القول الفصل

القول الفصل

الاثنين، 9 مايو، 2011

حين تقلب الآية الآية/ مجد كيّال



كان الذهول أصفرَ شديدًا قاتلًا، في ساحة السوق، حيث اتضحت السيرة الكاملة. يبتلعُ القربان ريقه بالرغم من رغبة بصقٍ مُلحّة يثبّطها الرعب. كأنّه يعرف: عليَّ باللمح الأخير، فقد اقترب فوات الأوان مني مترين طويلين. فيُطلق عينيه لمحيطٍ يروي له السيرة.


يٌطلق القربان عينيه نحو محيطٍ يُسلسل الحدثَ، فيصدّق الحدسَ: ساعي البريد الثرثار صامتًا. باعة السوق نسوا أيديهم محشوة في بسطة الكرز. أبو عايدة يقوم عن الرصيف. سيارات التاكسي توقف العدّاد. نساءٌ منقبات يخبئن أطفالهن تحت القماش الأسودِ. نساء غير منقبات يختبئن. رجال الحاج نمر يحفظون الأمن في على مدخل السوق. سيارة سوداء عند طرف الشارع. مئذنة مسجد عُثمان منهكة بعد صلاة الجمعة. حاشية الشيخ يامن. وجه النهاية مشرّع للهواء دون لثام. القدر يبدل يدا مشدودة في الهواء يُتعبها ثقل المسدس الحديدي، فيحمله باليد اليمنى. ميزة خاصة بإستبدال السبابة بالوسطى، في ضغط الزناد. وتتضح السيرة الكاملة.

*

كان الحسم أسودَ شديدًا قاتلًا، في ساحة السوق، حيث تمت السيرة واضحة. يتمهل الشاب غير الملثم بنقل المسدس إلى اليد اليُمنى بالرغم من رغبة ضغط الزنادة الملحة، تثبطها رغبة الإجهار. كأنه يعرف: عند الحركة الأولى سأسدّد، فيقترب التطهير الإلهي منّي مترين قصيرين. ويُطلق عينيه للقربان عبر الذاكرة.

يطلق الشاب غير الملثم عينيه نحو القربان عبر الذاكرة، فيحسم: يرى أصابعَ تكتب عريضة مساندة عمّال البريد. يمعن النظر بكفة يدٍ فلاحية. يحن إلى ذراعٍ سندت أبا عايدة في ليالي "سنة الثلجة". يبتسم لكتفين صغيرين يتقلصان في زحمة السيرفيس: إلى المدينة حاملًا رسائل لمكتب الحزب، من المدينة يحمل نسخًا من "البيان الشيوعي". يسخر من خصر نحيف يهز: "قُل للمليحة بالخمار...". يحاكي عنقًا يلتفت إعجابًا عند مرور الجميلةِ العذراء. يتأمل صدغ تعرق غضبا على تشغيل الحزب للحاج نمر في الإنتخابات. يهادن جفني عيون سود يرفان ببطئ شديد. يتذوق لعاب مبصوق على الرصيف المحاذي للمسجد. يتردد ذهنه صوت ذاكرة المهرجان: "حاربوا أفيونكم!". وينظر إلى القربان مطولًا ويستمتع بثقة: "الآن سيعرف من أنا.".. يشد على المسدس باليد اليمنى. ويجهّز أصبعه للضغط؛ ليتمم السيرة بوضوح.

*

أراد القربان أن يهتف بوجه النهاية: "ولا، احترم نفسك يا ولد، ترفع مسدس بوجهي؟"... لكنه عرف الحقيقة كاملة: الأساطير الحمراء لم تعد مجدية.. لا عن الثورة، ولا عن ليلى. فقد صار الانتصار بكفة اليد الأخرى التي انتصرت على جهته، وانتصر خضار السوق على أحلامه الحمراء... والشاب -غير الملثم- الذي يقف أمامه، وبعد جرعة زائدة من الأفيون، بات يعرف حقيقة أخرى أقرب وعدًا للخلاص، أسهل للإدراك.

"كل شيءٍ ثابت" قال الشاب غير الملثم في نفسه: "كل شيء ثابت ينظر إليك عاجزًا، وحدك القادر على الحركة. امرٌ غريب، ها؟ نعم، بعد عمر تحرك فيه كل شيء وبقيت انت جامدًا في التعابير ذاتها، تُقلب الآن المسائل. نحن اللذين نقلب الآية، بالآية. ساعي البريد، باعة السوق، أبو عايدة، الاطفال، والجميلة التي وحدك من يظنها عذراء... كلهم سلّموا لي قدرك... فهم يعرفون من يبدّل هنا الأقدار، وهم يعرفون كيف تحرك الآيات أصبعًا فوق الزناد فتقلب آية الحيّ والميّت..."
"لا بد أنه حلم" قال القربان ثم خطى خطوة واحدة للأمام.

*

إنصرفت حاشية الشيخ يامن، ولم يستعجل الشاب غير الملثم الفرار في السيارة السوداء تحت حماية رجال الحاج، إنها رغبة الإجهار. وغرقت جثة القُربان بالأحمر: كان الحسم مذهلًا، شديدًا، قاتلًا.


(القدس)


:)



وعندما استيقظت في اليوم التالي، وجدت التالي: 


"شو المشكلة، شو القصة. فش مشكلة وفش قصة. كمان دور سكران، ولما أنا أسكر الحب بفقد كل معنى انساني، وبصير اشي جنوني سايب وابن عرص يطير بالهوا ويحرق ديننا بالهوس المر اللذيذ الي بيخلي شفافنا تبرق بريحة مربّى توت عاملينها اسرى سجن شطة، مش  سجن الجلمة، شطة."


*مدونتي العزيزة: متأسف إني عم بختفي، ومش عم بكتب، بس بتبقي "مدوّنة"، أنثى.. وبقدرش إلا مأختفي.