القول الفصل

القول الفصل

الثلاثاء، 20 أكتوبر، 2015

غيمة التاريخ






التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ بلا حدود، تحلّق خفيفة في الأزل. التاريخ غيمة دون أي شكلٍ فعليّ غير الذي يُمليه خيالنا؛ فقد تكون الغيمة أرنبًا لصًا، أو تكون عجوزًا شمطاء، قد يكون التاريخ أسدًا منزعجًا أو سيدة بفستانٍ متموّج - التاريخ ليس إلا فوضى كثّة لا تتهندم إلا في خيالنا. 

وشرط تخيّل التاريخ هو الابتعاد عنه. التاريخ بعيد بتعريفه ولا يمكن مشاهدته خلال المشي داخله. أقصد، إن نزل الغيم من سماء الأبد إلى الأرض الآنيّة، إلينا، لا يعود غيمًا إنما يصير ضبابًا يشوّش الرؤية التي تتخبّط بالأسئلة، بالخوف. يكون الهواء ثقيلًا حين تنزل إلينا غيمة التاريخ، يخنقنا مثل غيمة الغاز المسيّل للدموع. ونحن نمشي في داخله مثبّتين قدمًا واحدة بأرض الواقع، بينما نرفع الأخرى لتتقدّم في هواء المستقبل. واحدة في الواقع، وأخرى في الخيال - هكذا نسير، ويُصبح السير أصعب كلما اقتربت منّا غيمة التاريخ، صار الهواء أثقل، نحن نلهث، وأجسادنا زادت حاجتها للمقاومة من أجل أن نواصل السير، أما الغيمة فكلما ثقلت زاد سوادها، ثم تخبّطها، 
ثم رعبها برقًا مثل ضوء سيّارات الياسّام، ثم زمجرتها رعدًا مثل القنابل. ثم تُمطر. تُمطر وتصبح أرضنا وحلًا خائفًا يتوسّلنا البقاء في الأمر الواقع، ويُصبح السير أصعب ألف مرّة.

ثم تُزهر الأرض.

التاريخ غيمة عملاقة تطير في سماءٍ دون حدود، ونحن لا نعرف، حين ينزل إلينا التاريخ، أننا نسير في داخله. غيمة التاريخ هذه خريفيّة ثقيلة في أكتوبر، والشتاء يندهنا بعدوانيّته التي تفشل في كل مرة من جديد بأن تطمس السرّ الذي يعرفه جميع الناس: أن الأرض غدًا ستزهر. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق