القول الفصل

القول الفصل

الجمعة، 13 أغسطس، 2010

وداع الوطّار !






"قال الشيخ، ثم أمر بتنفيذ العملية أمامه.
طُرح الفرنسي الأول، فظل يتساءل: هل يمكن اتخاذ موقف عدائي من هذه الحركة، إلا أنه قبل أن يقرَّر أن الشيخ وكل الشيوخ في القاهرة شيء، وان الحركة شيء آخر، كان السكِّين قد حزّعنقه.

طرح الفرنسي الثاني، فراح يقرر، أنه كان من واجب اللجنة أن تتخذ موقفًا تاكتيكيًا وأن تنافق حتى تجد مخرجًا.

لقد اقترحت البارحة ذلك، فردّ عليّ القبطان الأسباني بأن التاكتيك لا يكون على حساب المبدأ.

قطع السكين عنقه، وتطاير دم غزير هنا وهناك، فارتفعت عقيرة القبطان الأسباني ليتبعه زيدان والاثنان الآخران:

"انهضوا معّذبي الأرض
هبّوا أيها المحكوم عليكم بالجوع
فالح ق يدمدم في فوهات براكينه
أنها حمم النهاية..."

وعند ترديد هذا المقطع تبادر إلى ذهن زيدان مقطع آخر فأغمض عينيه، وهو يتذكره:
“ لا منقذ سام
لا المولى لا القيصر أو إمام... “

- ماذا يفعلون؟ ماذا يفعلون؟
تساءل الشيخ في ثورة، ثم أمر بالإسراع. هوى الأسباني وهو يودُّ ترديد مقطع: “ إِنها المعركة الفاصلة الأخيرة... “

ولحقه الفرنسي المزارع، الذي رسم إِشارة الصليب، ثم بصق.

ولحقه الرابع هاتفًا:
- تسقط الإمبريالية. يسقط الاستعمار. تسقط الرجعية.

وحلَّ دور زيدان.

- أعطيك فرصة أخيرة يا زيدان. بعض كلمات تقولها، وهذا كل ما في الأمر.

قالها بتأثر، وصوَر انتخابات 1947 تتراءى له، وفكَّر، إِنه جزائري، أخي على كل حال،
ومهما كان الأمر.

حدَّق فيه زيدان جيدًا، وقد غيَّر موقف الموت الدموي المرعب، لونه، وبسرعة، فكَّر في قائد الوحدة الثانية، الفنان السفاح الذي ذبح في ليلة واحدة سبعة أنفس، وفكَّر في سوزان، وفي موسكو، وفي الحرب العالمية الثانية، وفي انقلاب مصر وما أتى به، وفي اللاز، ومريانة، وحمو، وبعطوش الذي ظلَّ طيلة الفجر، يفكِّر فيه، ويتساءل عما إذا كان ممكنًا أن تكون هناك خيانة مطلقة، أو تردٍ نهائي.

أخيرًا، تراءت له السبخة، والأملاح، والأعشاب، والبراعم، ثم الوليد الذي يلعق كل ذلك،

وحاول أن ينطق:
- ليس لي اتخاذ أي موقف شخصي في مسائل تعود إلى الحزب، يجب أن تعلم هذا عن
الشيوعي يا الشيخ.

لكن الكلمات هربت من بين شفتيه، ظلَّ يحدق في الفراغ، قبل أن يغمض عينيه، ويغيب عن
كل ما حوله، ويسقط على وجهه.

- ألحِقوه بالكّفار.

دمدم الشيخ، ثم رفع يده صائحًا:
- انتظروا.

فكر هنيهة، ثم أمر:
- هاتوا ابنه، يجب أن يتعوّد حمل الأعباء الكبيرة منذ الآن. إِن تجنَّد بإخلاص، فسيزيده هذا إِيمانًا وعزيمة.

ظلّ اللاز لحظات يقف مشدوهًا لا يصدِّق عينيه، وعندما انفجرت الدماء من قفا أبيه، صاح فيرعب:
- ما يبقى في الوادي غير حجاره.

ثم ارتخت كل عضلاته، ودارت به الأرض، ومدّ يديه يحاول التشبَث بشيء ما، ثم هوى."

من رواية "اللاز"



الطاهر وطّار...وداعًا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق