القول الفصل

القول الفصل

الخميس، 22 أكتوبر، 2015

بلديّة الناصرة: يوم استقلالهم يوم نكبتنا


 
السنة الجاي يمثل هذا اليوم، بالذكرى الثالثة لانتصار علي سلّام ع جبهة الناصرة، راح يتم الإعلان عن يوم عطلة رسميّة في كلّ الناصرة، كنوع من تثبيت للنصر طبعًا. حدا بقول لأ لعُطلة؟

في السنة الي بعدها، بالذكرى الرابعة، وتحت عنوان "الرابعة طالعة"، راح يعمل علي سلّام مهرجان ويجيب عليه محمد عسّاف، هيثم خلايلة، وعمّار حسن.

في السنة الخامسة علي سلّام راح يكون قلقان بما أن الانتخابات قريبة. راح يقرر يستعمل سلاح اليوم الآخرة الذي سيُربك الجبهة ويقض مضاجعها، ويجعل جبهة الناصرة تدخل الانتخابات بنفوس مهزوز وصدمة وشيء من الذهول. راح يعمل مهرجان احتفالي بالذكرى الخامسة للانتصار على جبهة الناصرة – ويجيب عليه أمل مرقص تغنّي نصراويّات.

في الانتخابات الي بعدها راح ينتصر علي سلّام كمان دور ع الجبهة. هاي المرّة أخطر، لأنها ثبتت واقع فكّروا في الجبهة إنه سحابة عابرة واكتشفوا إنه لأ. بهاي اللحظة التاريخيّة بتقرر جبهة الناصرة إنها ما تستسلم، إنها تناضل، وإنه نضالها راح يكون طويل، وإنه معركتنا بالاساس معركة بقاء، ولازم الأجيال الجاي تعرف تاريخها الي كان قبل علي سلّام. وهيك، صارت الجبهة سنويًا تحيي ذكرى الكارثة والهزيمة – نكبة الناصرة.

علي سلّام طبعًا انزعج من الفكرة، في السنة الأولى بعد الانتخابات قمع مسيرة إحياء الذكرى. كان يدّعي إنه الجبهة بتحترمش فرحة الناس. المشاوي قايمة قاعدة بعيد الانتصار، وهدول الجبهاويّة معلنين الحداد؟ الجبهة ضد فرحة الجماهير.

الجبهة أصلًا نباتيين.

في ناس اقترحت تهجيرهن، بس يوسف عيّاد كان عندها حل أذكى بكثير واقترح ضمّ حارة الروم لحيفا من أجل التخلص من الخطر الديمغرافي. هون علي سلّام أثبت اتزانه ومنع هاي الخطوة. وبالمقابل سنّ قانون النكبة – قانون بلديّة بمنع الناس تعتبر يوم الانتصار على الجبهة يوم حداد، في هيك إشي بالعالم. جبهة الناصرة طبعًا انجنّت، الشباب نزلت تسكّر شوارع وتكسّر الدنيا ع راس علي سلّام، بس القيادة الحكيمة وقّفتهن. القيادة حكيمة وبتعرف إنّه النضال راح يكون طويل، وإنه معركتنا بالأساس معركة بقاء، فاختارت الطرق السلميّة وتوجّهت للمحكمة العليا بالتماس ضدّ القانون الجديد بادعاء إنه بقيّد الحق في التعبير عن الرأي. المحكمة العليا، طبعًا، رفضت الالتماس وأبقت القانون على ما هو. علي سلّام ضحك في عبّه، وضحك خارج عبّه.

وعشيّة الذكرى الثانية للانتصار الثاني والذكرى السابعة للانتصار الأوّل، اجتمعت جبهة الناصرة واتخذت قرار مسؤول وحكيم، بأنها ما تعرّض حياة الشباب للخطر، لأن النضال راح يكون طويل، ولإنه معركتنا بالأساس شو؟ معركة بقاء. بالضبط. لذلك، قررت الجبهة إنها مش راح تحيي ذكرى الهزيمة حقنًا للدماء.

علي سلّام، بهذا اليوم، فاق بلا هانغ أوفر، وقرر يكون إنسان منيح بس سمع هذا الخبر. قرر يكون أكبر منهن.

اتصل علي سلّام بجبهة الناصرة وقال لهم: "بحبكو بحبكو بحبكو والله بحبكو" ثم سمحلهن يعملوا مهرجان لإحياء ذكرى نكبة الناصرة، بشرط إنه لما أمل مرقص تخلّص تغنّي بمهرجان الانتصار تبع علي سلّام، وتروح بعدها تغنّي بمهرجان الحداد تبع جبهة الناصرة، تسمحله الجبهة يطلع علي ع المنصّة، ويغنّي معها نصراويّات. 

* هذه القصّة من وحي الخيال، ففي الحقيقة لا أحد يسمح لعلي سلّام أن يصعد للمنصّة، علي سلّام هو من يسمح للآخرين. وشكرًا

الثلاثاء، 20 أكتوبر، 2015

غيمة التاريخ






التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ بلا حدود، تحلّق خفيفة في الأزل. التاريخ غيمة دون أي شكلٍ فعليّ غير الذي يُمليه خيالنا؛ فقد تكون الغيمة أرنبًا لصًا، أو تكون عجوزًا شمطاء، قد يكون التاريخ أسدًا منزعجًا أو سيدة بفستانٍ متموّج - التاريخ ليس إلا فوضى كثّة لا تتهندم إلا في خيالنا. 

وشرط تخيّل التاريخ هو الابتعاد عنه. التاريخ بعيد بتعريفه ولا يمكن مشاهدته خلال المشي داخله. أقصد، إن نزل الغيم من سماء الأبد إلى الأرض الآنيّة، إلينا، لا يعود غيمًا إنما يصير ضبابًا يشوّش الرؤية التي تتخبّط بالأسئلة، بالخوف. يكون الهواء ثقيلًا حين تنزل إلينا غيمة التاريخ، يخنقنا مثل غيمة الغاز المسيّل للدموع. ونحن نمشي في داخله مثبّتين قدمًا واحدة بأرض الواقع، بينما نرفع الأخرى لتتقدّم في هواء المستقبل. واحدة في الواقع، وأخرى في الخيال - هكذا نسير، ويُصبح السير أصعب كلما اقتربت منّا غيمة التاريخ، صار الهواء أثقل، نحن نلهث، وأجسادنا زادت حاجتها للمقاومة من أجل أن نواصل السير، أما الغيمة فكلما ثقلت زاد سوادها، ثم تخبّطها، 
ثم رعبها برقًا مثل ضوء سيّارات الياسّام، ثم زمجرتها رعدًا مثل القنابل. ثم تُمطر. تُمطر وتصبح أرضنا وحلًا خائفًا يتوسّلنا البقاء في الأمر الواقع، ويُصبح السير أصعب ألف مرّة.

ثم تُزهر الأرض.

التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ دون حدود، ونحن لا نعرف، حين ينزل إلينا التاريخ، أننا نسير في داخله. غيمة التاريخ هذه خريفيّة ثقيلة في أكتوبر، والشتاء يندهنا بعدوانيّته التي تفشل في كل مرة من جديد بأن تطمس السرّ الذي يعرفه جميع الناس: أن الأرض غدًا ستزهر. 

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2015

مظاهرة سخنين: لماذا لم يكن السكوت ممكنًا؟



لم نفقد صوابنا في مظاهرة الأمس. لم نقتحم المنصّة جنونًا، ولم نمارس هواية التخريب – من يريد أن يصف الأمور كذلك، إنما هو يهرب من نقاش سياسيّ واجتماعيّ جديّ جدًا بدل مواجهة لحظة قد تكون مفصليّة لمجتمعنا إن لم نتنبّه إليها. نحن نأخذ أنفسنا على محمل الجدّ، ونأخذ شعبنا على محمل الجدّ، ونرفض أن نردد قوالب كلاميّة بدلًا من أن نفكّر بجديّة بما حدث ومدى خطورته.

الأحداث باختصار: مجموعة من 200-300 شاب وفتاة ينفصلون عن المظاهرة التي قررت لجنة المتابعة حرفها عن مسارها التقليدي وإدخالها إلى عمق المدينة، ويتّجهون بمسيرةٍ عفويّة بهدف التظاهر على مدخل مدينة سخنين. عندما وصلت المسيرة إلى أوّل دوّار في شارع المدينة الرئيسيّ قطعت طريقها مجموعة من الشبّان مفتولي العضلات بزيّ موحّد وسترات سوداء كُتب عليها Security  ביטחון، بعضهم مسلّح، وإلى جانبهم منظّمون من البلديّة بسترات لامعة، وغيرهم على الرصيف سيّارات فيها شبّان مجهّزون للعراك. قرر المتظاهرون، بعد نقاش شارك فيه الكثيرون وبشكلٍ مسؤول رغم الحماس العصبيّ، عدم الاصطدام بهذه المجموعة والعودة إلى المهرجان لنقول كلمة الحقّ في وجه من أرسل رجال الأمن هؤلاء. ودخل الشباب ساحة المهرجان يهتفون "يا شعبي طلّ اسمعنا، جابوا الأمن يقمعنا" وتوجّهوا نحو منصّة الخطابات. من يعترض على "الأسلوب" الذي تصرّف به الشباب، عليه أولًا أن يعرض علينا الهيئات والقنوات التي يمكن عن طريقها أن يحاسب المواطن الفلسطيني أن يحاسب ويُصلح لجنة المتابعة. كلنا نعرف أن هذه القنوات غير موجودة ولم يكن لدى الشباب أي وسيلة أخرى.

ما الخطير في هذه الحادثة؟ لماذا لا يمكن السكوت عنها؟
لأنّها عمليًا تخلق شكلًا جديدًا للعلاقة بيننا كمجتمع وبين قيادتنا المحليّة والقطريّة. وهذا الشكل الجديد للعلاقة يمكن أن يكون له إسقاطات جديّة على نضالنا ضد نظام إسرائيل العنصري. في السابق، كان ممثلو القيادة يحاولون ردع الشباب عن هذا الهتاف أو تلك المواجهة، يختلف الناس، يتنقاشون، تعلو الأصوات، مزاودات، نتدافع أحيانًا، يتعاركون أحيانًا. ولكنّ النقاش دائمًا يبقى بين أفراد ومجموعات على أساس المصلحة الوطنيّة. نختلف ونتشاجر، ولكننا نعرف أننا شعب واحد وسنعود غدًا ونتظاهر ونعمل معًا رغم كل شيء لأن الخلاف بيننا هو عمليًا حوار حول آليّات النضال وأولويّاته.

أما الآن، تخلق السلطة المحليّة، بغطاء من لجنة المتابعة، طبقة فاعلة جديدة تضبط علاقتها بالناس؛ شركات أمن خاصّة أو مجموعات مدرّبة (يدّعون أنهم مجموعة كونغفو!!) أو ما شابه – طبقة\منظومة مُطبّقي أوامر لا يمكن التحاور معهم. هم جنود، ينفّذون الأوامر بأي ثمن حتّى إن كان ذلك استخدام العنف، لا بل أن قدرتهم على استخدام العنف هي المبرر الوحيد لوجودهم في هذا المنصب. في السابق كان العنف، أحيانًا، من العوارض الرديئة للخلاف السياسي، ولكنه لم يكن جوهريًا في توصيف وظيفة من يردعون الناس عن إرادتهم السياسيّة. أما الآن فهو جوهريّ – هؤلاء الذين وقفوا أمام الشباب يوم أمس ليس لديهم أي وظيفة غير أنهم يستطيعون أن يستخدموا العنف لينفّذوا المطلوب منهم. ما حدث في مظاهرة سخنين أمس، هو أول مشهد يتحوّل فيه منطق تعامل القيادة الفلسطينية في الداخل مع جمهورها من المنطق الاجتماعي إلى المنطق الأمني.

وفي اللحظة التي يُصبح فيها استخدام العنف شرعيًا من أجل تطبيق أوامر قيادة ضد شعبها، تنهار كل امكانيّات وجود مجتمع مدني قادر على الحوار والبناء والنضال ورفع سقف المواجهة مع الظلم. استخدام العنف المنهجي والممأسس في خلاف حول الآليات السياسية المستخدمة داخل مجتمعنا هو انتحار اجتماعي وسياسي لا بد أن نضع له حد بأي ثمن. لحظة، أليس من الغريب أصلًا أننا نناقش شرعية وعدم شرعية استخدام عنف رجال أمن، مهما كانوا، ضد شعبنا؟ ضد شباب يخرجون للتظاهر؟ أليس من العيب أصلًا أن نناقش ذلك ونحن شعب يولد ويعيش ويموت تحت بسطار الأمن الإسرائيلي؟ هل فعلًا يجب أن نكتب مقالًا نشرح فيه لماذا يُمنع استخدام العنف في الخلاف السياسي بيننا؟

من يضبط رجال أمن البلديّة؟
ثم لنفترض جدلًا أننا سلّمنا بضرورة استعمال العنف من أجل منع المسيرة من التوجّه لمدخل المدينة. بموجب أي قانون يقرر رجال الأمن الخاص التابعين لبلديّة سخنين أن يفرّقوا المظاهرة؟ معقول أن تمنعنا بلديّة سخنين من إجراء مسيرة بشكل لا يمس حتّى بالقانون الإسرائيلي؟ ولنفترض جدلًا أننا وافقنا على استخدام العنف ضدّنا. طيّب، من يصدر الأوامر؟ ما هي درجات العنف المستخدمة وبأي حالات؟ من هو المسؤول في حالة الإصابة ومن يحقق بالأحداث في حال تفاقمت؟ لا حاجة لأن نكون عباقرة من أجل أن نفهم أن هذا الوضع من شأنه أن يخلق حالة تعسفيّة واعتباطيّة تُطلق فيها يد رجال الأمن دون أي ضوابط وأي قوانين غير قوانين الذراع والقوّة. لا حاجة لأن نكون عباقرة لنعرف أن هذا النموذج هو وصفة لارتكاب جريمة بحق أحد المتظاهرين في ظل عدم وجود أي منظومة ضبط أو محاسبة، ولا حاجة لأن نكون عباقرة لنقول أن السكوت عن هذه الوضعيّة سيحوّل البلديّات والمجالس المحليّة إلى سلطات ضاربة تقوم بدور الشرطة الإسرائيليّة تحت حجة الدفاع عن مصالح البلد.

تبنّي للرواية الإسرائيليّة: نحن نتحمّل مسؤوليّة قتلنا؟!
النقطة الثانية هي قضيّة "التصرف المسؤول" والادعاء أن ما مارسته البلديّة منع تعريض المتظاهرين للخطر. أولًا، لنبدأ من أنّ موقع المهرجان الخطابي كان يبعد مسافة 2.5 كيلومتر عن مدخل المدينة لذلك فإن توجّه الشباب للتظاهر على مفرق مسغاف لم يعرض الآلاف لأي خطر. ولكن ليست هذه المشكلة. المشكلة، بل المصيبة، في أن يصطف المئات خلف الادعاء بأن السبب بالقتل والسبب بالعنف والسبب بجرائم الشرطة الإسرائيليّة هم الشباب الذين يتوجّهون للتظاهر هناك. نحن السبب في قمع الشرطة؟ طيّب، وليد أبو صالح وعماد غنايم رحمة الله عليهم، استشهدوا لأنهم متهوّرون وغير مسؤولين ويبحثون عن مواجهة؟ معقول هذا الكلام؟ ما الذي يفعلونه؟ يوفّرون مواد للطرف الإسرائيليّ ليبرر هجومه على شبابنا؟ ليبرر جرائمه؟

الحق في التظاهر؛ إنعاشًا للذاكرة...
يبدو أنه ما نقوله في وجه الإسرائيليين ليلًا ونهارًا لم يستوعبه الكثيرون من أبناء شعبنا، إذن، فلنكرره: الحق بالتظاهر هو حق من حقوق الإنسان ولا يمكن المساس به مهما كان، ولا يمكن تقييده لا بمكان ولا بزمان. ليس لأي إنسان في العالم حقّ أن يوقف المظاهرة حيثما توجّهت. وحتّى حين تخالف المظاهرة قانون دولة فهناك طرق محددة ومعرّفة وواضحة للتعامل معها. إسرائيل تنتهك كل هذه القوانين – فلماذا تتولّون مهمة انتهاك حقوقنًا بدلًا من إسرائيل؟

لا يُمكن السماح، ولا للحظة واحدة، بأي استخفاف بحقّ الناس في التظاهر. حقّ الناس أن تمشي بمسيرة دون مضايقات، وحقّ الناس أن تصل إلى أي نقطة وتتظاهر فيها كيفما شاءت. هذه أمور يجب أن تكون بالنسبة لنا ثابتة ثبات الصخر. فكيف، فجأة، يُصبح من الممكن استسهال أن تستخدم سلطة ما رجال أمن ليقمعوا حريّة التظاهر؟ وكيف فجأة، نتبنّى الرواية الإسرائيليّة بهذه السلاسة، بأن هؤلاء الشباب يتوجّهون من أجل افتعال المشاكل؟


سكوتنا كمجتمع، وسكوت الأحزاب السياسية على هذه الحادثة يمكنه أن يقودنا إلى مأزق جدّي جدًا على مستوى العمل السياسي والنضالي.  لنفكّر بالعواقب، لنفكّر بالوضع الذي يُمكن أن تُنسخ فيه تجربة الضفّة الغربيّة وسلطة أوسلو وقمعها للمتظاهرين والمتظاهرات، عندنا في سخنين والناصرة وأم الفحم. ولنأخذ أنفسنا بقليل من الجديّة.