القول الفصل

القول الفصل

السبت، 24 سبتمبر، 2011

كأنّ الأمر قد انتهى…


كأنّ الأمر قد انتهى. كان الأمر مثل إبرة تخترق الجسد، تنفث محتواها وتخرج. كان الأمر سهلاً، إنهم يعلنون دولةً، كان الأمر بسيطاً، وانتهى. تقدمنا بطلب لتحقيق أحلامنا، هكذا، ببساطة، تقدم طلب لتحقيق أحلامنا في الأمم المتحدة، والناس هناك، في فلسطين التي أُعلنت، يصفقون أمام الشاشة الكبيرة. من الجميل أن نرى الفلسطينيين يحققون أحلامهم، ليتني كنت فلسطينياً أيضاً.
كأن الأمر قد انتهى، نحن الذين أنهيناه. انقطع البث من قاعة الأمم المتحدة وأنا لا أريد أن أعرف ما الذي يحدث هناك بعد انقطاع البث، أنا لا يهمني الآن أن يبقى التلفزيون مفتوحاً أم يُغلق، لماذا أقلق؟ لماذا أسمع الأخبار؟ لقد انتهى كل شيء، صار هنالك دولة فلسطين، وقدّم رئيسها، بصفته “رئيس دولة فلسطين” طلب للاعتراف بها، لقد صارت فلسطين دولة، هكذا، خلال شهر دبلوماسي مكثف، واعترف العالم تصفيقاً، بأننا نستحقها، انسوا الفيتو الأمريكي، ليس هنالك فيتو في التصفيق، لقد اعترف العالم بنا تصفيقا، وهذا ما يهم في الأمر، أن العالم عرف واعترف أن الأمر قد انتهى.
كأنّ الأمر قد انتهى، هذا العلم القبيح المقرف الملوّن بألوان داكنة ثقيلة، صار علم آخر بين أعلام الدولة، علم دولة هي ليست لي. كان الزمن المنصرم زمانًا عشت فيه لأجل شيء ما، وها هو الآن انتهى على الشاشة، لقد سرد رئيس الدولة تاريخنا، وتنازل عمّا يريد منه، وطالب بما يريد، وأنا أمام الشاشة أمضغ كل شيء كان لي وكوّنني في هذا الوطن الحلم، ثم أضعه في مؤخرتي. هل تحلمون بفلسطين؟ ضعوا الأحلام في مؤخراتكم!
لقد ذهب الجميع مع رئيس الدولة إلى نيويورك، الجميع على الإطلاق. ذهبت الجبهة الشعبية التي أضاءت أحلام الشباب الماركسية، وذهبت حماس التي بقينا نتمسك بها كما تبقى من مقاومة مسلحة. ذهبوا الجميع إلى هناك، ذهبوا الجميع إلى النهاية. وذهب الحزب الذي فيه كبرت، وذهب معه رفاقي الذين ماتوا وهم يلهثون وراء قيادة قوّادين يتاجرون بمؤخراتهم.
ما المنطق يا شهداء أكتوبر، مثلاً، من إحياء ذكراكم، بوسعكم أنت تموتوا الآن، فقد تمّت المهمة. ما المنطق يا ابن عين الحلوة؟ اذهب وادفن جدّك أو أباك، وهم أحياء، كل شيء قد انتهى، فجد لك مكانًا في البلاد، لا مكان تعود إليه.
عارنا، نحن، أننا نبحث عن “حقٍ كامل”، يا رئيس الدولة. وعارنا أننا لا زلنا نميّز بين السياسة والتجارة. عارنا أننا لا زلنا نستطيع نفكّر ونحلم في الوقت ذاته. عارنا أننا نطرح دائماً السؤال: “ما الذي كان سيقوله ناجي العلي عن هذا؟” لكنّ ناجي العلي مات. ونحن أيضاً، علينا أن نموت، فإن كل شيء قد انتهى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق