القول الفصل

القول الفصل

الخميس، 29 ديسمبر، 2011

رأيت ديمة...

إنه لأمر غريب، غريب جدًا. 
ما هذه الأفكار العجيبة التي تخطر لي الآن؟ هل كلها تراكمات لاوعي مترسبة في قاع الأفكار اللذيذة المسبقة التي كانت شغلي الشاغل في ساعات استنقاع الملل العضوي المضمون في مؤسسات التلقين- الحصّة، الحصّة كانوا يسمونها، وهي كانت هناك، في الحصة، دائمًا، ثابتة في المقعد الأوّل أمام المدرس، وكان اسمها ديمة. 

ديمة لا تعرف بلادًا غير صفّنا، لا أستطيع الآن إلا أن أتصوّر أنها كان قد وُلدت في الصف، ولم تخرج منه أبدًا، ولدت على المقعد الأوّل، أمام طاولة المعلم. كان صمودها على ذاك المقعد صمودًا رهيبًا، كانت تجلس طويلا بصمت، وكانت في أوقات الفرصة والإستراحة، حين نخرج كلنا إلى الساحة لنركض ونأكل ونصرخ ونغني و"نزبّط" بعضنا البعض، كانت ديمة تنتقل من الكرسي لتجلس على الطاولة تأكل زوّادتها، لكنها كانت ثابتة الحفاظ على مقعدها، ما الذي كان يمكن لديمة أن تخسره من هذا المقعد؟ 

كنت أفكر أحيانًا، هل تخبئ شيئًا هناك؟ كم سيكون مثيرًا لو أننا اكتشفنا في العام الأخير أن ديمة تخبئ المخدرات تحت الطاولة، كنت أتخيّل دائمًا، أن تقتحم الصف وحدات مكافحة الإرهاب وتعتقل ديمة، ثم تختفي لأربع أشهر نكتشف بعدها أنها كانت العقل المدبّر وراء تفجير القطارات في مدريد، لكن كيف يمكن؟ إنها لم تترك الصف يومًا! هل كان ممكن لديمة أن تكون الشخصية المجهولة التي قبّلت الضابط ريبابوفيتش في قصّة "القُبلة" لتشيخوف؟ اللعنة، هل ديمة تُقبّل؟ 

للدراما علاقة طردية حميمة مع التيستوستيرون، وأنا متأكد من أن ديمة تعرف التيستوستيرون أكثر منّا كلنا: صيغته الكيميائية C19H28O2.. كتلته الجزيئية 288.42، كما أن توافره البيلوجي منخفض... هذه... هذه التفاصيل المملة التي لن تجدها حتى في ويكيبيديا، ديمة تعرفها جيدًا... إنها تفاصيل حياة حميمة، إنها تفاصيل نضوج الحب إذ يخرج من فرن المراهقة ساخنًا طريًا ومعقود الخميرة، إن ديمة تعرف التيستوستيرون بكامل تفاصيله، كيف ينام، ماذا يحب أن يأكل، أي هدية، لعيد ميلاده، يريد... هذه الأمور تعرفها ديمة فقط. 

لقد أنهيت الثانوية دون أن أكتشف العلاقة الغرامية غير المعلنة بين ديمة وديميتري ماندلييف، لقد شككت بالأمر منذ لاحظت ان أسمائهم متشابهة، ماندلييف كان متزوجًا، لهذا أبقوا العلاقة سرًا، أما ديمة، فلم تكن قادرة على الإجهار بالأمر: لقد كانت ضحيّة قضيّتها، ضحيّة نضالها الغريب لأجل الحفاظ على مقعدها في مقدمة الصف، كان كشف العلاقة من الممكن أن يضرب صورتها كمناضلة صنديدة تضاهي جان دارك بثباتها. ديمة... ديمة... من أنت؟ "من أي ريحٍ جئتِ" يقول درويش... ديمة لم تأت من ريح، إنها وليدة الملل. إنها وليدة احتقان الفراغ. هذه الديمة، يا الله! 

لكن كيف انفجر بي كل هذا الآن، تسألون أيها الأصدقاء، أنا أيضًا أستغرب من كل هذا، كم أضمر لديمة، لقد احتضنت هذه المدونة الكثيرين، كتبت عن كل شيء، عن الجميع، لكن ديمة؟ هذا المكان ليس لديمة. هل تقرأ ديمة المدوّنات؟ هل تقرأ الصفحات الثقافية؟ عزا! ماذا تقرأ ديمة بحق الجحيم؟ بأي منطق يذهب علماء العالم إلى سيرن في سويسرا ليدرسوا نشاط مصادم الجزيئات الكبير- LHC. قبل أن يتمكنوا، ولو للحظة واحدة، أن يكتشفوا الأعجوبة الانشطارية الكامنة في امكانية التفاعل النووي عند اصطدام ديمة (كنموذج التمثيل الكلوروفيلي) بالتبلور المادي لواقع الأدب الايروتيكي المعاصر! نيّكت  أيها الأصدقاء، نيّكت! تخيّلوا ديمة تقرأ "لوليتّا" أيها الأصدقاء، تخيّلوا!

لقد رأيت ديمة اليوم، أيها الأصدقاء، لقد رأيتها. رأيتها تسير في الشارع، في الشارع بين الناس أيها الأصدقاء! لقد كانت، كانت تسير، (مهرولةً ولكن لا داعي لذكر هذا لئلا نُفسد الحفلة) وكان حولها بشر، وسيارات، وقطعت، بجرأة ملحمية، الشارع في مكانٍ ليس فيه ممرًا للمشاة، لقد كانت مذهلة، مذهلة أيها الأصدقاء لدرجة أني توقفت لأشاهد ديمة وهي تسير. 

لقد رأيت ديمة اليوم، أيها الأصدقاء، لقد رأيتها. كانت هناك تكثف تجلّي المدينة في اقتفاء أثر الحاضر، بوصفه حسد التاريخ لمستقبل المكان. إنها تجلّي التحوّلات التي لم نكن نترقبها يومًا، إنها تعاظم النتوء في الحتمية التي تؤدي بالضرورة إلى انهيار الميثافيزيقا عن بكرة أبيها: نادوا هايدجر، نادوه... لقد قطعت ديمة الشارع! 

لقد رأيت ديمة اليوم، أيها الأصدقاء، لقد رأيتها وفهمت فجأة كيف يأكل الزمن مبنى الإدعاء المنطقي ليحوله ثقبًا أسودًا للوعي الشخصي الذي أسسنا عليه قصّتنا. لم أستطع، أيها الأصدقاء، أن ألقي السلام على ديمة، لقد تعطلت الحواس فجأة؛ لقد سقطت في فقدان ثقتي بكل الأبعاد التي تحتملها علاقتي بذاتي، لقد سقطت حيث ينهار التاريخ ضاحكًا في وقتٍ كنت أظن فيه بأني أحتكر النكتة الكونية. لقد سقطت أيها الأصدقاء، حين رأيت حركة ديمة، والتاريخ، تتجلى أمامي... وأنا الذي كنت أفكر أن التاريخ قد انتهى.

مجد

هناك 3 تعليقات:

  1. مجد,
    دايما كان بدي اقلك بس كنت خايفة..
    بحبك!

    ردحذف
  2. مجد إشتري لاكس عدين من الصيدليه...عشان الإمساك المعوي :D

    ردحذف
  3. عندي شعور قوي انها بتشبهك هاي ديمة..كانك عم تحكي عن حالك :)

    ردحذف