القول الفصل

القول الفصل

السبت، 31 أغسطس، 2013

حبيبتي كورداي




نجمة من دم
أشعلت ذات ليل رماد يديه
فأقعى حزينا، على باب خيمته
وأستحال إلى محرقه
عرفته السماوات ذات العيون
المغطاة بالثلج
والأرض حارسة الموت والعتمة المطلقة
عرفته سقوف الخرافات
والصلوات الكئيبة
والصور المرهقة
صنعوه كما صنعوا غيره
هدموه، ويبنونه في غد
ربما أستنسخوا مثله

ربما أستنسخوه..
ولكنهم الآن، في حفل قداسهم

ينحتون له خشب المشنقة



القصيدة: "قداس أفريقي لروح الشيطان" لمُحمّد الفيتوري
اللوحة: "موت مارات" لجاك لوي دافيد

الخميس، 29 أغسطس، 2013

عن فراشة ميّتة


رأيت عند الرصيف فريقًا من نحو ثلاثين نملة يرفع فراشةً ميّتة. كانت فراشة مثل الفراشات التي نراها في برامج الأطفال؛ صفراء ذات خطوط سوداء، ألوانها حادّة وواضحة كألوان السهول والنهر والهضاب. 

لا أعرف كيف ماتت هذه الفراشة، لكنّي شعرت بالحقد الكبيراتجاه هذا النمل، ها هم أمامي جزءًا من جريمةٍ نكراء؛ يا الله، كيف يقتلون هذه الزهرة الطائرة؟ 

بالحقيقة، لا نعرف كيف ماتت الفراشة، نعرف أننا نرى سربًا من الحشرات الصغيرة السوداء يحمل جثّة مخلوقٍ جميل. سربٌ سيحتفل الآن بأكل جثةٍ بريئةٍ نيّئة. 

هل هنالك جثّة بريئة وجثة غير بريئة؟ 
هل تتحمل الجثة أطباع النفس التي كانت تسكنها حتّى بعد الموت؟ 

هل يختلف بالنسبة للنباتيين أكل اللحم النيئ عن أكل اللحم المشوي؟

وهل يُمكنني أصلاً، أن آكل جناح فراشةٍ وأبقى نباتيًا؟
حسنًا، هل يُمكنني ذلك رغم أني لست نباتيًا على كل الأحوال؟ 


*

هذا العمل للفنان البريطاني المعاصر داميان هيرست،
 وهو عمل مكون من 9000 فراشة ميتة. جميل؟
هذا النمل الأسود، غير فريد الشكل، هو حشرة صنعوا لها مادة كيماويّة مخصصة لإبادتها. هذا النمل الأسود اللا شيء كل ذنبه أنه خرج ليأكل، فوجد نفسه أمام فراشة هامدة، أما فراشة ميّتة مثل سهلٍ محروقٍ ونهرٍ مُسممّ ومُدنٍ تحترق وقرى تُدمّر وهِضاب تُقصف بالطائرات. نملٌ خرج ليأكل، فوجد افراشة جثة. 

في البيت، على الشاشة، مشاهد لثوّار قرى دمشق، يحملون على أكتافهم وطنًا مدمرًا، يحاولون اجتياز شارعٍ سريع، وعلى أكتافهم فراشة ملونة ميتة يحاولون نقلها إلى مكانٍ آمنٍ، تكفّنها أخبار الفضائيّات.

في البدء شعرت بحقدٍ كبير اتجاه النمل، يحملون الدمار كأنهم جزءًا من الجريمة النكراء. 
لكننا، وبالحقيقة، نعرف تمامًا
كيف ماتت الفراشة
ومن الذي قتلها.  

*

أحد الأمور التي قلّما تتحدث عنها بحوث الفنون الجميلة، هو غياب الفراشات عن وجه الفنون التشكيليّة الغربيّة. ابحثوا، ستواجهكم صعوبة في أن تجدوا أثرًا للفراشات خاصةً في الأعمال التي نالت حصةً من الشهرة. 

الصبي وشبكة صيد الفراشات - هنري ماتيس
قوّاد الفنون الاستشراقيّة، المُستعمِر الفرنسي هنري ماتيس، لديه لوحة اسمها "صبي وشبكة صيد الفراشات"، في هذه اللوحة يرسم ماتيس طفل أبيض بملابس مهندمة يحمل شبكةً لصيد الفراشات. هذا الصبيّ المرسوم ذات الملامح الجادّة الحادّة اسمه بالحقيقة آلان شطاين، وهو ابن أخ (أو أخت) الكاتبة والناقدة الفنيّة الشهيرة جرتارد شطاين. 

جرتارد شطاين هذه كانت أمريكيّة تعيش في باريس. بداية حتى منتصف أربعينيّات القرن العشرين، كانت شطاين تجمع تواقيع كتّاب وفنّانين لمنح أدولف هتلر جائزة نوبل للسلام، وكان ذلك جزء بسيط من خدمات جرتارد شطاين لحكومة فيشي النازيّة في فرنسا. 

في اللوحة، يرفع آلان شبكة صيد الفراشات بثيابه شبه العسكريّة، إلا أن اللوحة لا تُظهر أيّ فراشة. 

هل عرفتم من يقتل الفراشات؟

في سياقٍ مختلف، "عصابة شطيرن" هو الإسم الذي نطلقه نحن الفلسطينيون على منظمة الـ לח"י (ليحي)، وهي واحدة من المنظمات الأقذر والأكثر دمويّة من العصابات التي شنّت مجزرتها علينا في العام 1948. والإسم يعود لقصائد العصابة الأوّل، يائير شطيرن. 

وفي سياق مختلف، المُستعمِرون لا يحبّون الفراشات.  

*

ما قيمة الفراش والهضاب والأشجار والطيور النادرة، ما قيمة المدن العريقة والجمال، ما قيمة حدّة الألوان والبحر والنهر واتساع السهول، إن لم تُطعِمَ أم ابنتها بكرامة؟ إن وطن المجرمين وطن ساكن ثابت - صورة لا تتغيّر للسياحة- بينما وطن البسطاء على امتداد التاريخ، ليس صورةً بل هو فعل، ليس جمودًا إنما هو حركة. إن وطن الناس السود الزاحفين من أجل لقمتهم، أولائك الذين يُبادون الآن بالكيماويّات، هو الوطن الذي نحمله كلما قُتل ودمّر، نرفعه على أكتافنا وسواعدنا وحياتنا، ونأكل من ثناياه ونُطعم أطفالنا. إن الوطن لا يعيش حقًا، إن مات أولاده جوعًا.

*

يُذكر أن حكومة فيشي لم تكن أبدًا طفلةً أمريكيّة مدللة.