القول الفصل

القول الفصل

الخميس، 9 أكتوبر، 2014

أعجوبة حيفا النائمة


هنري موني 1873


القطعة الأولى

يقول سعيد أن أعجوبة تسكن البحر في حيفا؛ أن البحر في المدينة يختفي ليلًا، يغيب بمعجزةٍ لا تفسير لها. كأنها قصة من نسج الخيال، عن شمسٍ تذوب في الماء وماء يتبخّر في الشمس. لكنّ ما يأتي به سعيد لا صلة له بالمخيّلة، إنما هو واقعٌ محضٌ من تلك الوقائع التي يستطيع هذا الرجل (وبمعجزةٍ لا تفسير لها) أن يطرحها علينا بهدوءٍ يطرد الريب من قلب من يصغي إليه.

كان صوته في ذلك اليوم يزيح عنّا حرارة الظهيرة وهو يحكي القصّة. يقف عند نافذة غرفتنا الكائنة في رأس البُرج، وعبر النافذة يتطلّع إلى البحر: الزُرقة الناعمة تحمل سفنًا مهولة، ترفعها دون أن تهتز بشرة الماء المحيط بالمدينة من كل ناحية. وكانت أشعة الشمس تضرب ثم تنعكس نحو السماء كخيوط رقيقة غير تمتد إلى أن تصل الغيوم، وتطوّق خاصرة السُحُب المُحلّقة فوق رؤوسنا. غيوم الصيف هذه تلقي علينا الظلال الصيفيّة تمامًا كأنها النادل الذي قدّم لنا كؤوس الشراب في حفل الاستقبال المُمل قُبيل زفاف سيليا العزيزة.


نظرنا جميعًا إلى الماء البعيد ونحن نتابع بشغف ما يقصّه علينا سعيد من ملابسات اختفاء البحر. كان المشهد شبيهًا إلى حدٍ خانقٍ بذلك اليوم الداكن من العام 2010 . حينها، كنت أنظر في عينيّ ليلى، أراها تقف أمامي، تُصغي إليّ، تنظر إليّ، ترغب في أن تقبّلني. كان الأصدقاء كلّهم في ذلك اليوم يشدّون على كتفيّ، ويرددون بتلعثم أن ليلى قد غابت إلى الأبد.


يقول سعيد بحزم أن الشمس في نهاية النهار لا ترغب بأي شيء غير أن تخلع أشعّتها المغبرة وتستحم. تغطّس نفسها في البحر، أمام هذا الشاطئ بالذات، وتنظر برومانسيّة مفرطة إلى امرأة تمشي على الشاطئ بصدريّة زرقاء. وعندما تغطس الشمس في المتوسّط، يعلو الماء حتى يفيض ويتسرّب إلى الشاطئ. يتلوّى داخل الرمل. وتتحوّل كل مسامةٍ بين حبتيّ رمل إلى مضيقٍ صغيرٍ تشغله نصف قطرة ماء. كل حبة ملحٍ في الرمل تحتفي بتدفّق ملح البحر، مثل فتاة تستقبل جيشًا يعود إلى المدينة من حربٍ ضروس، وتفتّش بين وجوه الحرب المتشابهة عن حبيبٍ قديمٍ لن تجده، فتكتفي بقبلةٍ من أول ذكرٍ تتلقّفه، قبلة يخلّدها التاريخ تحت عنوان "يوم الانتصار على اليابان".


قبل أن يحل الليل كاملةً يكون الماء قد تفرّغ من البحر إلى الساحل. يبدأ بالرمل ثم يتموّج في الأرض حتى يصل الصخور. يحتل شقوقها، يجد الثغرات وينسل إليها ناعمًا حتّى تلين. تتصالح الجرذان داكنة اللون مع سيل الماء الهادئ، وتتركه يغمرها في طريقه صعودًا نحو كنيسة القدّيس غريغوريوس عند الشاطئ الأزرق، في الطريق إلى تلّ السمك. في المتنزّه، تحت سكّة الحديد، تحت الأرصفة، يدخل الماء في كلّ أنبوب مكيّف هوائيّ ويتسلّق إلى كلّ بيت، وكلّ معملٍ ومكتب. وفي تجاعيد مليون درجٍ ودرج، يتأرجح الماء متمسكًا بتعرّجات الحجر القديم، يملأ النواحي المأهولة من جبل الكرمل، ويسقي في المدينة الوديعة كل شجرةٍ خضراء واقفة. وحين يكون الليل قد تمكّن من حيفا، يُصبح ماء البحر أكثر جرأةً على الاقتراب علنًا من أهل المدينة. يتسرّب الماء إلى النيام، إلى الأحلام، يطرّي الهواء فيخفّ شخير الرجال، ويدعو دموع الزوجات الوحيدة لتمتزج فيه، لا يترك الخبز يجفر، ويساعد قطرات الندى فوق السيّارات بحلّ وظائفها المنزليّة. هذه هي الأعجوبة التي تسكن حيفا النائمة.


أما حيفا التي لم يجهز النوم عليها
، يقول سعيد متنهدًا، فقد كان لها قصّة أخرى. قصّة لم يكن البحر فيها بتلك الخفّة والدماثة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق