القول الفصل

القول الفصل

الأحد، 6 يناير، 2013

حبال الشيب




أسرار السطوح المقدّسة (2008) - محمّد بدارنة


عزيزي ويليام،

لقد توقّفت أمك عن الصلاة ولم تعد تخرج إلى الكنيسة. 
لم يعد لأمك أي حصّةٍ من ضوء الشمس، غير تلك التي تلتقطها حين تخرج إلى الساحة لتعليق الغسيل على الحبال الممدودة في ساحة البيت. إنها تُغلق الشبابيك لئلا تتسرب رائحتك إلى الخارج، لكن ذلك لا يفي بالغرض.

إن أمك تفقد ألوانها يا ويليام. أظن، والله أعلم، أنها لم تعد على ثقةٍ بموضع صلاتها. لقد صلّت أمك يا عزيزي لسنواتٍ طويلة لتتخلص منّي، وها انقلب الدعاء على الداعي، ورحلت أنت بدلاً منّي. 

لقد أرادت دائمًا أن تبتعد، لكنك كنتَ هنا فلم تتمكن من الهجر. لم يعد منك الآن إلا أمل سخيف بأن تعود حيًا، ولا يعيدها إلى بيتنا المُعتم إلا هذا الأمل. عندما غبت يا ويليام، فهمت أخيرًا بأن جزءًا كبيرًا من حبّي الغزير لك، ليس إلا رغبةً دفينةً في داخلي بالحفاظ على أمك هنا إلى جانبي.. لكني قد خسرت اللعبة. 

حين تنام أمّك، أنزع من رأسها شعرها الرماديّ لتعود إلى صباها، وأغزل مما نزعت حبالًا طويلة لتعليق الغسيل، وأمدها في ساحة الدار الواسعة، وهي حبال تطول مسافتها كل يوم حتى تصل إلى آخر العالم، حيث يحبّ الناس دون مطالب.

لقد خسرت اللعبة، وها أنا أقاتل على أملٍ أخير باستعادتها. إنها تبتعد، وتبتعد، وتبتعد ماشيةً على حبال الغسيل، وأنا أنتظر. أمسك طرف الحبل الأوّل بسبابتي، وأعلق طرفه الآخر في عنقك يا عزيزي، عنقك الدافئ البعيد في تلك البلاد، حيث يحب الناس دون مطالب.

إن صفاء يا عزيزي تقضي أيامها تشمشم الجدران والأثاث طوال ساعات النهار لتمتص رائحتك، تبتلعها ثم تأوي للنوم، حيث تحلم وتحلم حتى تبتلّ ملابسها الداخلية، تستيقظ، وتُهديها لأمك التي تغسلها وتعلّقها راقصةً فوق حبال الشيب. 

لكنّ رائحتك بدأت تنفذ، وصفاء لم تعد قادرةً على استخلاص الأحلام، وقد يأتي يوم قريب وتنهار الرسالة من أوّلها.

إما أن تعود يا ويليام، وإما أن أرسل صفاء يوميًا إلى الصلاة في الكنيسة، لتأتي برائحة شبانٍ مؤمنين يبللون ثيابها عند الفجر.

لترقص أمك، صبيةً على حبال الشيب. 

عُد يا ويليام لينتهي هذا الكابوس، لقد ضقت ذرعًا بهذه العبارات، إني أريد أن أتحدث كما تحدثت طوال عمري، بالعربيّة السهلة. عُد يا ويليام، لا تخرب بيتنا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق