القول الفصل

القول الفصل

الأربعاء، 13 يونيو، 2012

الخلاف السياسي في الغلاف الصحافي...

تعليق على قراءة



من الصفحة الأولى للعد 774، من صحيفة فصل المقال


 
رأت صحيفة "فصل المقال" أن يتصدّر الصفحة الأولى للعدد 774، الصادر يوم الثامن من حزيران 2012، العنوان الآتي:



"الثورة المصريّة تستعيد زخمها: "العزل" لتحقيق العدل" وينسجم العنوان انسجامًا سياسيًا تامًا مع الصورة كبيرة الحجم التي اختارتها الصحيفة واجهةً لها: حمدين صبّاحي في مركز الصورة مرفوعًا على أكتاف رجل مطأطأ الرأس، حوله جماهير غفيرة (من الذكور فقط) ترفع أذرعها وعيونها (وكاميراتها) عاليًا نحو "القائد" الذي يرفع، بدوره، يديه داعيًا للسماء؛ العلاقات والرموز في هذا المشهد أوضح من عين الشمس، لا حاجة للتعمق في تفسيرها.

هل يعكس العنوان والصورة قراءة الصحيفة والقائمين عليها للواقع السياسي في مصر؟ عنوانٌ يتجاهل حدث عيني مباشر- محاكمة مبارك، فجّر سلسلة طويلة من براميل البارود المتراكمة منذ سيطرة المجلس العسكري على الحكم؛ أي أن حدث محكمة مبارك كثّف مجموعة من ظواهر الثورة المضادة التي دفعت بالجماهير للعودة إلى الشوارع، لكن الصحيفة قررت أن تهمّش كل هذا: تهمّش مطالب تطهير القضاء، الحديث الجدّي عن تشكيل مجلس رئاسي انتقالي تشارك فيه كل القوى السياسية، وأن تركّز على قانون العزل، أيّ عزل أحمد شفيق من السباق الرئاسي، ودخول حمدين صبّاحي الجولة الثانية مكانه- هكذا "تحقق" الثورة ذاتها، حسبما ترى الصحيفة، هكذا "يتحقق العدل"...

إن الثورة المصرية، أيها الأصدقاء في "فصل المقال" لا تحقق أهدافها بانتخاب حمدين صبّاحي.

لا يعقل أن نقبل هذه الصورة في خضم ثورةٍ تقوم على انتزاع الشرعية من الفرد\الطاغية وإعادتها إلى الأفراد\المواطنين، ثورة تُعيد إلى الإنسان ثقته بعقله وقدرته على تغيير الواقع بنزوله هو إلى الشارع، ثورة في مركزها الإنسان\المواطن وليس القائد.


الطلقة الأولى للثورة- في تونس- فتحت باب تفكيك وتركيب كل علاقات القوة في المجتمع، فهل نُشارك في إعادة تفكيكها وتركيبها بشكلٍ نُعيد فيها "قائدًا" إلى المركز؟ إن المشاكل في مرحلة عبد الناصر لم تكن كما يتحدث عنها حمدين صبّاحي -إدارية بالأساس وسياسية- بل هي بالأساس في إعادة القوة للمركز الذي يجسّده فرد، وهي مشكلة وعي، قبل أن تكون مشكلة إدارة، وهذه مشكلة علينا أن نواجهها، لا أن نقع فيها مرة أخرى مثلما يفعل الأصدقاء المتحمسين حماسة عمياء لحمدين صبّاحي.


وبالحقيقة، أميل للاعتقاد في أن هذا الخطأ الذي نقع به مرارًا، والخطأ الذي وقعت فيه فصل المقال باختيارها العنوان –على سبيل المثال لا الحصر- إنما يعود إلى أدبيات الحركة القومية ومشكلة تسطيحها الخادع لمفهوم النهضة عن طريق المقاربة المتبعة بين النهضة الأوروبيّة و"النهضة" العربيّة في عهد عبد الناصر، حيث تستبدل الكنيسة بالاستعمار، ونوازن بين دول العسكر العربية وبين الدولة القومية الأوروبيّة، دون مراعاة الفروق ودون مراعاة سيرورة التاريخ ومراحل نضوج النهضة والدولة. وهذا شأن يجدر نقاشه مطولًا...


صورة حمدين صباحي -رغم الاتفاق على تاريخ وانجازاته- هذه تعيد الإنسان إلى أزمنة غابرة لا نريد العودة إليها، تستحضر أحداث مباشرة الكارثية في أوروبا، ولكنها تستحضر أيضًا أحداث عربيّة نشهد اليوم على كارثيّتها- في سوريا مثلا..


وهذا السياق يدعو إلى انتقاد آخر يوجّه للصحيفة، ولا يمكن تجاهله؛ فـ"فصل المقال" لم تجد في الأسبوع السابق مكانًا على صفحتها الأولى لذكر حدث كارثي وتاريخي بحجم مجزرة الحولة في سوريا، ونشرت خبر المجزرة في الصفحة الـ 18!!!



من بين هاذين الانتقادين يظهر علم الثورة السورية في صورة حمدين صبّاحي ليثير تساؤلات حول عملية البناء المهني للمقولة السياسية؛ على أمل أن يفتح نقاشًا يتبلور على محورين متعامدين- الأوّل: الخلاف حول القراءة السياسية، والثاني:الاختلاف حول مسؤوليات المحرر ودوره في تشكيل وعينا كقرّاء عن طريق خلق الروابط المرئية والبلاغية التي تحدد منطق فهم الأحداث وقراءة الواقع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق