القول الفصل

القول الفصل

الخميس، 9 سبتمبر، 2010

أنا متحرر، لكن أحب والدي.

مجد كيّال


ملاحظة أوّلية لتحديد السياق:

كم فكرة يحملها الناس بيرقًا مشرعًا في شبابهم. كلها تسقط حين نكبر ويوافينا الشيب... يصبح رأي الشباب بنظر الكبار "طيش" و "بُكرا بيكبروا وبيفهموا". لكني أعرف جيدًا، أن الموضوع ليس موضوع شباب يكبرون ويفهمون، بل أن الشباب يكبرون ويستسلمون متنصلين من ثوريتهم الشبابية الأصيلة، تلك التي تحمل فيها صدق الأطفال ومنطق الكبار في واحد. فكبروا، ولم يبق من الصدق شيئا.

لذا، هناك بعض ما يجب أن يكتبه الشباب، لئلا يتنصلوا من ذاتهم بعد سنوات. فالكاتب يستطيع التراجع عن الفكرة المكتوبة، لكن الفكرة لا تستطيع، إن كُتبت، التراجع عن نفسها. فالفكرة تبقى ثابتة خاضعة للنقاش وللإيمان وللرفض. على الشباب الآن، أن يكتبوا كل شيء، لينظروا الى نفسهم جيدًا في المرآة بعد سنوات، فثورتنا التي تلاحق كل شيء الآن، عليها، على الأقل، إن لم تستمر، أن تلاحقنا نحن بصدقها، مدى الحياة.

***


"...لذا، علينا أن نحسم، ودون هوادة، أنَّ تفكك الأسرة هو ضرورة جوهرية في أي توجه جدّي يطرح مسألة الحريّات. وأي تحرر إجتماعي –حتى لو كان يتخذ الصراع الاقتصادي أو السياسي قالبًا أومسلكًا مركزيًا- لا يضع في أفق عمله البعيد مثال تفكك الأسرة، إنما يبقى قشورًا تافهة تجمّل وجه مجتمعات معاقة، متآكلة ومتخلّفة. ففي جوهر "الأسرة" إعادة خلق الرجعية والتخلف الاجتماعيين.. فالأسرة، حلقة التملّك الأولى، والدائرة الأولى التي يُصنع فيها التبرير والتفهّم والتسامح مع التملّك المُستعبِد ومع هيمنة القوي التي تختبئ باشكال واشكال في عالمنا "الحُر"، بدلًا من توضيح الصراع وكشف الصدام.


إن الأسرة السعيدة، إن نعرّيها، هي محبّة وتفاهم ووئام، بين طرفين تربطهم علاقات انتهازية من الدرجة الأولى، يحاول أحد الأطراف التحرر منها، فتمنعه روح "المحبة" من صدام يصبو للتحرر. طرفان في اللعبة:


الأول، يعطينا الحياة دون أن نختار، ثم الطعام، ثم المأوى، ثم اللباس ثم التربية. الأول يستثمر فينا فنصبح نحن مشروعه، يحب مشروعه حبًا عظيمًا، يخاف عليه أكثر من كل شيء لأنه أكثر ما استثمر به. ثم ينجح مشروعه فيكبر ويفتخر به أمام الناس، لأن هذا المشروع الناجح فيه إستثماره وبه إدارته.


الثاني، نحن، المشروع. نحن اللذين ولدنا رغمًا عنّا، وأخذنا كل ما مُنحنا، محاكاةً لقوانين البقاء. نحب، نحترم، نخدم، نُكرم من أعطانا... وحين نستيقظ في صباح يومٍ ما، لنرفع رؤسنا إلى نافذة أعلى من تلك التي حملنا إليها الوالدين، ولنحيا في عالمٍ نحن نختاره، مخالفًا لذلك الذي وظبوه هم لنا... تكفي منهم علامة حزنٍ وعبوس لكي "نتذكر أفضالهم علينا..." فنطيع، فنحترم، ثم ننصاع، ثم نتجنب الصراع على حريّتنا، ثم نُهزم.


العلاقات العائلية هي النسخة الأولى لارتباط ولائنا وطاعتنا بسلطة أولائك الذين يملكون المال، اولائك الذين يملكون القدرة على العطاء، عطاء المادة التي تبعدنا عن خطر الزوال وتحفظ لنا البقاء، فنطوّر شعورًا نرد به الجَميل في الوقت الذي ليس لدينا أي وسيلة مادية أخرى نرد بها الأفضال التي أرغمونا هم، بولادتنا رغمًا عنّا، على احتياجها.


وهل ننسى أنهم هم ذاتهم، لهم آباء وأمهات وعليهم أن يكرمونهم باكرام تعاليمهم وتربيتهم والالتزام بها؟ وأن آباءهم وأمهاتهم لهم جذورهم أيضًا؟ كيف نتقدم أمام هذا التراجع الأبدي إلى الجذور؟ كيف نتقدم أما م هذا الثقب الأسود؟ "في المساحة الرمادية" يجيب المتفذلكون ذوو الإعتدال "العقلاني."


أما "المنطقة الرمادية" فهو الاسم الأكثر لطفًا لمساحة المناورة لتغيير نمط حياة معيّن في إطار الأصول الاجتماعية التي عليها تربّينا. هناك أسماء أكثر حدة وصراحة: مساحة التأويل في المحرم والمحلل، مساحة الإختباء ومساحة النفاق. التأويل في المحرمات والمحللات ليس تحررًا، بل رقص في حلبة العبودية. والتحرر خلف ستائر ليس تحررًا، فشرط التحرر الأول هو اعتراف الآخرين بحريتك. أن تمارس ما تشاء في الخفاء، بعيدًا عن عيون المجتمع خوفًا على شعور العائلة وحفاظًا على كرامة الأسرة، وأن تمارس الحرية بشكل جزئي، ويرتبط مدى حريتك بمدى بعدك عن عيون الناس، هو التلاعب المنافق في المنطقة الرمادية.


وتجدر الإشارة، إلى أن ذاك المقتنع بواجب طاعة عائلته وأسرته الكاملة، دون أن يخرج عن تعاليمها وعاداتها وتقاليدها، ولا يخرج عنها بل يبقى ثابتًا فيها واضعًا رأسه في الرمل، أصدق ألف مرة من مراوغي المساحات الرمادية، وممن ينظّر للتحرر دون أن يمارس الصدام. فالصدام، شئتم أم أبيتم، ضرورة أولى في تحرر الأفراد من مجتمعات تقمعهم، وفي كل تحرر آخر.


هناك من يدافع، ويقول أنه ليس الخوف من العائلة، بل المحبة والاحترام. أي ان يصبح وجه الاب الحزين واحد من الأدوات التي يجنّدها المالك للسيطرة على المملوك، إلى جانب الدين والخرافات وضغط الأغلبية العمياء. قد تكون المراوغة في المساحات الرمادية، كالإختباء في المدن الكبيرة هروبًا من وجه العائلة ثم التحدث عن الحرية من المجتمع، نوعًا ما مدخلًا للحرية الفردية. ولكن من يلتف عن الصدام، إن كان بالتنازل عن الحرية، أو بالكذب والاختباء وممارستها في الخفاء، غير جدير بالحرية والتحرر، والحرية التي يدّعيها إنما هي أرخص المداخل لأرخص الحريّات. وسرعان ما ستنجب جيلًا آخرًا، نمتلكه وينصاع خائفًا، فيهرب للمدن الكبيرة مختئبًا، ويعود إلينا في ليلة العيد محتشمًا خلوقًا، كما يليق بابن عائلة أن يكون، فإما أن تأخذنا الكذبة بعيدًا، فنصدّقه... وإما أن نعترف ونعرف بيننا وبين أنفسنا أن هذا الابن يراوغ في مساحاته الرمادية... ولكن... "فش حاجة الناس تِعرِف."..."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق