القول الفصل

القول الفصل

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

خبئيني أتى.. السفر

غداً، الخميس، صباحاً- سأطير إلى فرنسا. أعرف أنني إن قلت أني سأطير إلى "باريس" أو إلى "مارسيليا" سأبدو أكثر تمكناً من السفر، إنني من ركّاب المدن. وأنا، لست كذلك.


الليلة قبل الأخيرة التي أنامها في البيت، للتوضيح فقط، سأغيب لأسبوعين لا أكثر، لكني خائف. هل أنا جبان إلى هذا الحدّ؟ أنا لا أخاف من الطائرات، ولا من العلو، ولا ترهبني فكرة أن تسقط أو تتفجر الطائرة بي.


لكني أخاف أن أبتعد. أنا أخاف من المدن الكبيرة. هناك شيء ما متعب في هذه المدن، هنالك تاريخ وأساطير وحروب وثورات وتحوّلات تاريخية، إنها مدن لها مكان في التاريخ الذي يتعلمه أطفال المدارس، لا الذي يبحث فيه المؤرخين المملين الذين لا يجدون أطروحة للدكتوراة غير تاريخ سخيف لبلدات أسخف.


أنا لا أستطيع أن أبتعد عن حيفا، أسكن في القدس ولا أسكن، أتعلم ما استطعت ثم أهرب قبل أن أموت حزناً بثوانٍ قليلة، إلى حيفا. كل شيء هنا أبسط، رواق، نحن لا نحاول أن نجعل من مدينتنا شيئاً، نحن لا نريد أن ندّعي أنها كانت هذا وذاك، نحن نريد فقط أن تتركونا بهدوئنا، أن تتركونا على رواق، لا نستعجل لشرب القهوة قبل الصودا.


نحن هنا أبرياء، نحن نحطّم دون قصد، ونكذب دون نيّة سيئة، ونخون دون سبق الإصرار والترصد. نحن ننم على بعضنا حين نملّ فقط، ونتحرش جنسياً لأننا لا نودّ إمضاء الليلة وحدنا في السرير، نحن، في حيفا، نخاف من العتمة. الماكرون في حيفا أغبياء، والأغنياء في حيفا ملطّات. الصيادون في حيفا لا يصيدون أكثر مما يحتاجون، نحن لا نطمع بشيء كغيرنا. هذه البلد المسالمة التي تستطيع أن ترتاح فيها بعد كل معركة تلعن فيها طعريس أخت أحسن رأس في البلد، حيفا تتقبل العداوة برحابة صدر، نحن، نحب أعداءنا، لأنهم أعداءنا، ونحبهم أن يبقوا أعداءنا دون الحاجة للدم اليومي، ولا للنفاق اليومي، ولا للتنازلات التاريخية، نحن أعداء ونعرف، لماذا لنا أن نشغل أنفسنا بتفاصيل هذه العداوة؟ كأننا نستطيع أن نغيّر فيها شيئاً. نحن واليهود في حيفا، نعرف أننا في يوم الحسم، نحن نحن، وهم هم، وواحد منّا سينتصر على الآخر، ولكن لماذا الاستعجال؟ فلنشرب الجعة في بارات اليهود في الكرمل، ونخرج دون أن ندفع الحساب.


أنا لا أستطيع ترك حيفا، هذا التنازل تاريخي، لا حاجة للجعجعة الفارغة في ذهنك، عزيزي القارئ، ليس للأمر علاقة بالنكبة، ولا بالبقاء في الوطن. لست حيفاوياً أصلا، أنا من البروة، ولا يهمني (ما دام يوم الحسم لم يأتِ) أن أخرج من سلوان، هؤلاء الذين يقاتلون الاستيطان في سلوان ولا يقاتلون ضده في عسقلان هم أعداءنا الذين فعلاً، بودي أن أرميهم في البحر.


انا لا أستطيع أن أترك حيفا لأني بحاجة لمكانٍ ما، واحد، في هذا العالم، أمارس في مودّتي للخلق. أنا لا أحب الشتائم، ولا أحب الهجوم، ولكني لا أستطيع أن أمتلك نفسي في كل مكان خارج هذا المكان.


أنا لا أريد أن أبتعد عن الخصر الذي أولد منه في كل لقاء، أنا لا أريد أن أبتعد عن همس الصباحات اللذيذة. عن الانفجار المرن، عن حبٍ يعرف الطرق في حيفا مثلما يعرفها إليّ؛ نحن نذهب في هذه المدينة، ولا نعود أبداً.


أنا لا أريد أن أترك حيفا لأني أخاف، على نكتة عابرة في ليلة الخميس، على صبية كان يمكن أن تُحرجني أمام الأصدقاء. أنا أخاف على عرس صديقتي التي لا أصدق انها فعلاً ستتجوز. أنا أخاف أن ينظم "الشباب" حفلة من دوني. أنا أخاف أن ينفجر شجار يهز الحي دون أن أقف عند النافذة وأضحك. أنا أخاف من أن يموت أحد الأصدقاء.. أو أحد الذين لا أعرفهم، دون أن أعرف أني لم أكن أعرفه من قبل.


أنا خائف، أنا لا استطيع الابتعاد عن حيفا كثيراً.
وأنا سعيد، لأنني خائف. أنا سعيد لأنني أعيد النشوة بقيمة الأشياء كلما شارفت على الابتعاد. وأنا سعيد لأنني أعرف كيف أبكي حيفا مبتسماً لملاقاة أحلامي الجميلة الصغيرة، في المدن الكبيرة.

هناك تعليقان (2):

  1. بقلّك بس دير بالك عحالك منيح، لانّا بنحبّك.وارجع لحيفا بسرعة عشنها أكيد رح تستنّاك

    ردحذف
  2. ولك الله ! :)
    تروح وترجع بالسلامة

    ردحذف