهم العلاقة بين الكاتب وما يدور حوله، إنها قضية مركزية؛ إننا نتحدث عن كتاب مذكّرات لرجل يأتي من مكانٍ بعيد ومختلف، رجل غريب، ولكن هذا الغريب متماه تماماً مع القضية التي تصمم المشهد المعروض في الكتاب (ربما أكثر من فلسطينيين كثر خرجوا لإضاءة الشموع تضامنًا مع غزّة) إن الكاتب المغترب لا يمارس- غالباً- اغتراباً عن المشهد، إنه يتمسك بالـ"نحن" حين يتحدث عن أهل غزة، ويتعامل مع وجوده في المكان كمفهوم ضمنا (ليس هكذا الأمر بالنسبة لنا) فهو ليس ضيفاً ولا إضافةً على الصورة القائمة، إنما هو جزء من المشهد، كما أنه يعرج على قضايا نعتبرها نحن "شأنا داخليًا لشعبنا" كما في هذه الجملة مثلًا: "عندما يبدأ زخ القذائف من السماء عن ارتفاع 10 آلاف متر، يمكنك ان تتأكد أنها لن تميّز بين علم فتح وعلم حماس المعلق على شباك بيتك". ومع ذلك، نلحظ الكاتب ينسل عائدًا بخفة إلى غربته تمهيداً حاذقاً لتوجيه نداء إلى القارئ الأوروبي.

من الظلم اتهام النص بزلّات بكائية، بالرغم من أنها موجودة. لقلّتها أولاً، وثانياً لأن طبيعة الكتابة الآنية للمذكرات في زمن المجازر والدم اليومي يحول دون إعطاء الحيز الزمني الكافي لاختمار الكتابة الأدبية.

ينتقل آريغوني بين أنماط كتابة عدة، فيبدو صحافياً ينقل الحدث بتفاصيله الجافة، ثم يلبس ثوب الاستعارات بنقل المشهد أدبياً، ثم يذهب في تحليل سياسي ينم عن معرفة ومتابعة للصحافة وصناعة الرأي العام. أما في تشخيص الواقع السياسي داخل غزة. أما في الجانب الاجتماعي فقد يُلام فيتوريو على تجنبه توجيه النقد لحالة الأسلمة المفروضة على السياسة والمجتمع.

*
يتمسّك آريغوني بتذييل النص اليومي بعبارة "غزّة: ابق إنسانًا" وهو عنوان الكتاب. لكن بوصلة الكتاب السياسية تشير إلى إنسانية أخرى غير تلك التي تحبها صناديق التمويل الغربية ومؤسسات تكريس دور الضحية. يتصدى فيتوريو لعنجهية الغرب "المتضامنة"، فالكاتب لا يحاول ابتذال إنسانية الفلسطيني، وكأنها أمر غير مفهوم ضمنا وبحاجة لإثبات. إنه يتخلص من منطق حقوق الإنسان المترهل بتشديده على تسييس الحالة، فيشترط الإنسانية بالتمسك بالانتماء إلى "الوطن الأصلي والتعبير عن الهوية والحق في السيادة". ويقول أيضًا: "يسألونني في المقابلات عن أوضاع الفلسطينيين الإنسانية في غزة، وكأن المشكلة هي مشكلة أكل وماء وكهرباء ونقص في الوقود، بدلًا من أن يهتموا بالسؤال الحقيقي: من الذي يسبب كل هذا عبر إغلاقه الحدود وتفجير أنابيب المياه ومحطات الكهرباء؟"

هذا النوع من الوعي هو الوحيد القادر على تقديم تفاصيل الإنسان الفلسطيني بضعفه وانكساره، انهياره وسخطه في سياق سياسي للمقاومة الفلسطينية.


وضع كتاب "غزّة: ابق إنسانًا" باللغة الإيطالية ونشر في العام 2009، ثم صدرت الترجمة الإنجليزية عام 2010 عن "Kube" للنشر بتقديم المفكر إيلان بابي. يقع الكتاب في 130 صفحة من القطع المتوسط.


 
* بعد مقتل فيتوريو بأيام كتبت في صحيفة "فصل المقال" قراءةً بذات المضمون تقريبًا، تحوي ترجمةً لمقتطفات من الكتاب ومن مدونة فيتوريو، وقد لا يجد من قرأ المادة السابقة تجديدًا كبيرًا في هذه المادة. مما اقتضى التنويه.

 

الاثنين، 2 أبريل، 2012

أبياتٌ في الجعة



|إدجار آلان بو|

إملأها زَبَدَ وكهرمانَ
كأسًا سأفرغها مرارا
طيف السعادة ها أتانا
في خدرِ ذهنيَ قد أنارَ
هذيان منفلت الخيالِ
بان حينًا ثم غاب
والوقت يمضي، لا أبالي
فالآن ذا وقت الشراب



* ترجمة مجد كيّال

ملاحظة 1: كتبها إدجار الآن بو على حائط خمّارة ولم يكن يملك مالاً لاحتساء الكحول التي أدمنها.
ملاحظة 2: يمكن الإدعاء بأن إدجار آلان بو في هذه القصيدة، خاصةً في البيت الأول، تأثّر من قصائد مدح الخمرة العربية، خاصةً في جملة "صفراء تعتق بين الماء والزبد"، وليس في الأمر غرابةً فمن المعروف عن بو تأثره الكبير بالأدب العربي والقرآن.