القول الفصل

القول الفصل

الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

حذاء أسود عند المغيب





ويليام نيكلسون (1920)


القطعة الثانية 

هل كنتَ على درايةٍ بأن ذلك قد يحدث؟
تسأل إيناس حازمةً وتنتظر جوابًا دون أن تظهر عليها أيّ نيةٍ للتنازل عن تساؤلها. أوصدتْ باب الغرفة بقوّة، كررت السؤال، ثم سدّت النافذة بعنفٍ يعزلنا عن صراخ الأصدقاء الذي هرعوا يمزّقون شارع مسّادة الساكن.


جاوب. هل كنت تعرف أن شيئًا من هذا القبيل يمكنه أن يحدث؟
كانت تحوم بتوتّر في الغرفة العالية، خطواتها الخشنة تسخّن الأرض. الجوّ حرّ وهي تسدّ كل ثقبٍ يمكن أن يتسرّب منه الهواء بينما تفتّش عن شيء ما. "أين الزّفت" قالت إيناس وتابعت تقضّ الغرفة المستطيلة وجدرانها البيضاء. جدار الغرفة الذي يجابه الشمال كان عبارة عن نافذةٍ عريضة كبيرة تنكشف منها أحياء المدينة ومن بعدها البحر، ومن بعده عكّا صغيرةً هزيلة.

على الحائط الأيسر الذي يدير ظهره للغرب، كنتُ قد علّقت صورة عن لوحةٍ لرسّام نمساويّ يظهر فيها ابنه الذي لم يولد، زوجته وهو نفسه. لا شيء غير هذه الصورة. أما الحائط الأيمن فيلمسه سرير صغير، وفوق السرير بارتفاع الوسادة، نقطة توصيل للكهرباء تمكنني من أن أنام على دبيب إلكترونات تنتظر جسمًا معدنيًا لتنقضّ عليه. في أعلى الجدار مكيّف هوائيّ أبيض يتدلّى منه في الهواء سلك معدني مغلّف بالبلاستيك الأبيض. على هذا السلك المتأرجح كنت قد علّقت وردة صفراء سرقتها من ليلى قبل أعوامٍ طويلة، لم تكن وردة حقيقيّة بل مصنوعة من الصوف الأصفر الدافئ.

-        الدنيا حرّ إيناس.
-        جاوب، هل كنت تعرف؟ ردّت.

أما الجدار الرابع للغرفة فقد كان فيه الباب الرئيسيّ الذي خرج منه الأصدقاء للتو بشيءٍ من الهلع يلحقون بسعيد. إلى جانب مدخل الغرفة كان المدخل للمرحاض، والمدخل للمطبخ الصغير، والمدخل إلى علم الجمال من تأليف فيلهلم فريدريخ هيغيل، ترجمه جورج طرابيشي.


أنا لم أكن أعرف. حسبت أن البحر يتسلّى بالمدينة بشيءٍ من الفظاظة لا أكثر. هل كنت أعرف أن ذلك سيغيّر حيفا للأبد؟ لم أكن أعرف. حسبت أن النهر يعود دائمًا إلى مصبّه. هل كنت أعرف أن البحار تتآمر؟ لم أكن أعرف. حسبت أن عكّا ليست أكثر من متحفٍ عاجزٍ. هل كنت أعرف أنها تضمر لنا كل هذا الحقد؟ لم أكن أعرف. حسبت أن الصحراء بعيدة. هل كنت أعرف أن جبالًا ورمالًا وتلالًا تختبئ تحت كل بحرٍ، وفيها قد يرمح الخيول يومًا من الأيّام؟ لم أكن أعرف. حسبت أن حيفا محصّنة من كل هذا. حسبت أننا أطيب وأبسط من أن نضحي فريسةً وأن في عيوننا ما يكفي من الضعف ليشفق المجرمون علينا. نحن...

"هل تريد أن تقول لي مرةً أخرى أن هوايتنا الوحيدة في المدينة هي أن نقطّر الخراب ونعبّئه في قوارير صغيرة من زجاجٍ ملوّنٍ للذكرى؟ هل تريدني أن أصدق أن أهل هذه المدينة يكتفون باستخراج أصوات النساء من ضجيج الشوارع وزراعة الحدائق للأطفال الذين دوّنت أسماءهم في سجلّات المفقودين حول العالم؟" قالت إيناس باستخفاف وقد وجدت أخيرًا حذاءها الأسود. كان حذاءً عسكريًا.

"لم أكن أعرف. وأنا حتّى الآن لا أعرف ما الذي سيحدث. افتحي الشبّاك. أنا عم بختنق والدنيا حمّ." صحت بها، فتوقّفت وحدّقت بي. كنت أرى وجهي هزيلًا صغيرًا في بؤبؤها. ثم تنهدت عميقًا وانكمشت جفونها لتنقطع صورتي وتغيب من أمامي. أنا أيضًا أغمضت عينيّ لأهرب من غيابي. ثم هجمت إيناس عليّ. عضّت خدّي بشراسةٍ حتى شعرت بأنه يتمزّق، ودفعتني إلى الجدار الرابع فاصطدمت جمجمتي بباب المرحاض. وقعت أرضًا وابتعدت هي إلى زاوية الغرفة تنتعل حذاءها العسكريّ الأسود. أنا زحفت أرضًا حتّى وصلت السرير. اقتربت منّي وتسلّقت السرير وجسمي بهدوء. "هلّا زالت بزّتي العسكريّة تثير فيك شهوةً جامحةً لممارسة الجنس معي؟" قالت وقبّلت فمي.


أردت أن أسأل: "وأنت؟ هل كنتِ تعرفين بأن ذلك سيحصل؟" لكنّ رجلها بالحذاء العسكريّ كانت تهرس عضوي الجنسي. كنت أتألّم، وهي تفتح أزرار قميصها البنّي لينكشف جسدها أسمر ناعمًا فيه شيء من لون الشمسِ عند المغيب.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق