القول الفصل

القول الفصل

الأربعاء، 30 يناير، 2013

إيما غولدمان: "مرتي حلوة ما بطلقها"


دخلك شو الفرق بين غناية "نحنا ما عنا بنات تتوظف بشهادتها"
وغناية "يا ريت فيي خبيها وما خلي حدا يحاكيها"؟ 

م هاد "مخبيها وما حدا يحكيها" مخبيها عمدًا، عارف؟ وهداك بقلك "مش راح تفضي لأيا شي ثاني" يعني بلهيها، مشغولة الأخت.. 

ناهيك عن أنه، الثنتين خرا، م أحنا متفقين، بس ياخي ع الأقل جورج اسكندر بقلك: "حقوق المرأة ع عيني وع راسي"،  علأقل هاد سامع بحقوق المرأة. 

أنا من زمان حابب أحكي هلحكي، بس كل لخة جمهورية قلبي هاي لخة بلا طعمة، ومن إسا وغاد إذا بشوف صبية أو شب بروحوا بقعدوا لما تيجي الغناي بعرس، بدي أكسر جنابك وجنابه. ع أساس أنه "شفافك ما خلقت تتحكي شفافك خلقت تتنباس" هاي دين النسوية، أو ع أساس "مرتي حلوة ما بطلقها" من كلمات إيما غولدمان.
شعب شرّاق.

وبالنجاح للجميع

الأحد، 27 يناير، 2013

ملحوظة


التقرحات داخل الفم، يعني الحماوة باللسان والشفّة، هي تجسّد ساديّة الله. 

وشكرًا.

السبت، 26 يناير، 2013

ترويحة


إن أوجاع الصدر هذه هي الأمر الوحيد القادر على استبدال كتابتي العلاجيّة هذه.
هل تعرفين؟ إن المشي في الشارع يجعل هذه الأوجاع أعنف، لكن المشي في هذا البرد دون أكمامٍ طويلة أرحم من الجلوس في مكانٍ واحد. شيء ما يُبعد عنك الأفكار الشريرة حين تمشي في الشوارع. هل تعرفين؟ إن سير الوحيدين عبادة. 

هل تعرفين؟ لم أكن أعلم إني قادر على الحديث إليك، حتى وإن كان الأمر عبر المدوّنة. لو أن هذه المدونة تنطق بمسودّاتها المخفيّة لكانت الأمور بيننا أوضح، إنها واضحة على أي حال، وأوضح ما فيها هو الجبال المخبئة تحتها، وكأننا لا نعرف، وكأننا لا نرى. 

هل تظنين سحاب الكلام يغطي الجبال؟ 
إن مؤامرات التحكّم بالحقيقة ناجحة، صائبة، تخفي الكثير ومن العسير اكتشاف ما يدور خلفها. لكن هنالك عاملا واحدًا يكشف ويفضح كل تآمر على الحقيقة من أجل الإستضحاء الهادف، مع سبق الإصرار والترصد. هذا العامل الكاشف هو التعب، لا تعرف أي شيء، ولا أنت متأكد من أي شيء، ولا أنت كاشف للجبال المهولة خلف الستار، لكنك تشعر بثقلها، تشعر بتعبٍ ما على صدرك، تعب لا ينزاح. 

هذا التعب يوازي الموت حزنًا على شهيدٍ قاتل من أجل فكرة، وهذه الفكرة هي عفويّة الحقيقة. إن صفة الحقيقة الأولى أنها عفويّة، يا حبيبتي.
ما الذي تطلبه هذه العفوية إذن؟ جاهزيّة التخلّي، التحليق العاطفي دون جاذبيّة. 

إن وجودك هذا مربك. 
أنظر إلى شباك بيتٍ يضيء بالأزرق عند آخر شارع طبريا، أجدك هناك. 
انظر إلى داخل البار عبر الزجاج، أجدك هناك. 
أنظر إلى داخل السيارات التي يخفي البرد (أو الندى؟ ما اسم هذا الشيء؟) ما في داخلها، فأجدك هناك، في داخلها. 
أراقب الأغاني، أجدك هناك.
أطل  على درجٍ جانبيّ، أجدك هناك، أطل على سيارة سوداء فخمة زجاجها مرآة فلا تكشف ما في داخلها.
أرى نفسي بوضوح. 
هل كل هذه الصور واضحة في نفسي فقط؟ 

هل تعرفين؟ إن الأحداث التي بيننا هي مثل رزم أوراق تحمل النصوص. وكل رزمة مدبسة هي فصل من الرواية. 
لكن الغلاف
وعنونة الفصول وترقيمها
والفصول الناقصة
كلها بيدك.
ومع هذا ترفضين الاعتراف بأننا لدينا قصة واحدة ومتكاملة. إنك تتآمرين على دار النشر يا حبيبتي. 

إني أحب أن أكتب، لكني كلما اكتشفت فصلاً جديدًا كان قد غاب عني، اكتشفت مدى فشلي وخيبتي في الكتابة. هل تضحكين؟ ليس في الأمر ما يثير الضحك. إنك تمتلكين كل شيء، وتعرفين كل الحذافير.

فما الذي يجعلك تستمتعين بتحميلي مسؤولية أن أكتب النهاية؟ 

إن من اخترع فكرة الالتزام في علاقة عاطفيّة، كان على الأرجح رجلاً مطرودًا من حزب، أو يعمل في جمعيّة، أو يصادق جماعة من المشتغلين في الثقافة. إنه على الأرجح شخص ما يتعبه التآمر على الحقيقة من أجل بناء قصص ناجحة. 

هل تعرفين؟ على سيرة الحزب والمثقفين، لقد أكلت اليوم لحمًا مشويًا كثيرًا أثناء الحديث عن نتائج الإنتخابات. ألا تلاحظين التشابه الكبير بين هؤلاء النباتيين من جهة، وهؤلاء الذين يقاطعون انتخابات الكنيست من جهة أخرى؟ هناك شيء ما، بكليهما، لزج ويشبه رائحة الثياب التي أخرجت من المغسلة ولم تُجفف. لماذا لا يتوحد النباتيون مع مقاطعي الانتخابات؟ 

هل ستكون هذه التدوينة موضوع للحديث مع صديقاتك؟ 
أخشى هذا. ألا تعرفين كم أخاف؟ لقد قررت اليوم أن أكره فكرة أنني خويف، فهي تجعلني أشعر بأنني سيد قشّوع، أنا أكره سيّد قشّوع، والأكثر من هذا، أنا أكره زوجة سيّد قشّوع. 

لا تجعلي من هذه التدوينة موضوعا للحديث، فأنا أكره الميتا-روايات. 

شيء أخير، إني أقدر الأفلام التي يموت أبطالها في النهاية. 

الأربعاء، 16 يناير، 2013

الطيّبون

     الرسالة الثانية عشر إلى ويليام



Dulle Griet - Pieter Bruegelthe Elder (1562)





عزيزي ويليام،

حين كنت في مثل سنّك لم أكن أسكر في خمّارات تل أبيب ولم أستنشق الكوكايين، أنت تعرفني خير معرفة. في واحدة من تلك الليالي كنت أشعل النار على السفح وعيوننا إلى البلاد، كنت أحرس المعسكر ليلتين قبل تنفيذ أوامر مفترسة نقضي فيها على أعداءٍ ثانويين، وكان قائد المجموعة قد انضمّ إلى ناري، وقال أن هذه النار أبرد من الأسئلة الجحيمية التي تدور في رأسه حول أوامر الأيام القادمة. 


عندما أتحفته بتفاؤلي قال ببساطة أن طيبة الجنود وإخلاصهم الحقيقي وحبّهم للحياة والوطن، لا يجعل الحرب التي يخوضونها عادلة. 

في اليوم التالي، ساعات قليلة قبل تنفيذ الأوامر، طلبت القيادات العليا أن أترك المعسكر وأتوجّه إلى بيروت حيث أعطوني أوامرَ تعتمد على جواز سفري. وحين حصل القتال المروّع كنت في طريق عودتي إلى القرية، وسمعت، مثلما يسمع الناس في الأخبار، عمّا حصل في هناك.

ثم مرّت أسابيع قليلة.
ثم أتى السجن. 
ثم أتى التبادل.
ثم أتت أمك. 
ثم بدأت القصّة.

إن الشخصيّات الطيبة يا ويليام، لا تصنع قصصًا جميلة. 

الثلاثاء، 15 يناير، 2013

غضب الآب

    الرسالة الحادية عشر إلى ويليام



ضمةُ تشبه الحلمة 




عزيزي ويليام، 


عصر ذاك اليوم، كنت منطلقًا تدور على دراجاتك الهوائية حول المسرح الجوّال الذي نصب عند ساحة البيادر معدّاته وستائره وخشبته... والممثلين البارعين العاملين فيه، من سكّان المدن، يستعدون لعرض مسرحيّتهم الليلة.

في المساء، رمت لي أمّك النصّ وخرجت إلى الساحة المعتمة لتلمس أحد النجوم.

ثم صرت أنت مشاهدًا (تحت سنّ الثامن عشر).

ثم انطلقت تركض نحو الكنيسة، وتحوّلت من مشاهدٍ إلى راوٍ.

هل تذكر يا ويليام واحدًا من نقاشاتنا السياسيّة؟ قلت لي في حينه: "إن رجال الدين لا يحبّون المسرح، إلا إن كان يخدمهم."

في اليوم التالي كنت تدور على درّاجتك الهوائيّة حول ساحة البيادر الخالية، وقد أفلت النجوم.

كيف أغضبته يا ويليام؟ هل كنت حكواتيًا بهذا القدر من السوء؟ لعل هذا السبب من وراء تنازلك عن القصص القصيرة المضبوطة، وهروبك إلى الأدب المكسّر. 

لو أنك تقبض على اللغة الصحيحة يا ويليام، لأفلتت أمك من عقابها الأليم.
إن كدمات الربوبيّة لا تمتصها إلا اللغات. 


الاثنين، 14 يناير، 2013

العُـمّـاد

     الرسالة العاشرة إلى ويليام


الله - آرا غولير (1956)
يا ويليام،

هل ستسفك دم ذلك الرجل الطيّب؟ لعلّي أعتقد أن ما حدث لم يكن ذنبه قطّ، بل أعتقد بأن مثله لا يخطئون أبدًا، لعلها كانت خطيئتي أنا فحسب، لعلّي كنت ساذجًا أو غبيًا، لكن الأمر برمّته كان عبارة عن سباقٍ خسرته قبل أن يبدأ، كان عليّ أن أستمع إليها، أن أقرأ، أن أحب المسرح، قبل أن يبدأ السباق. 

كانت قامته طويلة، ولغته العربية قصيرة، وغرفته خشبيةً واسعة فيها معدّات الخشوع، تنزل إليها عن طريق درجٍ حديديّ من خلف غرفةٍ يبات فيها جريس شمّاس الكنيسة. يُقال، والله أعلم، أن غرفة الأب أثاناسيوس تخلو إلا من سرير ومئات الكتب باللغة الغاليّة التي لم يعد يستعملها الكثير من الإيرلنديين، إلى جانب الكتب الإنجليزية والكتب القديمة القليلة باللاتينية، إلى جانب كتاب عربيّ وقاموس ترجمة. 

لقد كانت فكرتي في البداية يا ويليام، أقسم أنها كانت فكرتي ولا ذنب لأمك أو لأبينا في بدايتها. كنا نجلس أنا وأمك تحت ذلك النصب التذكاري وسط الجبل، كما اعتدنا، وكنّا نبكي دون توقف- كانت هذه أول مرّة أبكي أمامها، آخر مرة كانت عندما وُلدتَ أنت: تكسّر الشاب صاحب العضلات والرأس المربّع. 

ثم وعدتها بأني لن أتركها إلى الأبد.

ثم وعدتها أن أحدًا لن يصيب شعرة واحدة من رأسها.

كان ذلك قبل أن تشيب. 

ثم قفزت مقترحًا أن تذهب إلى أبينا أثاناسيوس الذي لطالما فاجأنا بطيب تعامله وإصغائه، واتساع فضيلته لابتلاع خطايانا بإبتسامة. 

ذهبت أمك واعترفت أمامه بك، وعادت تبكي، وقالت اننا سنتزوّج، أن الأب سيتدبر ذلك، وأننا سنكون تحت رعايته وحمايته... وكان ذلك كافيًا.  

طلب أبونا أثاناسيوس من أمك أن أزوره صباح اليوم التالي، تمام السادسة صباحًا، فذهبت. هل فتحت يومًا باب كنيسة يا ويليام؟ إنه شعور يشبه فتح بوابات المدن، إنك لا تعرف هذا الشعور، ففي لغتك ليس للمدن أسوار ولا بوابات، إنكم تملكون فقط كائنات إسمنتيّة بعلو ثمانية أمتار ملوّنة بالمراهقة السياسية.

كان جريس يجلس على المقعد الأخير متثائبًا، أما الأب أثاناسيوس فظل ينظر إلى الصليب الكبير المعلّق فوق هيكل الكنيسة، ثم بعد دقائق التفت لي بابتسامة صباحيّة ومشى نحوي، أمسك بيدي وجرّني حتى وجدت نفسي واقفًا وراء الهيكل. تركني وعاد ماشيًا إلى المقعد الأخير حيث يجلس جريس، قبّله على جبينه وأمره هامسًا بالخروج. 

كان يتحدث إليّ وصدى صوته يتردد في الكنيسة كأنه كلام الله مع نوح، كما تروي القصص: "إن يسوع وحده من يخلّصنا من خطايانا، حدث ما حدث، صار ما صار، عليك الآن أن تكون رجلاً صالحًا وتبني عائلتك هذه، وعليك..."

توقّف لنصف دقيقةٍ ثم قال: "هي وأنت، وأبنك ويليام... إن كان الجنين ذكرًا، أن تكونوا خدمًا مطيعين."

ثم قال: "مطيعين للرب، مطيعين للكنيسة." 

انشغلت يومها بالتفكير بقراره الذي فرضه علينا بأن نسميك ويليام إن ولدت ذكرًا، ونسيت جملته الأخيرة التي ظننتها جملةً عابرة يقولها رجال الدين بكل مناسبة. يوم عمّادك، قالت لي أمك بأن ويليام كان اسم صديق عزيز لأبينا أثاناسيوس من موطنه الأصلي، إيرلندا، وقد قُتل هذا الصديق في الحرب. 

تزوّجنا دون علم أبناء عائلتها من القرية القريبة، وكانت سنواتنا الأولى عبارة عن استعداد دائمٍ لمعركة قادمة للدفاع عن بيتنا في حال هاجمتنا عائلة أمك لتثأر منّا ومما جلبناه عليهم من خزيّ. نظّفت بندقيّتي أكثر مما قبّلتك، وراودتني أحلام فيها كميّات من الدم أكثر من كمية الحليب والماء التي رضعتها في كل طفولتك.

لكنّه كما وعد أوفى، وأعلن في القدّاس أن أي اعتداءٍ علينا هو اعتداءٌ على الكنيسة، تمامًا كما تُعلن الحركات السياسيّة. 

لم ينقظنا تنظيف البندقيّة يا ويليام، بل استحمام أمّك.


أبونا رجل طيّب يا ويليام، وفضيلته تبتلع خطايانا، أما خطاياه فتبتلع حياتنا، ولكن هذا موضوع آخر.

هل تعرف؟ الآن، أتذكر يوم عمّادك، وأتذكر كيف حكت لي أمك عن ذاك الصديق الإيرلندي، وبأثر رجعيّ أتذكر البريق في عينيّ أمك، وشوقها المندفع لتحكي أكثر وأكثر عن ما قرأته في الكتب، لكن ذلك لم يكن موضع اهتمام بالنسبة لي. هل تعرف يا ويليام؟ ربما، لو أني في وقتها كنت أكترث لهذه الأمور، وسألتها سؤالاً بسيطًا مثل: "الحرب؟ بين من ومن؟" 

ربما كنّا الآن عائلةً سعيدة، وما كنّا بحاجة إلى هذه الرسالة الطويلة. 

السبت، 12 يناير، 2013

الحلم

    الرسالة التاسعة إلى ويليام


ذراع جريكو - دافيد سال (1952)

عزيزي ويليام، 

لقد حلمت الليلة حلمًا غريبًا: كنت أجلس عاريًا على الكرسيّ الموصوف بالمشهد السابع، وسط فراغ أسود - دون حدود، دون بداية، دون سقف، دون نهاية، دون أرض، دون زوايا. كفتاي مبسوطتان على ركبيّ، وظهري قائم على الكرسيّ، وفي وجهي ثقب صغير. 

ومن حيث لا أعرف، دخلتا إليّ صفاء وأمّك ووقفتا على بعد مترٍ واحدٍ منّي عاريتين. كثّة عانة صفاء، حليق إسب أمك. دمعة صفاء تشق طريقها على وجهها المكسوّ بالدم، ابتسامة أمك، عبر قناع الدم أيضًا، تضيء الفراغ. ثقب صغير فوق ثديي صفاء، وثقوب صغيرة أسفل بطن أمك. 

- "أشمّ..." قلتُ لهنّ. 
- "لذلك أرسلنا نتبعك؛ لتتذكر الوصيّة." قالت أمّك.
- "رائحتي." قلت.
- "إنّه دمك، مسح وجوهنا بك لتتذكّر الوصيّة." قالت صفاء.
- "رائحته" قلت.
- "إنها تفوح من فرجينا، أنا وهذه الشرموطة الصغيرة" قالت أمك.
- "قال لي - (أكتب بلغتي)- ألن يأتي؟ هل سيغيب ويتركنا هنا؟"
- "لا أعرف لكنك تبدو الآن جميلاً يا حبيبي" قالت لي أمك، كان بطن صفاء قد تكوّر وكانت تطلق تأوهات ألمٍ يعتصرها، وكان صوت الآهات يخرج من فمها وهي تسقط على الأرض الغائبة، وما أن يصطدم صوتها بجدران الفراغ حتى يعود إلى مسمعنا بجملتك الأخيرة: "لن تتكرر القصّة، لن تتكرر القصّة."

لم يكن هذا حُلمًا يا ويليام، لكني أروي جريمتك الحقيرة بلغتك البوست موديرن، كأني متطوعٌ أجنبيّ في الضفة الغربيّة. 

لم يكن هذا حلمًا. 

الضحك

    الرسالة الثامنة إلى ويليام



بدون عنوان - بيرجيت كاهل (1957)


عزيزي ويليام، 

أكتب فقط لأعلمك بأن صفاء خرجت صباحًا إلى الكنيسة لحضور القدّاس. 
إن صفاء يا ويليام صبيةً في مقتبلِ عُمرها، أنت غبت، وهي لم تَنفُق بعد. يقول المشاهدون بأنه لا بدّ أن يكون بها عيب ما، أو لعلّها ليست شريفة، لذلك لم تنفق، أي لم يتقدّم لها أي عريس، وهذا يُفسر أنها تسكن عندنا من قبل غيابك وبعده.

هل تعرف يا ويليام أن العرب يقولون عن الدّابة الميّتة بأنها "نَفَقَت"؟ 
إن لغتك يا ويليام لغةً حديثة لا تفقه التعابير القديمة ولا تتمسك بالأدب القديم، إن ثقافة الصحراء والفلاحة ليست من ضلعك، لذلك السبب أيضًا، لم تكترث لصفاء وما سيقال عنها. 

إن صفاء في طريقها الآن إلى الكنيسة، وأنت تعرف ما الذي يفعلونه في كنيسة القرية بعد القدّاس. هل تعرف يا ويليام؟ لقد وقفت عند باب البيت أراقبها وهي تمشي السبيل خارجة. كانت الشمس الساطعة تخترق فستانها الأبيض المورّد فتكشف عن سبب فتنتنا، كأن السماء تحمل شهوة الرب يا ويليام...

كأن الرب بأذرعه الدنيويّة، سيفسّخ، عمّا قليل، ردفيها ويرفعها للسماء. إن حبيبتك الصغيرة، ملائكيّة الوجه، ستكبر برعاية إلهية. هل تعرف يا ويليام؟ لقد وقفت عند الباب وضحكت، ضحكت بشدّة، قهقهت حتى وقعت أرضًا، وواصلت التمرغ على الأرض ضاحكًا بجنون حتى قذفت نشوتي تحت سروالي. 

دعني أشمت بك مرةً واحدة، دعني أذمك لمرةٍ واحد فقط، فأنت لا تعرف اللغة العربيّة الحقيقية يا ويليام، وأنت لا تعرف كيف يذهبن النساء لينفقن قرابين على مذبح "الآب". 

سلام يا... 
كم هذا، مضحك!
سلام يا ويليام...

الخميس، 10 يناير، 2013

التعليمات

   الرسالة السابعة إلى ويليام





أتذكر الغرفة.

سوداء جوفاء خائنة الفصول. لم يكن ليلاً ربيعيًا ولا غير ذلك. كأن الفراغ الجاف والصمت الخشن مثل كرة حديديّة عملاقة تضرب بيتنا الخشبيّ، تحطّم جدرانه وتجلس في حجري، كأن الهموم كلها، كأن العجز كلّه، كأن الخيبة بحذافيرها تكوّرت وقصفت لتفتح غرفة النوم على انعدام الفصول. 
كان ذلك اليوم الذي توقّفت فيه الحياة بيني وبين أمك.

كانت فقرة واحدة طويلة مصفوفة على سطور الورقة الأولى، تنصّ على تعليماتها للمخرج؛ تصفُ المسرح وتصف الممثل الوحيد فوق الخشبة، تصف الأضواء وتصف الأصوات، ثم تصف الجمهور.

لقد كان في كلماتها وصفًا دقيقًا لغرفتنا، على أنها خشبة المسرح. وقد بدأت الفقرة بهذه الكلمات: "على المخرج الممثلين الإلتزام بهذه التعليمات حرفًا بحرف، فمن دونها لا تملك هذه المسرحيّة أي معنى أو مضمون. يُمنع تغيير هذه التعليمات، كلّف ذلك ما كلّف، حتى وإن أدى ذلك إلى أن لا تعرض المسرحيّة أبدًا، وهذا الاحتمال الأكبر، وفي حال لم يقبل الممثل تنفيذ المشاهد بحسب المنصوص في التعليمات، فيجدر به أن ينأى بنفسه عن المسرح والمسرحيّة، واستبداله بآخر أكثر جدارةً  بالخشبة."

كيف استطاعت أمك يا ويليام أن تكتب المشاهد الممتدة على ظهر عشرات الصفحات بهذه العقلانيّة الساديّة؟ كنت أقرأ المشاهد كأنها أحداث مجرّدة من الهواجس والشغف الشاعريّ، لم أقرأ نصًا في حياتي بهذا الحجم من الدقّة الدراميّة على لساني، لم أعرف يومًا أن جنوننا، أن لفافات الحشيش التي سلّمتنا  للغريزة، أن هوسنا السريع بقصةٍ عابرة سخيفة وقحة، وأن مغامرتنا الشقية الكبرى التي سقط تحت أقدامها رجال ونساء وأطفال من القريتين، يسبحون في دمائهم، لتولد أنت يا ويليام، كلها كانت بهذا القدر من التسلسل المنطقيّ الحاد.

لم أكن أعرف أن كذبة المسرح هي أن يقتل العقل ألوان الحياة، بأثرٍ رجعيّ. 

كانت نهاية صفحة التعليمات تقول ببساطة خبيثة: "... على المسدس أن يكون محشوًا بالفعل، ويمنع استخدام أي حيلةٍ إخراجيّة في أداء المشهد الأخير، على المخرج أن يقدّم بعض التضحيات من أجل أن يُنجز مسرحيّة ذات قيمة. نهايةً، من الضروري، كما هو معروف، أن تجري مراجعةً نهائيّة قبل عرض المسرحيّة، وذلك كفيل بالأمر."
إنها الروليتا الروسيّة يا ويليام. إن ما أخذته أمك من مئات الكتب التي غطست بها يوميًا، هو أن تطالبني بتفجير رأسي لينكشف (لي ولها) حبّها الكبير لقصتنا ولي. ألا يكفيها كل الدم الذي أرقناه؟ آن دوري؟ أم أنها تنتقم لأرواح هؤلاء الذين ماتوا ضحية ولادتك يا ويليام؟  

لقد قلت في الأمس أني لن أكتب لك مجددًا، وكنت جادًا في ذلك، لكني سأندم إن لم أطلعك على القصة الكاملة، لئلا تكون لديك حجةً حين يُحاسبك المشاهدون، فقد حملت تلك الصفحات وصفًا دقيقًا للمشاهدين، ولم يكن في الوصف ما يثير التفاؤل. 

تصبح على خير يا بُني.


المؤامرة

    الرسالة السادسة إلى ويليام



كيف أبقى فتيًا وجميلاً -  لاسلو موهولي-ناجي (1926)



لا عزيزي ولا بلّوط، هل تآمرت معها عليّ يا ويليام، مش عيب؟

لقد أرادت ونوَت وخططت للتخلص مني منذ البداية، منذ ذلك اليوم الثقيل الملعون حين تعرّت في الغرفة وقذفت أوراقها تلك أمامي. قالت: "لن أعود إلى سريرك إلا حين تنجزها"، وخرجت.. لقد قالت ذلك بصوتها، نعم، كان لها في تلك الأيام صوتًا رقيقًا متحديًا فيه شيء من الحفيف. لقد كنت صغير السنّ يا ويليام تحوم بدراجتك الهوائية حول المسرح الجوّال في القرية، هل يمكن أن تكون في ذلك السنّ الصغير قد اطلعت على نواياها واشتركت بهذه الجريمة الحقيرة؟ هل هذا ما أستحقه يا ويليام عقابًا على ذنب حبّي الكبير؟ 

لعلها خدعتك يا ويليام؟ لعلها لم تخبرك الحقيقة حول ما كتبته؟ في تلك الأيّام يا ويليام لم تكن قد تعلّمت القراءة ولا الكتابة. أكاد أنسى، هل تعرف القراءة الآن؟ ها؟ أعرف أنك تعرف الكتابة، فقد تركت وصيّتك مخطوطة، وها أنا الآن أكتب بلغة نصوصك، لكني أسأل عن القراءة. أعرف أن سؤالي يبدو لك غريبًا، لكنك منذ رحلت يا ويليام ظهر في القرية أشخاص كثر يكتبون بإصرارٍ يوميّ دون أن يعرفوا فك الحرف. 

كانت تعرف أن حبي العملاق لها سيدفع بي لإطاعة الأوامر المنصوصة في الورق الذي عكفت على كتابته منذ أيام، منذ وصل المسرح إلى القرية، فقررت أن تقتلني بهذه المهمة المستحيلة. كنت أعرف أنها تخبئ مودةً كبيرة للمسرح والتمثيل، لكني كنت أتجنب الحديث بهذا الشأن (في الأيام القديمة، حين كنّا نتحدث)، فقد كنت في ذلك الوقت مشغولاً بالحفاظ على بنية جسدي، وكل ما كنت أعرفه عن المسرح هو مسرحية واحدة لعادل إمام شاهدتها في الخارج، قبل أن أعود إلى البلاد.

لكنّي قلت سأفعل لكي أستعيدها. في تلك الليلة بدأت أقرأ ما في الورق، لكني قبل أن أصل المشهد الذي يضع فيه البطل الكرسي الخشبي وسط المسرح، قطعني صوت تأوهاتها؛ كأن اللذة حين تولد من الألم في ساحة البيت تقبض على طرف شراشف الليل المعتمة وتدور فيه حول بيتنا البارد.

ثم سمعت باب غرفتك ينفتح، ثم باب البيت، ثم تملّص شرشف الليل من القبضة لثوانٍ قليلة تعرّى فيها بيتنا على حقيقته الباردة. 
ثم عاد الصوت يقطّع حياتي إربًا.. إربًا.. إربًا.

هل تآمرت معها يا ويليام؟ 
لقد كنت مستعدًا لأن أبيد الجليل وأهله من أجلها، فماذا أرادت أكثر من ذلك؟ ألا يكفي؟ ماذا تريد المرأة يا ويليام أكثر من رجلٍ يستطيع حمايتها؟

لست ممثلاً، لكنها راهنت على الشغف أن يتوكّل بقتلي. أنت تعيدني إلى الحياة من بدايتها، وهي تُنهي الحياة في كلّ لحظة. تلعبون بي، لا حيًا ولا ميتًا: إنها المؤامرة، لقد فهمتكم يا ويليام.

وتطلب منّي أن أكتب لكَ؟ كلب. 
لن تقرأ منّي حرفًا واحدًا بعد اليوم.

الثلاثاء، 8 يناير، 2013

الانتقام

   الرسالة الخامسة إلى ويليام



كيزمير ماليفيتش


عزيزي ويليام،

حلمت الليلة بأننا كنّا على ظهر صقرٍ برأس أرنب يحلّق فوق حارتنا.
كانت السماء مرتبة كأنها تجهّز نفسها للانتقال إلى أرضٍ جديدة، الغيوم مطويّة وملفوفة بالسيلوفان، والنجوم في صناديق كرتونيّة مغلقة، أما الشمس فقد كانت ملقاة فوق أكوام الصناديق ورزم السحاب، كان الحمّالين من الملائكة يمسحون عرقهم بأجنحتهم المسودّة وهم ينجزون الشغل.

حين حلّ ما حلّ، رأيتك تضع الأوراق بيدي وتدفعني عن ظهر الصقر لأسقط نحو بيتنا المظلم. لولا أوراقك التي حوّلتها مظلّة، لما بقيت على "قيد الحياة"، لولا الرسائل لتشظّى جسدي في ساحة البيت، لولاها لما كُنت. 

هكذا اعطتني الرسائل عمري الجديد. 
إن هذه الرسائل يا ويليام هي كلّ شيء: حين أحيتني، كنت طفلاً أكتب لكَ بشغف وشغب، دون أن أعرف أي شيء، دون أن أنوي أي شيء. أما الآن وقد ثبت الضوء على انتظار الرسائل، فإنه يلح من خلف نوافذنا المغلقة بالسؤال عن حالك، ويطلب أجوبة مفصلة مجردة من التجريد، واضحة، صافية، وافية. 

كنت في البداية أكتب لك رغمًا عنّي، ثم انطلقت مثلما انطلقت أنت في ذاك اليوم على دراجتك الهوائية تجوب شوارع القرية دون أن تخاف من أيّ شيء، دون أن تفكّر بأي شرط أو خوف أو نيّة. كان المسرح الجوال يزور قريتنا لأول مرّة، وكنت تحلق مثل صقر لطيف، برأس أرنب، حول ساحة القرية. 

كنت في حينها ألأمل الذي ينقذ أمك، تركض هي خلفك، لا لتعيدك إلى البيت، بل لتسترق النظر إلى خشبة المسرح، إلى الستائر، إلى أجهزة الصوت، إلى ملابس المسرح. هل تذكر هذا اليوم؟ إنه أثقل من أي يومٍ آخر. 

دخلت أمك إلى الغرفة، تعرّت، وناولتني رزمةً من الأوراق. كان السواد يلف عينيها، لم تكن قد نامت منذ وصل المسرح إلى القرية، وكنت سأحب المسرح من أجلها، لكنها استدارت وتركت الغرفة وهي عارية، وخفت أن أخرج لأراقبها إلى أين ذهبت. 

ثم وصل الليل، والليل حين يصل، يصدر أصواتًا عالية. 


ثم يكبر الإنسان، ثم تزداد الرسائل، ويسأل ضوء القرية عن أسرار بيتنا، يسأل عن قصةٍ واضحة. إنني في هذه الرسائل، اليوم يا ويليام، مثل شاب يُقبل على العشرينيات يقول لنفسه: حسنًا، أنتهى وقت المزاح، أنتهى وقت العبث، عليّ أن أخطط الآن، ما الذي سأفعله؟ كيف سأستمر؟ على الأشياء أن تكون مرتبة، واضحة، متماسكة، إن القرية تريد منّي تصورًا واضحًا لمستقبلٍ سيكون على الأرجح ضبابي المزاج، إن القرية يا ويليام تكره التجريد، إن القرية تحبّ الرسائل الواضحة. 


لقد نصبت لي فخًا يا ويليام، إنها خباثتك الرقيقة، مثل دائمًا. لا بأس يا ويليام، لا بأس. لست أنا من يهرب من الكمائن يا عزيزي، هل نسيت بأني ابن الحروب الثلاثة؟ سأستمر بالكتابة لك، سأدعك تنتقم انتقامك اللذيذ. بالفعل، لقد كانت غلطتي، وها أنت تعتصر مني الحساب. سأكتب يا ويليام، ومثلما استحضرتك إلى الحياة، لكَ أن توظّب من هذه الرسائل مشنقةً لتأرجحي: أن تلدني من جديد. 

هل تعرف يا ويليام، إني أحبك، هل قلت لك هذا؟

الاثنين، 7 يناير، 2013

الفيلم

   الرسالة الرابعة إلى ويليام



زهرة (2013) 


عزيزي ويليام،

هل تذكر الأفلام الأمريكيّة، حين يُفرغ أحد الأشرار مسدسًا دوّارًا، ثم يُعيد إليه رصاصة واحدة فقط، ثم يدوّر عجل الرصاص بحركة إبهام سريعة حتى لا يعرف المشاهدون إن كانت الرصاصة ستنطلق من الفوهة أم لا؟ ثُم يضغطون الزناد، وكلًّ شخصيةٍ وحظّها. 

إنهم يسمونها لعبة الروليتّا الروسيّة، وعليك يا ويليام أن تكون على ثقة بأن هذه المسدسات لن تطلق النار أبدًا، فإن الكتّاب لو أرادوا كتابة مشاهد تموت فيها الشخصية، لما احتاجوا إلى كل هذه الحبكة الدراميّة. إن هذه المسدسات لا تقتل أبدًا، إنها تُرعب فحسب، وما حاجة الكُتّاب أن يرعبوا شخصيةٍ ستموت بعد ثوانٍ قليلة؟ ما الفائدة من زيادة حبكة أخيرة، دفعة أخيرة، لقصة نعرف أنها انتهت. ما الحاجة، يا عزيزي، أن أكتب إليك كل يوم؟ 

هل تعرف؟ إن مشهد المسدس هذا هو أقرب ما يكون إلى قصص الحُب. في كلّ مرة تتكرر القصة، يدغدغ الحبّ صدرك مثلما يدغدغ المسدس صدغك، الشفاه الدافئة مثل الحديد البارد. كلما بدأت قصّة تفكّر: إنها النهاية، إنّي في طريقي إلى الأبد، إلى الحُب الخالد. ثم تمرّ لحظات الموت، ثوانٍ قليلة، أو سنوات قليلة، وتشعر أنها العمر الخالد بأسره، ثُم تسمع عن طريق جمجمتك صوت الزناد يشد إلى الخلف ثم ينفلت شيء ما في داخل المسدس، ثم الموت.

خذ نفسًا مليئًا بالحياة، لم تمت، كان المسدس فارغًا مرةً أخرى. ثم ابدأ قصّة حُبٍ جديدة. إننا حين نُحب يا ويليام، نعيش بين نهاية الفقرة السابقة وبداية هذه.. وستستمر قصص الحب، حتى تجد واحدةً محشوّةً بالرصاص تأخذ عُمرك. 

إني أتذكر أمك يا ويليام وهي تجثو على ركبتيها عند الطاولة المنخفضة وهي تحتضنك، كانت تنفخ لتطفئ الشموع في عيد ميلادك الثالث، وكان في جسدها المنحني سحر يعصر الدمع من عينيّ. كنت أسترق النظر إلى شفتها وهي تمتد في زفير، ثم أراقب كعبيها بالجراب الدافئة يسندن مؤخرتها اللينة. كانت قد مرّ في حينه ثلاث سنوات ونيّف على آخر مرة رأيتها عاريةً، ثم كنت أراقبها تقبّل خدّك.. يومها انطفأت الشموع دون دخانٍ يُذكر. 

(هل أعجبك ذلك؟ إنك تورطني أكثر وأكثر! إن الكتابة بلغتك جعلتني أتحدث عن أمك بصورةٍ غير لائقة، أهذا ما أردت؟ انظر إلى أين وصلنا! أرجوك اعفني من هذه المهمة يا عزيزي، يا عزيزي، أرجوك افهمني، إن عمرك هو عمر خسارتي في الجولة الأخيرة من لعبة الروليتّا الروسيّة، وأنا تعبت من الألعاب.)
  
إن أمك لا تحبّني، ولا غيرها من النساء، ومن حظّك أن صفاء تُحبك بالفعل. إننا يا ويليام، مثلما قلت لك، لا نعرف إن كان هذا الحبّ حقيقيا، إلا عندما ينفجر رأسنا، إلا عندما نموت. لقد رحلت عنّا يا ويليام، رافقك الموت إلى البعيد. فعُد يا عزيزي، عُد أرجوك، لتُخبرنا إن كنّا نُحبك بالفعل، أو أن كل ما خسرته، وكل ما عشته، أنا وأمك وصفاء لأجل سعادتك، كان فيلمًا واحدًا طويل. 

الأحد، 6 يناير، 2013

حبال الشيب




أسرار السطوح المقدّسة (2008) - محمّد بدارنة


عزيزي ويليام،

لقد توقّفت أمك عن الصلاة ولم تعد تخرج إلى الكنيسة. 
لم يعد لأمك أي حصّةٍ من ضوء الشمس، غير تلك التي تلتقطها حين تخرج إلى الساحة لتعليق الغسيل على الحبال الممدودة في ساحة البيت. إنها تُغلق الشبابيك لئلا تتسرب رائحتك إلى الخارج، لكن ذلك لا يفي بالغرض.

إن أمك تفقد ألوانها يا ويليام. أظن، والله أعلم، أنها لم تعد على ثقةٍ بموضع صلاتها. لقد صلّت أمك يا عزيزي لسنواتٍ طويلة لتتخلص منّي، وها انقلب الدعاء على الداعي، ورحلت أنت بدلاً منّي. 

لقد أرادت دائمًا أن تبتعد، لكنك كنتَ هنا فلم تتمكن من الهجر. لم يعد منك الآن إلا أمل سخيف بأن تعود حيًا، ولا يعيدها إلى بيتنا المُعتم إلا هذا الأمل. عندما غبت يا ويليام، فهمت أخيرًا بأن جزءًا كبيرًا من حبّي الغزير لك، ليس إلا رغبةً دفينةً في داخلي بالحفاظ على أمك هنا إلى جانبي.. لكني قد خسرت اللعبة. 

حين تنام أمّك، أنزع من رأسها شعرها الرماديّ لتعود إلى صباها، وأغزل مما نزعت حبالًا طويلة لتعليق الغسيل، وأمدها في ساحة الدار الواسعة، وهي حبال تطول مسافتها كل يوم حتى تصل إلى آخر العالم، حيث يحبّ الناس دون مطالب.

لقد خسرت اللعبة، وها أنا أقاتل على أملٍ أخير باستعادتها. إنها تبتعد، وتبتعد، وتبتعد ماشيةً على حبال الغسيل، وأنا أنتظر. أمسك طرف الحبل الأوّل بسبابتي، وأعلق طرفه الآخر في عنقك يا عزيزي، عنقك الدافئ البعيد في تلك البلاد، حيث يحب الناس دون مطالب.

إن صفاء يا عزيزي تقضي أيامها تشمشم الجدران والأثاث طوال ساعات النهار لتمتص رائحتك، تبتلعها ثم تأوي للنوم، حيث تحلم وتحلم حتى تبتلّ ملابسها الداخلية، تستيقظ، وتُهديها لأمك التي تغسلها وتعلّقها راقصةً فوق حبال الشيب. 

لكنّ رائحتك بدأت تنفذ، وصفاء لم تعد قادرةً على استخلاص الأحلام، وقد يأتي يوم قريب وتنهار الرسالة من أوّلها.

إما أن تعود يا ويليام، وإما أن أرسل صفاء يوميًا إلى الصلاة في الكنيسة، لتأتي برائحة شبانٍ مؤمنين يبللون ثيابها عند الفجر.

لترقص أمك، صبيةً على حبال الشيب. 

عُد يا ويليام لينتهي هذا الكابوس، لقد ضقت ذرعًا بهذه العبارات، إني أريد أن أتحدث كما تحدثت طوال عمري، بالعربيّة السهلة. عُد يا ويليام، لا تخرب بيتنا. 

الفطر





عزيزي ويليام، 

إن الأمور لا تزداد إلا تعقيدًا، كادت البهارات تنفذ من أدراج مطبخنا، أنظر إلى وجهك الميّت يستنزف الكركم. 

عُد يا ويليام، تعال واسرع بلملمة الثياب الداخلية عن حبال الغسيل، أغلق نوافذنا، أشعل المدفأة، جهّز الشاي، حمّص الخبز، شاهد ناشينال غيوغرافيك، وعتّم الصباحات... تعال ليأتي الشتاء يا ويليام، نحن نكره الشتاء، نكرهه لكننا نريدك أن تأتي ليضيء البرق الطريق نحو نهاية هذه القصّة المزعجة، لكي ينبت في آخرها الفطر الشهيّ السام.

فطر المدينة يا عزيزي، ذاك المعلّب، وذاك المغلف في السلال، غير الفطر الذي عندنا. عندنا الفطر دون أشكالٍ رتيبة، لذا، فإنه يشبهك. ونحن نشبهك يا ويليام، فهلّا تعود إلينا؟

نحن يا ويليام لا نريد لك إلا كلّ خير. أنا وأمّك سننتظرك إلى الأبد، ولكننا لا نستطيع أن نحبس صفاء بين جدراننا إلى الأبد. قبل أن تذهب، كنت لها سجنًا ضيّقًا يحيطها صبحًا ومساء ويسلّيها، وعندما غبت في الممات، بدأت جدرانك تبتعد وتبتعد دون أن تتحطم، والسجن يتسع ويتسع دون أن تفتح أبوابه. أنت تعرف يا عزيزي أن السجون كلما اتسعت كلما صارت أكثر وحشية: أنظر قريتنا، أنظر غزّة، أنظر كوريا الشماليّة. 

لقد اشتقت إلى نقاشاتنا السياسية يا ويليام، هل تظن أن شيئًا سيتغيّر في كوريا بعهد الطاغية الجديد كيم جونغ أون؟ وهل تعتقد أصلاً، بأن السلطة، مهما اشتدت سطوتها، يمكنها أن تؤثر على طعم الفطر؟

لقد تعبت يا عزيزي، لقد أتعبتني وأنت تتقمص دوري في الكتابة، دعني أكتب لك ما أشاء، دعني أقول ببساطة، أنني أريدك أن تعود لأن هذه سنّة الحياة يا أبي. 

سلاماتنا الحارة لك ولغارسين وللجميع. 


السبت، 5 يناير، 2013

العشاء



من تجهيزات ديفينشي للعشاء الأخير


عزيزي ويليام، 

مقعدك محفوظ على طاولة العشاء، تعال، نحن ننتظرك.. أظن أن صفاء بحاجةٍ إلى رؤيتك، أعتقد أنها غير سعيدة في الأيّام الأخيرة، كما أعتقد أنك تظلمنا في غيابك هذا. أقدّر حجم حقدك، لكنك تعرف أن شيئا مما حدث لم يكن بدافعٍ من خباثة أو نقمة أو حتى إرادةٍ حرّة، لقد جرت الأمور.. وكفى. 

هل ستعاقبنا مدى الحياة على فعلٍ لم نرتكبه بإرادتنا؟ ألا يمكنك أن تقدّر عفويتنا لمرةٍ واحدة؟ ألا يمكنك أن تسامح على أخطاء أرتُكبت دون أسبابٍ أو نوايا أو تربّص؟ لقد سامحتنا على أمورٍ أكثر تعقيدًا وبغضًا، وسامحناك على أمورٍ كثيرة سخيفة. ألا تستطيع لمرةٍ واحدة أن تفصل أحكامك الأخلاقية القاطعة، عن لحظة اتخاذها؟ تلك اللحظة الذاتية بامتياز؟ غير العادلة، غير الموضوعيّة؟

لا نريدك أن تعود لنرجع على ما كنّا عليه للأبد، عُد فقط لتُعطنا فرصةً لنخطأ بحقك لسببٍ يستحق، وبتخطيط ونيّة تستحق، كل هذا العذاب. عُد لأجلنا، لأجل صفاء، لأجل نفسك، لتكون على الأقل قد ارتكبت ردة الفعل المتطرفة هذه، على أساسٍ مبدئي. 

نحن لا نستحقّ أن تموت الآن، صفاء تحبّك، ونحن أيضًا.

عُد، ألم تقل لنا في السابق أن أكثر ما تخشاه هو أن تموت برصاصة طائشة أو متزحلقًا في البانيو؟ هل تراجعت عن ذلك؟ أم أن حاجتك في تلك اللحظة لعناقٍ طويل دافئ، أثناء انشغالنا بإعداد طعام العشاء، كانت أقوى من أي مبدأ تعيش من أجله؟

عُد يا ويليام، قبل أن يبرد العشاء. 



العشاء الأخير- ريان سيسلو

الجمعة، 4 يناير، 2013

رح نفوّت خمسة في حلوقهن



"الخمسة رح نفوّتهن.. الخمسة رح نفوّتهن.. الخمسة رح نفوّتهن... الخمسة في حلوقهن..."

من خطاب المرشحة الجبهوية نبيلة سبنيولي أمام الشباب الملتهب

الخميس، 3 يناير، 2013

ثلاثة بالمناسبة...

قبل ثلاث سنوات كتبت أوّل تدوينة في Message to the Tricontinental، ولم أكن أعرف كيف ستنتهي هذه المغامرة. حسبت أنها ستكون مغامرة مؤقتة أخرى لمدونة أخرى كالمدونات التي كتبتها بأسماء مستعارة من قبل.. شهر، شهرين، سنة وينتهي الأمر. لكن المدوّنة استمرت، ربما لأنها كانت المرة الأولى التي أدوّن فيها بإسمي، وربما لأنها أتت في ذروة الصراع الذاتي حول الخروج من الحزب. ولكن الأهم، هي أنني لا أعرف حتى الآن ما هوية هذه المساحة، لا أقصد هويتها السياسية، إنما هويّتها اللغوية. 

لا زلت لا اعرف متى يجب الكتابة بجديّة ومتى يجب الكتابة باختصار، لا زلت لا أعرف تدوينات كثيرة كيف كتبت، الأسوأ من هذا، لا أعرف لماذا كتبت تدوينات كثيرة وما القصد منها. كما أني بعرفش ليش عم بكتب إسا مثلاً بالفصحى. هذه مدوّنة لا أسلوب لها حتى الآن، لذلك فهي تمرين مستمر على الاختيارات، وكيس ملاكمة لتفريغ الأعصاب أحيانًا، وهو دفتر لتسجيل الملاحظات في مكان لن يضيع في الانتقال الى شقة جديدة بعد سنة.  وهو مكان للحب، وللكره، ولتسميع الحكي في أحيان كثيرة، ولبث النوايا المسمومة وبث الرسائل التي آمل أن تُقرأ في يومٍ ما. 

أما بعد...

مرقوا ثلاث سنين، بتأمل يجي غيرهن وأحسن منهن.

السنة الأخيرة، كانت سنة 2012، سنة أخت شرموطة، سيّد السيئات. 

وبالمناسبة، كانت أفقر سنوات التدوين من ناحية الكمّ. بس شو بفرق مع طيزي؟ مرق ثلاث سنين، وأنا بحب المدوّنة. 

وبالمناسبة، المدوّنة هي الأنثى الوحيدة الصادقة بحياتي.

وبالمناسبة، عم بفكر أغير شكل المدوّنة من هاد الأسود، لأبيض ناصع ناصع، بس مش ملاقي حواليّ شغلات بيضة، وكلشي أبيض كأنه عم ببعد، إضافةً إلى إنه الهوس الي كان عندي باللون الأبيض قبل فترة عم بخف وبخف.

وبالمناسبة، بحب أهدي هاي السنة لكل الناس الي انتهت علاقتي فيهن هاي السنة.

وبالمناسبة، الحزن قاتل.

وبالمناسبة، تخافوش. 

وبالمناسبة، بدك بس نكبر نصير صحاب؟ 

وبالمناسبة، الحزن قاتل جدًا.

وبهذه الأجواء السعيدة والمتفائلة منهدي الجميع أغنية السنة: 




وشكرًا


وبالمناسبة، بما أنه ثلاث سنين،
هذول أكثر ثلاث تدوينات بحبهن من هاي السنة.


أسمه زبّال، مش عامل نظافة


رقصة الرب



يلا، 
افرقوني بريحة طيبة.
:*

(والي فهم فهم)

الأربعاء، 2 يناير، 2013

الكأس

على خشب البار، أريد كأسًا سميك الزجاج لا ينكسر عندما تضربه بكأس الندّيم. 
أريد كأسًا سميك الزجاج ثقيلاً، يحمل الثقل الكامن بي حين يتصادم بالآخرين
فرحًا وحبًا
كرهًا وغضبًا