القول الفصل

القول الفصل

الثلاثاء، 19 مارس، 2013

3X3




"من رحمي الطوفان" قالت له، وتفجّرت السماء صاعدةً نحو صدرها.
*
حَسَبَ انفجاره في السماء، دقيقًا محكمًا. تشظّى ثم تبخّر ثم غاب.
*
هذه الطائرات الورقيّة التي أفلتت في السماء، هل تقصف؟ هل تخلّف مجزرةً تلتف حول عنقه ليولد معها من جديد؟


---






هل سنذهب إلى السيرك؟
*
لقد غابت الشمس، ونعس المهرّج حتى تشقق وجهه.
*
لقد وعدتني بأضواءٍ وتصفيق ونمور راقصة، فكيف وصلنا إلى محاكم التفتيش الإسبانيّة هذه؟
---






لديّ رغبة لا تقبل السيطرة أن أطحن جبال الكرمل كلّها.
*
رغبة في أن أكسرك، وأنت تصرخين لذةً: "كمان" – حين أطلق النار إلى جمجمتي.
*
لدي رغبة لا تقبل السيطرة أن أنكسر، وأُطحن جمجمتي، لتنكشف أمام فرجك جبروتي المسخرة.
---

اللوحة الأولى: "ذكر وأنثى" لجيكسون بولوك
اللوحة الثانية: "المهرج الأحمر" لفرانز كلاين
اللوحة الثالثة: "حبيبان، رجل وامرأة" لإيغون شيلة

الاثنين، 18 مارس، 2013

زيارة لأجل المكسّرات






سنزوركم في الأيّام القليلة القادمة، يا أيها التائهون. ونأتي إليكم بالكثير من الحكايا عن المكان والحمل الثقيل، نأتي إليكم بالحمل الثقيل من خير هذا المكان؛ بحملٍ ثقيلٍ من القمح والعدس.

سنزوركم في الأيام القليلة القادمة، ونسألكم عن الأيام القليلة القادمة، عن أحلامنا المشتركة وعن الوعود، وسنسألكم إن كنتم قد وجدتم، في تيهكم، عنوانًا نضعه على قبر أحلامنا المشتركة، والوعود، في الأيام القليلة الصادمة.


سألتها: "متى تموت الوعود؟"
قالت: "عند وفاتها"
"عند الوفاة؟" سألت
قالت: "عند الوفاء أيها الغبيّ."

إن هذا الحمل الثقيل، من خير بلادي، يبدو الآن تافهًا إذ لم يبق وقت لإعداد الحساء. لنأكل، من فضلكِ يا حبيبتي، شيئًا صغيرًا، كالمسليات البرتقاليّة التي تعزف على الضرس مثل موسيقة ضرار كلش.

لنتسلى يا حبيبتي، بالفاجعات الصغيرة، ونترك العدس والحنطة، للأحلام المشتركة والوعود.

ولنحتفي بالأيام القليلة القاتلة.




السبت، 16 مارس، 2013

مشيشيّة



صوفي - البيرتو اوليفيييرا


احملني على سَبيلِهِ إلى حَضْرتِكَ حَمْلاً محفوفاً بِنُصْرَتِكَ، واقذفْ بي على الباطل فأدمغَهُ، وزُجَّ بي في بحار الأَحَدِيَّة، وانشُلني من أَوْحالِ التَّوحيدِ، وأغرقني في عين بحْرِ الوَحدةِ، حتى لا أرى ولا اسمَعَ ولا أَجِدَ ولا أُحِسَّ إلا بها...

 

شعر | نبذة تاريخية



قصيدة للشاعر البولندي جيرزي جارنيفيتش
ترجمتي عن الترجمة الإنجليزية













كانت حرب الثلاثين عامًا
وقد اختبأنا تحت الركام 
نخاف
أن يلقي القبض علينا مرتزقة فالنشتالين



عندما انطلق الصيد الكبير
بقينا نختبئ في الأقبية
نخاف
أن يلقي القبض علينا الرجل الأشقر الخارق 
القادم من بلاد غوتة



واليوم نهجر مخادعنا نجوب الأروقة
خائفين
من أن أحدًا
لن يجدنا



(1978)

الخميس، 14 مارس، 2013

رومي منامك واهجعي





مبروك عرسك يا بعيد رداده 
على ڨد حصحاص الجبل و رشاده 
 روح لوكرك يا غريب و جالي
 عمّرت وكر الناس ووكرك خالي
رومي منامك و اهجعي يا عيني
بالكش ريدي في المنام تجيني
سميت بنتي عل مرا نبغيها
 تهسّس عليا وڨت ما اناديها 
نهنيك يا ڨلبي حبيبك ريته
وڨاعد يحبّك كيف ما حبّيته
شيّعت عيني لفوڨ ريت النجمة
خطرت عليّا امّ الخجل والحشمة
يا عين ماتبكيش عاللي ماتوا
 وابكي على الحيّين كيف تخاطوا

الثلاثاء، 12 مارس، 2013

"صلاة" تسأل عن سياقها




مشاهدتي للمقطع الموسيقي المصوّر "صلاة" لتيريز سليمان ويزن إبراهيم





يضع فيديو "صلاة" النصّ في مركزه وينسج حوله كلّ الباقي، فلا يترك لنا لا في الصوت ولا في الصورة مقولات تطغى على النصّ وتهمّشه، وليس في ذلك أي إشكال. لذا، فالنصّ أساسي في مشاهدة هذا العمل، وأكثر من هذا أن إخراج العمل وتصميم الصورة يضاعف من أهميّة نقد اختيار النصّ.

التلفزيونات في الصورة عامل أساسيّ وهو ترميز هام للمحيط الذي يصدر به هذا الصوت والنص، وهو ذاته الفضاء الذي يصدر به العمل (العمل نفسه معروض عبر الشاشات فقط وفي بلدان مختلفة حول العالم). إذن، فالفضاء الذي ينشأ فيه هذا العمل، ويأخذك فيه مدّة 8 دقائق دون أدنى شعور بالملل، هو فضاء تحيط به الصورة الإعلاميّة المتابعة والملاحِقة للحدث، وعليه فإن السياق الزمني والحدث التاريخي الذي نشهده أساسي فيما نراه. ونزيد على ما نقوله ملاحظة هامّة؛ أن المراحل الثلاث التي تنقسم عليها نوعيّة المشاهد المعروضة على شاشات التلفزيون، وبالتالي ينقسم عليها الفيديو هي أولاً- مرحلة خضوع المرأة التام، ثانيًا- مشهد السحل الشهير للمرأة المصريّة، أيّ رد الفعل القمعي على فعل نسوي ثوري، وثالثًا- صور لنساء تركن بصمتهن على التاريخ (بغض النظر عن النقاش حول مساهماتهن).

لنتركّز أولاً بالفرق بين المرحلة الأولى والثالثة من جهة والمرحلة الثانية من جهة أخرى، حيث نرى في المرحلة الأولى والثالثة صورًا ساكنة وثابته تعبّر عن قيمتين منشودة ومرفوضة، بينما نرى في الثانية مشهدًا (فيلمًا) متحركًا لسحل المرأة المصرية أو من أعتبرها شخصيًا هيباتيا مصر الحديثة.  هذا المشهد المتحرّك، وحيدًا بين الصور الساكنة الأخرى هو مشهد يحمل الفعل وردّ الفعل، يعرض الحال الثوري، يعرض المتغيّر. والمتغيّر هذا يُعرض عن طريق ردّ الفعل، واختيار المشهد من قبل المخرج يفترض مسبقًا بأن المشاهد على علم بخلفية هذا السحل، وأن المشاهد يعرف أن هذه المرأة كانت قد خرجت للتمرد على النظام السياسي والاجتماعي القائم ولهذا سُحلت، وإلا لماذا لم يوضع مشهد القمع هذا مع ما سبقه من مشاهد القمع في المرحلة الأولى؟

تصميم: نايف شقور
إذن، يفترض العمل مسبقًا أننا على علم بالحال الثوري الذي أدى إلى مشهد المرحلة الثانية، وأضف على ذلك أنه يقول أن هذه الصورة لا زالت ناشطة، متحركة عن دون غيرها، أننا داخل الصيرورة وداخل التغيّرات. هذه النقطة التي أعرضها أمامكم تورّط الأصدقاء القائمين على العمل بضرورة التعاطي مع سؤال توقيت العمل ومعنى اختيار النص الآن، في هذه المرحلة التاريخية.

من هنا نعود إلى النصّ، ونسأل: كيف تنسجم المعطيات الإخراجيّة أعلاه مع نص كُتب في ذروة الخيبة العربيّة (2005-2006)، وأكثر من هذا، كيف ينسجم مع نص تحمل افتراضاته الأساسيّة الجملة التالية: "موج تاريخنا جامدٌ، والزمان، تُراه توقّف؟" (أدونيس، تاريخ يتمزق في جسد امرأة، ص 36). وكيف يجب أن نستقبل في هذا السياق الإخراجي نصّ (وشاعر) يسبح في ادعاء تشظّي المدينة العربيّة: "مُدنٌ تتشظّي- مدن ميّتة" (أدونيس، ص45) و"كل مختونة جثّة" (ص 42) و"بيتها موتها" (ص 76).

هذا الاصطدام بين النصّ المتركّز في الجسد من جهة، وبين النهضة التاريخية للمختونة من موتها، وانتفاض المدن، اصطدام يصعب تحمّله. أم أن قصد القائمين على العمل أن يضعونا في هذا المأزق؟ إن "الصلاة" للجسد، هي المسألة التي يجب أن نطرحها في الظرف التاريخي.

في النص ما يخدعنا، وما يوهم القارئ والمستمع أن ملكية المرأة على جسدها تتوحّد وتنسجم بالضرورة مع تقديس الجسد. إن القداسة، حتى وإن اعتبرناها قداسة للـ"أنوثة، للجنس، للنزوات وللصبوات" (ص 11) تبقى ثابتًا مطلقًا يستدعي الخشوع و"الصلاة". هذا الخشوع للنزوات يتحوّل بالعمل والنص من خشوعٍ لحظي وحسّي في وقت ممارسة النزوات والنشوات إلى خشوعٍ فكريّ ينفي العقل والنقد، أي ينفي الرفض المطلق للخشوع.



لدينا هنا سؤال سياسي حول فردانيّة التحرر، إن كان هذا الحفر العميق الذي نراه في جسد المرأة، في رئتيها وصدرها ورحمها وذاكرتها هو طرحٌ تحرّري؟ وبصيغة أخرى نسأل: هل يُمكن للحفر في الذات أن يؤدّي للسيطرة على الحيّز العام؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ الإجابة التي يقدمها العمل الفني "صلاة" تتناقض مع ما يحدث للوطن العربي، تتناقض مع محاولة دخول المرأة إلى الحيّز العام بالقوّة، بقوّة الثورة والتظاهر والتنظيم السياسي، وترسيخ ملكيّة الجسد ليس من منطلق قدسيّته نفسه، بل منطلق إخراجه من المقدس إلى المُباح في إطار مجتمعٍي تتساوى فيه ملكيّة الناس على أنفهسم.
 
ظهر هذا الفيديو في يوم المرأة، في يومٍ نضاليّ أحيته الحركات النسويّة في العالم بالتظاهر والخروج إلى الحيّز العام بقوّة، فألا يكون هذا الفيديو خطوةً للوراء في زمنٍ تتقدم به نساء الوطن العربي إلى الأمام؟ إلى خطوط المواجهة مع العساكر والعملاء الظلاميين في اللحظة ذاتها؟

الإحتمال الآخر هو أن نطرح هذا العمل، بهذه الصيغة، كتحدٍ للهروب الثوري إلى الأمام، من أسئلة إنسانيّة جوهريّة حول طبيعة علاقتنا بأجسادنا قبل علاقتنا مع النظام؟ من الفرد إلى النظام؟ لا أميل إلى هذا الاحتمال، فهذه احتمالات ليبراليّة سريعة التهافت.

صوت تيريز سليمان جميل جدًا، لا أحد يعرف صوتها ينتظرني ان أقول هذا. ونقطة الوسط بين الغناء والإلقاء فيها ما يثير الاهتمام، إلا أن تيريز اعتمدت على صوتها دون أن تعطي استعراض وجهها وجسدها أي وزن فني أو تحمّله مقولة، أما وجود يزن إبراهيم في الصورة -كرجل محجّب بشعره في الخلف- فهو، برأيي غير العلمي، أكثر حضورًا مما عزف، فقد كان العزف الذي قدمها مسالمًا، ينسجم بسلاسة، إنما دون حضور صلب ومثير للتركيز.

لو كنت أستطيع، بأعجوبة ما، أن أغيّر شيئًا واحدًا في هذا العمل كنت سأعرضه حيث لا يرجع العرض (مقارنةً مع مناسبة عرضه) خطوةً للوراء، بل خطوةً للأمام. كنت سأعرضه في عيد الأم بدل يوم المرأة، وسأهتف بعد الانتهاء من عرضه ما يقوله أدونيس في الصفحة الثامنة: "إنها امرأة: مرةً قيدها طفلها. مرارًا قيدها زوجها." وأردد ما قاله في الصفحة التاسعة والثلاثين، حين تقول المرأة لطفلها: "نسيت فراش أبيك، ولي شهوات، وأبحث عمّا يمتّع". 




موسيقى: تريز سليمان ويزن إبراهيم
إخراج: عامر حليحل
اخراج فوتوغرافي ومونتاج: محمد خليل
منتج فني: نايف شقور
منسقة إعلامية: رشا حلوة
تقنيات: بشار طرابشة

النص: من ديوان "تاريخ يتمزّق في جسد امرأة" - أدونيس
إعداد: تريز سليمان
ترجمة للإنجليزية: إياد معلوف 

الاثنين، 11 مارس، 2013

الفرح والشمطاء




مايك غراندميسون





الفرحُ طفلٌ لا يجد في الحيّ الأصدقاء. يرفع الضحكَ من تحت إبطه ويشدّ ركلته...
تطير الكرة إلى الغيوم.

كان الغيم نساء لا يكترثن لألعاب الكرة والسياسة فوق البار.
وكنت أخاف.

أخاف من كمد المكان- شمطاء ساكنة البيت الداكن عند السفح، تحت الجامع.. تلاحقنا ما أن نؤرق قيلولتها وقت الظهر. وتمزّق الكرات.
ولا زلت أخاف.

صارت الشمطاء في بيتها الداكن- ذاك الخالي من أبناءٍ صعدوا السفح إلى الجامع- تلاحقني حين أقض أرقها وقت الظهر. وتمزق كُرَتي، قبل أن تصل الغيوم.

وكان الغيم نساء لا يكترثن.

الأربعاء، 6 مارس، 2013

صنف من أصناف الفناء




مربع أسود - كيزمير ماليفيتش

هيا
اضغط، شغّل الجهاز.
أنجزنا كل الترتيبات، كل ما طلبتموه، كل ما يُطلب بشكلٍ عام، فعلنا كل شيء. ربطنا الأسلاك، أصدرت تلك الشرارة وذلك الصوت وصارت جاهزةً للاستخدام. 

لو تعرفون كم من الطاقة والجهد احتجنا لننتج هذا الجهاز، لنركّبه ونجعله وحدةً محكمة الصنع والإغلاق، لكي يشتغل. لو تعرفون كم اجتهدنا لنتحكم بالنتائج، لئلا تغدرنا التوقعات. عملنا بجهد، بطاقمٍ موسّع من أفضل خبراء وعلماء البلد، لنتفادى أي أخطاء، أي مزحات لا يمكن تحمّلها في هذه التجربة. 

الآن اضغط. 
شغّل. 
سترى فجأة أن كل شيء حولك سيتحوّل إلى بياضٍ ناصع وسيختفي الجهاز، وتختفي أنت. سيبقى صوتي يناديك من كل الاتجاهات، لن تجدني، لن أجدك، لن نجد بعضنا، كل شيء سيضيع في البياض. 

ثم سنسأل بصوتٍ مرتفع، أنا وأنت، ونحن لا ننظر إلى عينيّ بعضنا البعض: 
ما هذا الجهاز؟ لماذا اخترعناه؟ ما الذي يفعله؟ 

ثم حين ننتهي من الأسئلة يبدأ البياض المُطلق بالتشظّي إلى ألوانٍ صغيرة، قطع متفرّقة تتشظّى للمزيد والمزيد من الأوان، وتبتعد عن بعضها البعض، تصغر، تتناثر في الفراغ الأسود، تضيء، مثل نجوم.

تبتعد. تصغر. تتفرق.
في مشهد منهك للعين.

إن هذا المشهد منهك للعين. نُغمض أعيننا، ثم نفتحها، لا تنفتح، أو أنها انفتحت والسواد في لحظة كان قد أكل كل شيء؟

أسود، هذا كل شيء. 
من خارج المختبر كان صوتًا ينادي: هل لديك أقوال أخرى.
خرجت إليه قلت أسجّلها، وما أن بدأت بصفّ الكلام حتى نمت على الطاولة ولوحة المفاتيح. حلمت في حينها بأن أصدقائي الأعزاء جمعوا المال لي في عيد ميلادي واشتروا لي مسدسًا ملفوفًا بشريطٍ أصفر وأزرق.

عندما استيقظت، كان الوقت قد تأخر ودمي البُني يفور من رأسي إلى الطاولة، بين أزرار لوحة المفاتيح، ويسيل زاحفًا تحت باب المختبر.

وكنت أبتعد
أصغر
أتفرق.

في نصٍ منهك للعين.