القول الفصل

القول الفصل

الجمعة، 2 ديسمبر، 2011

ملاحظات من المقبرة وعنها.../ مجد كيّال

// إنطباعات مشاهد عن مسرحية "عِشرِة عُمُر"..


"لا تتركنا نغترب هاربين". ملصق المسرحية.




|مجد كيّال|



مسرحية "عشرة عمر" تحكي قصّة مقبرة؛ منذ ولادتها عند بائع المثلجات، وحتى نهايتها بمهرجان جثثٍ حافل. إنها عمل يجتهد ليفسح لنفسه مساحةً بين تيارين محليين، الأوّل يهرب للانشغال بنصوص الأسئلة الإنسانية الكونية بحيث يشتغل بها من خلال احتراف لمسرح بمهنيته إذ يتمأسس، وآخر من النفاق أن نسميه تيّار إذ أنه مشغول بإعادة إنتاج التخلف الفنّي عبر "نصوص" محلية  تقول ما يقوله الجميع وتسأل عن ما نعرف إجابته سلفاً من خلال مسرح هاوٍ وركيك. لا نعرف إن كان مؤلف المسرحية ومخرجها، نضال بدارنة، يعي هم إيجاد مسلك ثالث بين الخيارين، لكن من المؤكد أن في مسرحيته ما يشير إلى ذلك.

يختار بدارنة أن يطرح قضية العنف في المجتمع العربي الفلسطيني، هذا الخيار يُعيد نضال بدارنة إلى عرابة، قريته التي كتب وأخرج فيها المسرحية، بحيث انه يعارض "المدنية" الفنية المتجاهلة للهموم الحقيقية التي تشغل أغلبية المجتمع في حياته اليومية، وفي الوقت ذاته ينجح بأن لا يسقط في السطحي. ففي حال الخطاب (الاجتماعي، السياسي، الإعلامي والفني) الأحادي الذي يعلك عبثاً قضية العنف منذ سنوات، تصير المهمة أصعب، وينجزها بدارنة بحيث يقضي نصاً وإخراجاً على ما اعتدناه من قول المفهوم ضمناً وترديد الشعارات الفارغة. يواجه الصحافة والسياسيين والمسرح الرخيص الذين يوجّهون أصابع الاتهام إلى وجوه ضبابية غير واضحة، فيوضّح ملامح الوجوه الحقيقية ليصفعها دون هوادة، ولكن أيضاً دون مزاودة فارغة تفصل الفن عن السياسة. لقد كان العمل موفقاً بتحديد اتجاهات السهام، وضبط قوّتها أيضاً.

ولكن العمل بقي في مساحته بين الخيارين الذين أسلفناهما أيضاً على الصعيد المهني، وهذا ليس مباركاً كما هو الأمر على صعيد الفكرة وأسلوب طرحها. وقد نتفهم أن العمل هو تجربة بدارنة الإخراجية الأولى، وقد نتفهم الإنتاج المستقل والصعوبات المادية، ولكن هذا لا يعفي المسرحية من ثغرات درامية ليست قليلة خاصةً في نصفها الأوّل الذي يتفاوت مستواه مع ما تؤول إليه المسرحية في نصفها الثاني من أحداث شيقة.

تعامل المخرج مع طاقم ممثلين مبتدئين، وليس في هذا عيب، ولكنّي أعتقد أنه كان يمكنه أن يتعامل مع ممثلين مبتدئين أكثر موهبةً. الممثل حسن خليفة، الذي أظهر –ولأول مرة على الخشبة- موهبة جميلة جداً لكنها مهدورة وبحاجة إلى المزيد من العمل، أما باقي الممثلين فيتراوح أداءهم بين السيئ والعادي، والموفق منهم كان موفقاً لأن دوره يحتاج ضعفاً، لا لأن قدراته خارقة. أما المخرج، ربما لأنه ممثل، فلم يستطع أن يفصل نفسه كاملةً عن المسرحية منذ لحظة بدايتها، إنما كان جزءاً منها في مشاهد قليلة يُكسر فيها جدار المسرح الرابع، وقد أتى هذا التدخل قوياً، يُغذي الحبكة ويعكس الحالة الهزلية، ومع ذلك  هنالك بعض الأماكن التي يبدو في التدخل غير مبرر بأي شكل من الأشكال، وكان من الأجدر أن تحذف من العمل.

تكوّن العلاقة بين ثلاثة؛ المخرج - شخصية "عزو" (خالد ماير) الذي يؤدي دور تقني المسرح- باقي الممثلين، علاقة جميلة لا تكسر الجدار بين المشاهد والمسرحية فحسب، بل تعطيه مرونة مثيرة ليتلاشى تارة ويعود إلى مكانه تارةً أخرى ويُهدم بقوة في موضعٍ آخر، حيث يتاح لك أن ترسم المسرحية رسماً بيانياً بإحداثيات على محور بين المشاهد وعالم الممثلين المُغلق.

الكوميديا في المسرحية هي وليدة تكثيف الشخصيات التي نقابلها نحن في حياتنا اليومية، وهذه كوميديا جميلة ليس فقط لأنها تتقي ابتذال الأخطاء والمواقف، بل لأنها أيضاً تربطنا شخصياً بحجم الفاجعة التي ترويها المسرحية ولا تتركنا نغترب هاربين من واقعنا.   


||

عشرة عمر

تأليف وإخراج: نضال بدارنة
تمثيل: حسن خليفة، محمد دبدوب، خالد ماير، محمود مرة ويسرى بركات
مدير إنتاج: وافي بلال
ديكور: هدى كلش
تصميم إضاءة وتنفيذ: عادل سمعان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق