القول الفصل

القول الفصل

السبت، 8 فبراير، 2014

لعبة



أشعر أن العالم اليوم كبير جدًا، أنه واسع جدًا
أشعر أن العالم اليوم فيه من الكلام الممتع والمثير ما يمتص بحور العالم كلّها.

أشعر أن هناك الكثير من النكت، الكثير من علاقات الحب، الكثير من الأشخاص الذي يحبّون كلابهم، هناك الكثير من المارخوانا بحوزة الجميع، هناك عشرات الناس الذين يلتقون أصدقاء قدامى، وهناك مئات الصداقات الجديدة. العالم اليوم، واسعٌ جدًا، حتّى أن النباتيين اليوم ودودين جدًا ويسألون آكلي اللحوم أي البهارات أفضل للكباب.

الناس اليوم، يتعلّمون مواضيع غريبة عجيبة، الآن أمامي واحدة تتعلم اللغة الصينيّة، وآخر يبحث علوم الأعصاب، وواحد يتعلّم هندسة الخشب وواحد، والله العظيم، يكتب بحثًا بيلوجيّ عن إمكانيّة أن يعطس الإنسان أثناء الأورجازما! وآخر مُسنّ ترك برلين وأتى هنا يُعلم الرقص، وهناك طالبة أرجنتينيّة تتحدث إلى حبيبها عبر سكايب وتضحك وتضحك. 

أشعر أن العالم اليوم فيه الكثير من الشمس، أبيض كل شيء، والقليل من الغيوم، أشعر أن أحدًا لم يكن يحتاج في هذا الصباح ليتناول الفيتامينات التي يتناولها يوميًا أشعر. أن هذا العالم يتّسع لطالبة تصميم أزياء من جتّ المثلث.

أشعر أن الناس اليوم، يريدون تجربة أشياء جديدة، هناك مُسنّة روسيّة تستفسر من النادل عن مُربّى الزنجبيل، الآن الآن، كلّي ثقة أن مئات الآلاف في هذا العالم يحمّلون أفلام جميلة ليشاهدونها الليلة، هؤلاء غير مئات الآلاف الذي سيخرجون لقضاء سهرةٍ هادئة أو صاخبة. أعرف أن مئات الآلاف الآن يحمّلون أفلام للارس فون درير وإينغمار بيرغمان ويوسف شاهين، ولا ضير أيضًا إن شاهدوا ترانتينو.

 أنا متأكد من أن صباح هذا اليوم، السبت، أتى إلى العالم بأطفال جُدد، أشعر أن هذا العالم، واسع جدًا حتّى أنه يتّسع لكل هذا الفرح بولادة الأطفال، إنه واسع جدًا. وأنا متأكد من أن هذا شروق اليوم جلب معه إلى العالم عشرات النّساء اللواتي فقدن عذريّتهن على حدود الفجر، أهلاً أهلاً، والعالم، واسع جدًا ليحتوي كل اضطراباتهن، وليحتوي كلّ حريّتهن الجديدة، العالم واسع جدًا ليحتوي، ليحتوي
كل 
هذا

الحُبّ



العالم اليوم واسع إلى حدٍ لا تستوعبه حتّى الشمس. يا الله الشمس ما أجملها. وفي العالم قطارات وسيّارات وبواخر وسفن فضائيّة وملايين الكوابل التي تنقل الكهرباء والمعلومات وصور الطالبة الارجنتينيّة لحبيبها، وفيه أيضًا دراجات هوائيّة، يا الله ما أخف الدراجات الهوائيّة، والفساتين فوق الدراجات الهوائيّة، والقهقهة عاليًا، وكل كل شيء. أنظر، جرّب، عن جد عزيزي القارئ قُل بصوتٍ عالٍ: ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها ها.. خمسة عشر مرّة، جرّب، جرّبي بصوت عال وأنظري حولك إلى هذا العالم اليوم.

العالم اليوم، واسعٌ جدًا، جدًا جدًا جدًا جدًا جدًا جدًا، خمسة عشر جدًا.. مليون جدًا. 

العالم اليوم مفتوح، ربيعيّ جميل، العالم مُشمس اليوم، وفيه من الفرح ما يفيض حدوده، حدوده الطويلة المحيطة به، وهو واسع، جدًا جدًا جدًا.

إلا...
إلا، إلا أنه لا يتّسع لحشرة سوداء.

لحشرة سوداء صغيرة تشعر الآن أن
لغتها
بخيلة
حشرة تشعر أن لغتها الآن شتويّة مغلقة. تشعر أن لغتها أصغر من ذرّة الملح. حشرة تشعر أنها خرساء، أن كل شغلها في الحياة أن تنتظر حذاء يطحنها. هل يتّسع العالم لصرصار يختنق بقيء نفسه.

العالم اليوم، على كلّ اتساعه، ينكمش وينكمش حتى يصير كتلة صغيرة كثيفة عالقة في حلق صرصارٍ أسود لا يستطيع الطيران. الصرصار يفنى، وتبقى الغصّة في الحلق والقلب، تبقى الغصّة، عالمٌ بأسره، واسع وفيه متسع لكل شيء، كل شيء إلا أنت.

إن هذا العالم الكبير الكبير يجلس الآن مثل الصخرة على صدري، يخنق، ويثقل الأنفاس، هذا العالم الواسع ليس فيه مساحة لصرصارٍ صغير، لكن العالم الكبير الكبير، لم يكتف بطرد الصرصار بل أصر، على أن يطحنه تحت بُسطار. هذه إذن، مشكلة الصرصار، أن اختار أن يواصل محاولات التنفّس.

ألف مرّة قلت لك، يا رب حين تنتهي من اللعب في هذه اللعبة، أعد القطع إلى علبتها، لئلا تختلط يا رب ألعابك في بعضها البعض. أرجوك يا رب، أرجوك يا الله، إن أبشع ميتة يمكن أن يموتها طفل عمره سنتين، هي أن يختنق بقطعة ليجو.
*

- شكرًا لك يا الله
- لا شكر على واجب يا إبني

*

أمامي الآن، يا الله، طفل عمره سنتين، ممدد وفي حلقه قطعة من لعبة. ألعابك متعبة يا رجل، خلص، بكفّي، وحياة ربّك، يا الله.


هناك تعليق واحد: