القول الفصل

القول الفصل

الأحد، 9 فبراير، 2014

شباط أعطى، شباط أخذ





كلّ شيء يحدث في شباط، حين تنقلب المواسم. هذه حقيقةٌ علميّة ليس لي أن أخوض بها. هناك، ممن ينقلبون في المواسم، من هم أجدر مني بتدقيق المعطيات العلميّة. كلّ شيء في شباط وهذا هو الأمر الطبيعي، هكذا هي الأشياء في الدنيا. فلم العناد على أن يتغيّر شيء ما في هذا العام؟

يبدو شهر شباط الآن بالنسبة لي مثل سيّدٍ راشدٍ في شعره شيء من الشيب، يدخل إلى غرفة مراهقٍ ويقنعه في أن الحياة كذلك، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك، وأن علينا أن نستمر، لأن المستقبل أمامنا، وأن هذه سنّة الحياة، وسنّة الطبيعة، وشباط جزء لا يتجزّأ من الطبيعة. إن أسوأ القتلة هم من يقتلون ثم يطلبون من ابن القتيل أن يتوقّف عن الحزن ويدع السنة تواصل تسلسلها.

السنة تركيبة واحدة عجيبة. تبدأ في شباط باضطراب، ثم تُزهر حاملة كل جمال الكون الملوّن، ثم تصبح  الشمس صاخبة وتنفتح الأجساد ويأخذ البحر الناس إليه، تطير الليالي بسهرات حول طاولات مفتوحةً على السماء، وأغاني مفتوحة على السماء، ومزاجات مفتوحة على السماء، وفرحٌ صاخبٌ يوميّ يسحب النجوم كلّها إلى شارعنا الصغير. ذلك حتّى يُنهك الليل، تقل كثافته، أي تتسع مساحته وتندر فيه النشوات، ويمتد إلى جيب النهار. الشمس تغيب الآن عند السادسة، عند الخامسة، عند الرابعة، شيء ما بدأ يتهاوى، غصنٌ بدأت مفاصله تأنّ مثل مفاصل باب القبو في الكنيسة القبطيّة في القدس. برق. رعد. عاصفة. فيضان. وخلص. أهلاً يا شباط، أهلاً بك من جديد، هات السنة الجديدة، هات.

إن مرور السنوات هذا ليس لعبةً، ولا هو شأن يُحتفى به، إنه جريمة تموت فيها أشياء كثيرة، تُقتل فيها أشياء كثيرة. ذلك طبعًا غير أنه تأكل وتأكل وتأكل منك إلى أن تُنهكك، لكنها اللعبة يا فتى وكان عليك أن تلعبها.

هل رأيت؟ ألم أقل لك؟
حاولت أن تهرب منها، حاولت أن تحاربها فما الذي حلّ بك؟ ما حلّ في كلّ من تمرّد على الطبيعة: احتباس حراريّ. صارت يا صديق سنواتك كلها خريف واحد مستمر، يوم ربيعي، شهرين شتاء، أسبوع صيف قاتلٍ، أربعين خريف.

وأنت تصارع نفسك وتغرق في ذوبان الأقطاب، يا صديقي الكوكب، هناك كواكب أخرى لم تنجرّ إلى جنونك، وهي الآن تبدّل، من حُبٍّ إلى حُبٍّ، تعود إلى مسارها، أنت تعرف، طبعًا، أن النجوم والأقمار والكواكب لها مساراتٍ ثابتة، فإلى أي تحاول الهرب؟ إنك يا صديقي لا تستطيع أن تكسر المسار، والحصيلة أن تدمّر نفسك وأنت تحاول الهرب. اسأل من يعرفون بشؤون العلم والمعطيات الدقيقة، سيرشدونك إلى المسار الصحيح، إنهم يعرفون الطريق جيدًا، وقد سبقوك إليها. إننا في شباط، هل نسيت؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق