القول الفصل

القول الفصل

الجمعة، 8 أبريل 2011

جوليانو: المونودراما الأخيرة/ مجد كيّال





|مجد كيّال|

شمس الظهيرة لا تخترق قاعة المسرح أبدًا. في التحضير لمراسيم الجنازة، نستعجل للمساعدة في أداء أيّ عملٍ، مهما كان تافهًا؛ إنه العجز. فنحن نكفّر عن ذنبنا من المصيبة الكبرى بتحضير القهوة المُرّة؛ إنه العجز.
يشترك الممثل والمخرج والتقني والكاتب في التحضيرات، يهمّون بتنظيف خشبة المسرح بالطلاء الأسود، ثم ينضمّ إليهم المشاهد، أنا، فتجتمع أركان المسرح على خيبتها. أضغَط الفرشاة المستديرة على طرف الخشبة الأيمن، وأمشي معها نحو الطرف الأيسر، يمسح اللون الأسود أشياءً كثيرة. يمسح اللون الأسود الخشبة، والخشبة أشياء كثيرة:
كم مسمارًا لتثبيت الديكور أمسح بالأسود؟
كم جرحًا في الخشب من ضربة سكين أو كسر جرةٍ أمسح بالأسود؟
كم حذاء جندي وطبيب وكعب زانية وكفة قدم أرملة أمسح بالأسود؟
كم قصة ولدت وانتهت لتحكي أحلام الممنوعين من الكلام أمسح في ضربة الفرشاة السوداء الواحدة؟
كم كذبة طعنت الناس بالحقيقة أمسح في ضربة الفرشاة السوداء؟
كم وهمًا ثائرًا في وجه الحقيقة الخانعة أمسح في ضربة سوداء؟
كم مسرحًا مَسَحَت هذه الضربة؟
الآن، صار المسرح جديدًا، مسحنا عنه كلّ شيءٍ، صار أسودَ خالصًا، مطلقا. صار المسرح الآن، جديدًا، وينتظر أمرًا جديدًا، مغايرًا، ينتظر تابوت الفقيد، وأشياء أخرى كثيرة. هذا الموت، فتح صفحة جديدة.
“انتهينا من الإضاءة، بقي أن نحضر الورد الذي سيحيط النعش، ثم نخبر الشباب المنظمين أين مكان كلّ واحد منهم. لا نريد أية فوضى في القاعة. يدخل الناس، يودّعونه، إما أن يجلسوا في القاعة أو يخرجوا من الباب الآخر. هكذا نكون مستعدّين ليوم الغد”- قال الممثل.
إنه درس المخيم: أن تصنع المسرح بكامل حذافيره، مهنيته، احترافه، في الوقت الذي يطرق فيه الموت باب بيتك، فتقول له: “انتظر حتى ننتهي من المراجعات.”
أقف عند الباب الجانبي للقاعة، لأدلّ المودّعين على طريق الخروج من القاعة. معظمهم يبقى جالسًا في القاعة بعد إلقاء نظرة الوداع، صامتًا، مكسورًا. طريق الخروج الجانبي هو ذاته الطريق العامّ المؤدّي من محطة الميترو إلى مبنى المجمع الذي فيه المسرح.
من أول الطريق تسمع صوت العجوز الأشكنازية تجرّ قدمها وراءها وتلهث عاليًا. عندما وصلت منتصف الطريق، عند باب المسرح الجانبي،  وقفت لتستريح، وتلقي نظرة إلى ما يجري في قاعة المسرح: خشبة غير مُضاءة، وسطها تابوت واحد مضاء من زواياه الأربع، مقابل كل زاوية يقف ممثل جامعًا أصابعه العشر مطأطئًا رأسه وعليه يُسلط ضوء واحد، في الديكور صورة عملاقة لرجلٍ يبدو أنه عارض محترف، أما الموسيقى فكلاسيكية خافتة. الجمهور يجلس صامتًا، متأثرًا بالأحداث والحبكة. يتعاطف كاملًا مع البطل.
“المسرح.. المسرح.. آه على أيام المسرح وبرلين.. برلين برلين.. البارات، مارلين ديتريش، حفلات الجنس، الرحلة اليومية عبر شارع شتراسة والمسرح.. المسرح المسرح.. كان مسرحنا هو الأجمل…”- فكّرت العجوز في نفسها.
تتذكر العجوز، ثم تصفعها ذكريات معسكر “تريبلينكا” والحضيض المُرّ الذي تعيشه منذ وصلت حيفا. تنظر العجوز إلى المسرحية؛ هي لا تعرف أنّ بطل المسرحية مثلها، قبل أن يدخل إلى دوره في التابوت بسنوات، وبعد أن هربت هي من ألمانيا بسنوات، كان قد وضع على صدره شارة النازية الصفراء، في المظاهرة الاحتجاجية ضد مجزرة مخيم جنين.
تنظر العجوز طويلًا وتنتقل بين المشهد الذي أمامها وذكريات برلين: لا يمكن لهؤلاء العرب أن يكونوا بهذا الإتقان، لا يمكن لهؤلاء الرعاع أن يكونوا مسرحيين بهذا الشكل. ثم سألتني بصوت خافت: “هل هذا حقيقي؟”
“هل هذا حقيقي؟” يا للسّؤال وإمكانياته. هل حقيقيّ أنّ المسرح يمكنه أن يكون محبوكًا، مُحكمًا مثيرًا إلى هذا الحدّ؟
وهل يمكن أن تكون الحقيقة درامية إلى هذا الحدّ؟ هل حقيقيّ أنّ الأمور بوسعها أن تختلط إلى هذا الحدّ من الجنون؟ أن يصبح الممثل والمخرج هو الحدث والحدث يصبح ساكنًا والحركة تصير جمهورًا. هل حقيقيّ أنّ هذا الرجل، بعظمته على الخشبة وبساطته في زاوية البار، غابَ؟
قصة ولادته، ثم لماذا تجنّد للاحتلال، ثم كيف عاد إلى صف القضية، ثم ما أنجز، ثم انقلابه، ثم ما دار في المخيم، ثم عودته للمخيم بعد المجزرة، ثم عودته للمخيم ليبني المسرح، ثم ما اجترحه هو، بالناس للناس عبر المسرح، من معجزات. لا يمكن لأيّ كاتبٍ أو مخرجٍ أن يخلقها. هذه القصة، لا يستطيع أيٌ من الكتبة أن يرتقي إلى حدّها. مثل هذه المسرحية، لا يمكن أن ينجزها أيّ واحدٍ منّا- إلا جوليانو. هذه المسرحية أنجزها واحد منّا، هو جوليانو.
نسأل عن القاتل، إنما دون علاقة للانتقام، دون علاقة برغبة تصعيد. التصعيد المنتقم لا علاقة له بهوية القاتل ودوافعه، إنما بضرورة استمرار الرسالة. فالانتقام الآن انتقام ممن يخلق فنًا لا يصفع الضمير. الانتقام من مسرح لا يعرّي الناس ويخنقهم حتى يستفرغون ما فيهم من قرف. الانتقام من أدب لا يدوس وجه الواقع.
لقد مسح جوليانو المسرحَ بالأسود، مسحَ عن المسرح خطايا الماضي. فتح له صفحةً جديدة لا قيمة فيها إلا للفنّ الذي يرهن له المؤلف دمه. فإن لم يوجّه قتلة الأجساد والأنفس نيرانهم صوبنا، يبدو أننا لم نزعجهم بعد.
لقد مسح جوليانو المسرح بالأسود، مسح عن المسرح خطايا الماضي. فتح له صفحةً جديدة فيها الحقيقة ذاتها قمة في الدراما، ولا قيمة لنا إن لم نستطع تكثيف الحقيقة، والتفوّق عليها، بالدراما.
لقد مسح جوليانو المسرح بالأسود، مسح عن المسرح خطايا الماضي. صفحة جديدة فيها الوقوف في هذا التحدّي، شرط أن يُشفع لنا، والتكفير عن المصيبة الكبرى بأكثر من قهوة مرّة، فنحن لسنا عاجزين.
“تويست” قال الكاتب حين علّمنا كيف تُصنع الدراما. “نحتاج هنا إلى تويست”- قال. نحتاج حدثًا غير متوقع يقلب الأحداث رأسًا على عقب؛ أن يُقتل جوليانو بأيدٍ فلسطينية. هنيئًا لمدارس المسرح بهذا الـ “تويست” المُطلق.
عندما نزل عن خشبة المسرح، صفّق الجمهور تصفيقًا حارًا.
(حيفا)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق