القول الفصل

القول الفصل

السبت، 30 يوليو، 2011

رسالة يائسة، إلى شهداء غزّة...




أنتم تعرفون الحقيقة كاملة، فلماذا إذًا لا تضعوا الأمور الهامشية، التي ستبقى لديكم للأبد هناك في السماء، وتمنحونا من وقتكم بضع دقائق؟ لا يمكن استحضار الأموات، أعرف، ولكن رسالة على الأقل لن تضرّ، أو تلميح بسيط يدلّنا على قسط من الحقيقة، فأنا أقترب من الجنون وأنتم تجلسون هناك جميعكم، نساء وأطفال وشيوخ ومدنيون وغير مدنيين، منذ سنتين وتسخرون منّا...

لا بد أن تقولوا شيئًا ما، ليس ضروريًا أن تُدخلونا في المتاهات الماورائية التي صارت حصتكم من الحياة. يمكنكم على الأقل أن تحدثونا عن الأمور الأبسط، التي أستطيع أنا، على الأقل، أن أفهمها. وإن كان صمتكم خشية أن أحمل ما تقولون وأنشئ منه حزبًا جديدًا، فلا تقلقوا، كل ما في الأمر أني أبغى تغذية الفضول، وأطمع بمادة جاهزة للحديث مع الجميلة المثقفة، أو أصادف فرصة الخلاص.
*

قولوا أي شيء، سأصدق كل شيء. حدثوني عن هؤلاء اللذين كانوا لا يحملون الجرح إلا على كفة اليد اليُسرى، فيخنقون الطائرات بالكوفية الحمراء ويهتفون "باسم الناس..."، وأخبروني ما الذي نال من شغف الحالمين؟ وما الذي حوّلهم لجثة ثورة ترقص الدبكة بتمويلٍ أجنبي؟ كيف قلّمت اليد اليسرى أظافرها؟ وكيف بسطت راحتها فارتاح العدو؟ ثم قولوا أنه كان من الأفضل لو أنهم سقطوا، ففي السقوط بعض الضجيج، بعكس الذبول التعيس الهزيل الحزين. 
*

وحدثوني عن اللذين يدّعون المعرفة، عن اللذين يجلسون العمر، بأذرع غير مشمرةٍ، بين الكتب بحثًا عن حقيقة، تلك الحقيقة التي لخصتموها أنتم بين رفح ودير البلح. هيّا اسخروا من مثقفين يبحثون عن معرفة نائية عن "رُعاع الشوارع" لئلا يمس غبار الرصيف صفوة النظرية الراقية، فيرفعونها عن الأرض عاليًا، ويعلقونها مؤطرةً جامدة، في الصالون الأدبي.
*

واحكوا عن الذين طُردوا من المكان الذي رسم ملامح وجوههم، ثم طُردت ملامحهم عن وجه المكان. احكوا لي، رجاءً، أن الرمل لم ينفذ من قسم الساعة العلوي بعد، وأن الغياب لا زال مؤقتًا، واحكوا أن المخيم لم يزل ولو مبدئيًا، اشتقاق من عبارة "الخيمة"، وأن الخيام، كل الخيام، مؤقتة. 
*

وهاتوا ما عندكم عن منظمة صارت "وطنًا معنويًا" نًصَّ دستوره على جدران المخيم ثم تلاشى على طاولة الصلح، فساوم المعنوي على حلمه وفقد المعنى. ثم قايض شرف المحاولة، وقايض الحق بثمن الإنجاز المخصي المضمون، فاقترب بضعة أمتار من حلمٍ لا تقاس الدرب إليه بالأمتار.
*

واحكوا الحقيقة عن نسل المقايضة الذي انتصر. نعم انتصر، وأزهر منه كل شيء حي، عن الدولة التي لنا، عن وزاراتها، مجتمعها المدني، مشاريعها، مؤسساتها، مهرجاناتها، بنيتها التحتية، حياتها الثقافية، برلمانها، إستراتيجيتها، علاقاتها الخارجية، إنتاجها القومي، عملتها وبالطبع، سيادة رئيسها. احكوا، احكوا عن دولة حدودها متغيرة (حيث لم يُبنَ الجدار بعد) بحسب مزاج أصدقائنا الجدد، وعن السيادة التي لا وقت لديها تضيعه على جدليات السيد والعبد الفارغة. وإن بقي متسع من الوقت، فاحكوا عن عاصمة دولتنا؛ دوّار بأسودٍ أربعة، يُسمّى "المنارة." 
*

وعن الذين حالفتهم الصدفة فبقوا في الوطن، ولم يحالفهم الحظ، فلم يبقَ الوطن.
*

وعن شيوعيٍ شيّع اسم وطنه ما أن شاع قرار التقسيم.
*

وعن أبناءٍ أشاوس، كثروا ونهضوا، ثم كبروا وهرموا وتقاعدوا، ثم غاب معظمهم، فلم يبقى في البلد من أبناء، إلا شلّة شُلّت قدرتها، اللهم إلا قدرة النطق، فامتهنوا الكلام، وكلما بادر آخر للحديث وباشر بالتحديث، قاطعوه.
*

وعن حزبٍ سار على خطى مفكر فقه الجدلية فأدار التناقضات، وأطلقها حجرًا في البحيرة؛ رحلة جديدة لرؤية الشمس من البئر الجديد. غاص الحجر عميقًا، إلّا أن أهل الخيبة والانتهاز ظلوا في البحيرة ترددَ أمواجٍ على السطح تُردد ما تحفظ بسطحيّة. وعندما غاب الفقيه، بان السفيه، فصار البحر مستنقعًا والسطح طحالبَ تلوح بالتهديد على باب المؤتمر ما أن ترى حالمًا آخر يهم بالحجارة.
 *

حدثونا كيف صار الوطن أرضًا لا ينبت فيها إلا شتل الفزاعات.


(كُتبت قبل نصف عام، قبل الذكرى الثانية للحرب على غزّة. النص لا يتوخّى الدقة السياسية أبدًا، مما وجب التنويه.)

هناك تعليق واحد:

  1. قبل ان أقرا مقالتك -مرتين- كنت سأهملها وابحث عن مقال أو موضوع اكثر "بيكانتي"..لا أعلم ان كان توقيتها (في نظري) هو السبب، فمعظمنا (نحن الذين حالفنا الحظ وبقينا في الوطن) في هذا الوقت من الصيف أما على الشواطئ او منهمكين بالتحضير للشهر اياه.نكاد نحسد انفسنا على النعم والخيرات.كأن الحرب لم تكن لنا ولا علينا.أحب صحوتك الدائمة (حتى لو بعد 10 قناني بيرة:))
    على فكرة، ذكّرتني بجوليانو مير

    ردحذف