القول الفصل

القول الفصل

الاثنين، 13 أكتوبر، 2014

كعكة تفّاح



-القطعة الخامسة-


Nature Morte Vivante - Salvador Dali - 1956



(5)
كان عِراق شابًا ملفوفًا بسخريةٍ تخفي كل ما يسري في كنهه. تعليقاته مقتضبةً قليلةً، لكنّها إن انطلقت لا تسكن إلا بعد أن تصيب ألمًا في نفس الآخرين. وكان صائب، صاحب سيليا الذي عرّفتنا إليه حديثًا، صيدًا سهلًا بالنسبة لعِراق. في بداية الأمر احتفظ الشاب بصمته أثناء حضورهما، ثم عندما غيابهما يأخذه سيل من المديح، فيعدد أمورًا إيجابيّة كثيرة عن صائب هذا، ثم يبدأ بالإفراط في مديحه إلى حدٍ نكتشف فيه السخرية الكامنة في كلامه منذ اللحظة الأولى.

في أحد الأيّام الصيفيّة تلك كان عيد ميلاد إيناس السابع والعشرين، واحتفلنا بهذه المناسبة في غرفتي مثل العادة رغم أن سيليا قد اتصلت مرات عديدة تسألنا أن "نغيّر جو" وننزل إلى إحدى حانات البلد التحتى. وكان المزاج معكرًا من أصله قبل حضور سيليا وصاحبها الذي صار اليوم زوجها. وذلك لأننا كنّا في الصباح قد أعطينا أدهم وعِراق مبلغًا من المال لشراء كعكة، لكنهما نزلا إلى الطابق الأوّل عند الستّ آليونا إيفانونفا وطلبا إليها أن تعدّ كعكةً لنا بمناسبةِ أنّي طلبت الزواج من ليلى. طبعًا، لم أكن قد طلبت الزواج ولا أي شيءٍ من هذا القبيل، وكانت القصة مجرّد فبركة منهما ليحصلا على الكعكةِ مجانًا، بينما اشتروا بالمال ثلاث قناني عرق صابات. وبعد أن جاءوا بالكعكة من عند الستّ إيفانوفا، نصبوا عليها شمعةً على شكل الرقم أربعة وثلاثين أتى بها عِراق. ورغم أنها تظاهرت بتقبّل المزحة، إلا أن ملامح الانزعاج قد ظهرت على حركة إيناس حين رأت الرقم فوق كعكة التفّاح الهزيلة، وقد أقسمت بأنها قد أعطت الستّ إيفانوفا قبل أسبوعين كيسًا من التفاح، وأن الكعكة صُنعت من ذلك التفّاح. لاحقًا أخبرتني ليلى بأن إيناس كانت قد أسرّت لها بأنها اعطت كيس التفّاح للجارة العجوز بعد أن حصلت عليه من شابٍ جولانيّ من مجدل شمس، خرجت معه لبضعة أيّام، ثم تركته بعد أن طلب منها في السرير أن تتأوّه وتصرخ باللهجة الشاميّة أثناء الجنس، حنينًا منه إلى أرض الوطن.

بعد أن كنّا قد أجهزنا على قنينة العرق الأولى وصلت سيليا ومعها صاحبها صائب. كنا قبل ذلك نسخر من الموسيقى التي يختارها أدهم. بلوز طبعًا. أنا كنت أسخر منه مدّعيًا بأن أصوات المغنّين تشبه صوت مطحنة القهوة في إليكا. أما عِراق فكانت سخريته تضرب لأكثر من جهة، فطلب منه أن يبدّل الموسيقى بأخرى تُسعد إيناس مثل نشيد كوريا الشماليّة، وسعيد سأله ساخرًا إن كان هذا الصوت الأجشّ الذي نسمعه يغنّي هو صوت توفيق زيّاد. وكانت ليلى تُريد أن تمازحه أيضًا، لكنّنا سمعنا طرقة سيليا الخفيفة على الباب، ثم دخلت هي وصاحبها.

كانت دقيقة من الحديث الرسمي، أهلًا وكيفك، وكانوا قد حملوا هديّة لإيناس، ونظرنا إلى بعضنا بحرجٍ لأن أحدنا لم يتذكّر أن نشتري لها أي هديّة. كانت زجاجة عِطر، وكان بالنسبة إلينا شيئًا مضحكًا أن تُهدى إيناس زجاجة عطر. ثم بعد انقضاء الدقيقة أرادت ليلى أن تستأنف ممازحة أدهم فقالت: "حُط نسمع شيء لوليد توفيق"، فلم يفهم صائب النكتة، إذ أنه لم يكن يعرف ليلى فحسبها تتحدّث بجديّة، وأراد أن يدخل إلى الحوار بأيّ ثمن فردّ بجديّة: "وليد توفيق؟ لعلّ كاظم الساهر أفضل بكثير في هذه الساعة"، ثم تطلّع إلى وجوهنا ينتظر منّا أن نُظهر تأييدنا له. أنا ابتسمت مناكفةً بليلى، ونظرنا الواحد للآخر مجتهدين أن لا ينفلت الضحك من أفواهنا.

عندها، هزّ عِراق رأسه موافقًا وقال: "من دون أدنى شك، من دون أدنى شكّ، يا أخي شغّل لنا زيديني عشقًا زيديني". وضحكنا دون أن يفهم صائب سبب الضحك. أما نحن ففهمنا أن حبيب سيليا قد كُتب عليه الليلة أن يكون فريسة سهلةً لعِراق.


"سأصبّ لك كأسًا بنفسي" قال عِراق، وعبّأ في الكاس ضعف العرق الذي نشربه نحن، وماء قليل ليُغيّر اللون فقط. ثلج؟ أم تشربه مثلما نشربه نحن؟ سأله عِراق. مثلما تشربون قال، من دون الثلج طبعًا. ناوله عراق الشراب ونده رافعًا ذراعه حاملاً الكأس: "بصحّة صائب وسيليا". وكانت ملامح الانزعاج باديةً على حركة إيناس، بينما كنّا ندقّ كؤوسنا المليئة بمكعّبات الثلج.

وبعد أن دارت الليلة، وأفرغنا الزجاجة الثانية وبدأ أدهم يعزف على آلته، وجدت سيليا أن تسأل صاحبها أوان مغادرتهما. لكنّ عِراق ضرب بودٍ على فخذ صائب وبيده الأخرى طوّق كتفه وتحدّث إليه بينما وجهه إلينا مبتسمًا: لا يا رجل، مستحيل. لن تغادر قبل أن أحكي لكم هذه القصّة، صدّقني لن تندم، جميعكم. لا بدنا أن تستمعوا إلى هذه القصّة...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق