القول الفصل

القول الفصل

الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

الكِركِة



-القطعة السادسة-


نحت سومري

(6)
تسيل الكلمات من فم عِراق ببطءٍ ثقيل وهو يحكي لنا قصّته من أمام النافذة الكبيرة. يروي التفاصيل لبقة باردة، بينما نحن نتحسس نارًا تحرق أحشاءه وتغلي بالأحداث التي تحوم في ذاكرته الآن. بدت الحكاية أول ما انطلق بها الشاب، حكاية فاترة غير مؤذية، لكن سرعان ما تذوّقنا منها شيئًا متوغّلين في تعقّدها، حتى صار طعمها شفافًا واضحًا، عاريًا ثقيلًا، فيه نارٌ تسلخ العقل عن الجسد، وتلسع الخيال.

حين يشرب الناس، يُقال فيهم أن العرق يتحدّث بلسانهم. كانت الكلمات تشبه مذاق العرق والقصّة تُشبه القنينة في كلّ شيء. في أنها تبدو شفافةً مسالمةً كالماء، وفي أنها قد تحمل الإنسان إما على الجنون، أو على النوم. ومثلما يخاف الناس من سُكرِ أحدهم فيشربون بسرعةٍ لئلا يتركوا له شيئًا من الكحول، خفنا من قصّة عراق وإلى أين يمكن أن تنتهي. كنّا نعرفه، وكنّا نعرف ما لا يعرفه صائب. وكنّا نريد لهذه القصّة أن تنتهي على الفور. ويخيل لي بأن وحيًا نزل علينا بالتشبيه بين القصّة وقنينة العرق، لأننا كنّا نشرب من القنينة بسرعةٍ وكأننا نريد أن نأتي على ما فيها ونَخلَص، وكأنّ لذلك علاقة بالقصّة. أما صائب فقد كان يبذل جهدًا لئلا تبدو عليه الثمالة أو يغطّ في النوم.

كان عراق على شيءٍ من اللؤم والحنكة ليحكي القصص بطريقة تجعل القناني تمتلئ من جديد. كنّا نشرب بسرعة، لكنّ القنينة الثالثة لم تكن لتفرغ أبدًا، وشعرنا كأنّ هذه القصّة تطول دهرًا. كانت كلماته تملأ القنينة قطرةً بعد قطرة والعبارات تخرج من فمه بطيئة مثلما يقطر العرق من قصبة الكركة. كان صديقنا الشاب يشبه الكركة التي حدّثنا عنها يومًا، حين شرح لنا كيف يصنعون مشروبه المفضّل.

تكون هذه الكركة مكوّنة من وعاءٍ نحاسيّ حسن الإغلاق في أسفلها. يُسكب العنب المعصور المختمر داخل هذا الوعاء ثم تُضرم النار تحته. يكون العنب قد قُطف عن أمّه الدالية، وقد سُحق حتى غادرت ماءه ثم عُزل لأسابيعٍ طويلة في عتمةٍ مُحكمة ليوضع بعد العزلة في الإناء النحاسيّ الملتهب. يبدو لنا الآن أن الأحداث القديمة كانت قد عصرت عِراق عصرًا أليمًا، وقد اختمرت في جوفه المُعتم بعد كل هذه السنوات. كأنّ الأحداث التي يرويها تغلي في قلبه الآن، حتّى تتصاعد بخارًا خفيفًا. مئات الصور الحزينة الحلوى المسحوقة تنتفض غليانًا وتصعد دخانًا عفريتًا إلى عقله مثيرة أفكارًا شرسة. فقد قال عراق يوم شرح عن تقطير العرقِ أن عصير العنب بعد أن يتبخّر، يتصاعد من الوعاء النحاسيّ إلى الأعلى طريق أنبوبٍ  يُسمّى "القُمُع" فيه يتصاعد البخار إلى أن يلامس سطحًا نحاسيًا باردًا، وهو أسفل طاسةٍ نحاسيّة يوضع فيها الماء المثلّج لتبقى باردة، وتكون الطاسة في أعلى الكركة، كأنها تاجها أو رأسها أو عقلها. وما أن يلمس البخار هذا السطح حتى يبرد هو الآخر. يخاف البخار من البرد، يضمّ أشلاءه المتباعدة إليه، يختبئ بصيغةٍ أخرى. يسمون هذه العمليّة تكاثفًا إذ يعود البخار سائلًا يقطر من سطح الطاسة العلويّة الباردة عبر قصبةٍ تُخرجه صافيًا من الكركة إلى الإناء.

كانت الأفكار الشريرة تتصاعد من جوف عِراق إلى عقله عبر "القمع". القمع، من دون ضمّة فوق القاف. كان شيئًا فيه يعيد بلورة الأفكار بحيث يقمع الشرّ فيها، يهذّبه ويطمس شكله. لكنّ المعروف والمؤكّد أن القمع نادرًا ما يغيّر جوهر الأشياء، والأكيد أن أفكار عِراق مهما بدت مسالمة، فهي تحمل حقدًا لا يضاهيه أيها حقد.


كانت الأفكار تصل عقل صديقنا الشاب، يدوّرها برأسه حتّى تبرد، تهدأ، تتكاثف لتصبح كلمات، وتُعاد صياغتها بأنبوب اللغة. فتخرج منه أحداث القصّة باردةً مقطّرة مثل العرق، شفافة مسالمة كالماء لكنّها سرعان ما تدفع الناس إلى الجنون. تخرج الحكاية من صديقنا الكركِة باردة غير مؤذية، لكن ما أن نتذوّق منها شيئًا متوغليّن في تعقّدها، حتى يصير طعمها الشفاف واضحًا عاريًا ثقيلًا، فيه نارٌ تسلخ العقل عن الجسد. وتلسع الخيال. وتفجّر الشرّ الكامن، فيها وفينا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق