القول الفصل

القول الفصل

الخميس، 10 يناير 2013

المؤامرة

    الرسالة السادسة إلى ويليام



كيف أبقى فتيًا وجميلاً -  لاسلو موهولي-ناجي (1926)



لا عزيزي ولا بلّوط، هل تآمرت معها عليّ يا ويليام، مش عيب؟

لقد أرادت ونوَت وخططت للتخلص مني منذ البداية، منذ ذلك اليوم الثقيل الملعون حين تعرّت في الغرفة وقذفت أوراقها تلك أمامي. قالت: "لن أعود إلى سريرك إلا حين تنجزها"، وخرجت.. لقد قالت ذلك بصوتها، نعم، كان لها في تلك الأيام صوتًا رقيقًا متحديًا فيه شيء من الحفيف. لقد كنت صغير السنّ يا ويليام تحوم بدراجتك الهوائية حول المسرح الجوّال في القرية، هل يمكن أن تكون في ذلك السنّ الصغير قد اطلعت على نواياها واشتركت بهذه الجريمة الحقيرة؟ هل هذا ما أستحقه يا ويليام عقابًا على ذنب حبّي الكبير؟ 

لعلها خدعتك يا ويليام؟ لعلها لم تخبرك الحقيقة حول ما كتبته؟ في تلك الأيّام يا ويليام لم تكن قد تعلّمت القراءة ولا الكتابة. أكاد أنسى، هل تعرف القراءة الآن؟ ها؟ أعرف أنك تعرف الكتابة، فقد تركت وصيّتك مخطوطة، وها أنا الآن أكتب بلغة نصوصك، لكني أسأل عن القراءة. أعرف أن سؤالي يبدو لك غريبًا، لكنك منذ رحلت يا ويليام ظهر في القرية أشخاص كثر يكتبون بإصرارٍ يوميّ دون أن يعرفوا فك الحرف. 

كانت تعرف أن حبي العملاق لها سيدفع بي لإطاعة الأوامر المنصوصة في الورق الذي عكفت على كتابته منذ أيام، منذ وصل المسرح إلى القرية، فقررت أن تقتلني بهذه المهمة المستحيلة. كنت أعرف أنها تخبئ مودةً كبيرة للمسرح والتمثيل، لكني كنت أتجنب الحديث بهذا الشأن (في الأيام القديمة، حين كنّا نتحدث)، فقد كنت في ذلك الوقت مشغولاً بالحفاظ على بنية جسدي، وكل ما كنت أعرفه عن المسرح هو مسرحية واحدة لعادل إمام شاهدتها في الخارج، قبل أن أعود إلى البلاد.

لكنّي قلت سأفعل لكي أستعيدها. في تلك الليلة بدأت أقرأ ما في الورق، لكني قبل أن أصل المشهد الذي يضع فيه البطل الكرسي الخشبي وسط المسرح، قطعني صوت تأوهاتها؛ كأن اللذة حين تولد من الألم في ساحة البيت تقبض على طرف شراشف الليل المعتمة وتدور فيه حول بيتنا البارد.

ثم سمعت باب غرفتك ينفتح، ثم باب البيت، ثم تملّص شرشف الليل من القبضة لثوانٍ قليلة تعرّى فيها بيتنا على حقيقته الباردة. 
ثم عاد الصوت يقطّع حياتي إربًا.. إربًا.. إربًا.

هل تآمرت معها يا ويليام؟ 
لقد كنت مستعدًا لأن أبيد الجليل وأهله من أجلها، فماذا أرادت أكثر من ذلك؟ ألا يكفي؟ ماذا تريد المرأة يا ويليام أكثر من رجلٍ يستطيع حمايتها؟

لست ممثلاً، لكنها راهنت على الشغف أن يتوكّل بقتلي. أنت تعيدني إلى الحياة من بدايتها، وهي تُنهي الحياة في كلّ لحظة. تلعبون بي، لا حيًا ولا ميتًا: إنها المؤامرة، لقد فهمتكم يا ويليام.

وتطلب منّي أن أكتب لكَ؟ كلب. 
لن تقرأ منّي حرفًا واحدًا بعد اليوم.

الثلاثاء، 8 يناير 2013

الانتقام

   الرسالة الخامسة إلى ويليام



كيزمير ماليفيتش


عزيزي ويليام،

حلمت الليلة بأننا كنّا على ظهر صقرٍ برأس أرنب يحلّق فوق حارتنا.
كانت السماء مرتبة كأنها تجهّز نفسها للانتقال إلى أرضٍ جديدة، الغيوم مطويّة وملفوفة بالسيلوفان، والنجوم في صناديق كرتونيّة مغلقة، أما الشمس فقد كانت ملقاة فوق أكوام الصناديق ورزم السحاب، كان الحمّالين من الملائكة يمسحون عرقهم بأجنحتهم المسودّة وهم ينجزون الشغل.

حين حلّ ما حلّ، رأيتك تضع الأوراق بيدي وتدفعني عن ظهر الصقر لأسقط نحو بيتنا المظلم. لولا أوراقك التي حوّلتها مظلّة، لما بقيت على "قيد الحياة"، لولا الرسائل لتشظّى جسدي في ساحة البيت، لولاها لما كُنت. 

هكذا اعطتني الرسائل عمري الجديد. 
إن هذه الرسائل يا ويليام هي كلّ شيء: حين أحيتني، كنت طفلاً أكتب لكَ بشغف وشغب، دون أن أعرف أي شيء، دون أن أنوي أي شيء. أما الآن وقد ثبت الضوء على انتظار الرسائل، فإنه يلح من خلف نوافذنا المغلقة بالسؤال عن حالك، ويطلب أجوبة مفصلة مجردة من التجريد، واضحة، صافية، وافية. 

كنت في البداية أكتب لك رغمًا عنّي، ثم انطلقت مثلما انطلقت أنت في ذاك اليوم على دراجتك الهوائية تجوب شوارع القرية دون أن تخاف من أيّ شيء، دون أن تفكّر بأي شرط أو خوف أو نيّة. كان المسرح الجوال يزور قريتنا لأول مرّة، وكنت تحلق مثل صقر لطيف، برأس أرنب، حول ساحة القرية. 

كنت في حينها ألأمل الذي ينقذ أمك، تركض هي خلفك، لا لتعيدك إلى البيت، بل لتسترق النظر إلى خشبة المسرح، إلى الستائر، إلى أجهزة الصوت، إلى ملابس المسرح. هل تذكر هذا اليوم؟ إنه أثقل من أي يومٍ آخر. 

دخلت أمك إلى الغرفة، تعرّت، وناولتني رزمةً من الأوراق. كان السواد يلف عينيها، لم تكن قد نامت منذ وصل المسرح إلى القرية، وكنت سأحب المسرح من أجلها، لكنها استدارت وتركت الغرفة وهي عارية، وخفت أن أخرج لأراقبها إلى أين ذهبت. 

ثم وصل الليل، والليل حين يصل، يصدر أصواتًا عالية. 


ثم يكبر الإنسان، ثم تزداد الرسائل، ويسأل ضوء القرية عن أسرار بيتنا، يسأل عن قصةٍ واضحة. إنني في هذه الرسائل، اليوم يا ويليام، مثل شاب يُقبل على العشرينيات يقول لنفسه: حسنًا، أنتهى وقت المزاح، أنتهى وقت العبث، عليّ أن أخطط الآن، ما الذي سأفعله؟ كيف سأستمر؟ على الأشياء أن تكون مرتبة، واضحة، متماسكة، إن القرية تريد منّي تصورًا واضحًا لمستقبلٍ سيكون على الأرجح ضبابي المزاج، إن القرية يا ويليام تكره التجريد، إن القرية تحبّ الرسائل الواضحة. 


لقد نصبت لي فخًا يا ويليام، إنها خباثتك الرقيقة، مثل دائمًا. لا بأس يا ويليام، لا بأس. لست أنا من يهرب من الكمائن يا عزيزي، هل نسيت بأني ابن الحروب الثلاثة؟ سأستمر بالكتابة لك، سأدعك تنتقم انتقامك اللذيذ. بالفعل، لقد كانت غلطتي، وها أنت تعتصر مني الحساب. سأكتب يا ويليام، ومثلما استحضرتك إلى الحياة، لكَ أن توظّب من هذه الرسائل مشنقةً لتأرجحي: أن تلدني من جديد. 

هل تعرف يا ويليام، إني أحبك، هل قلت لك هذا؟

الاثنين، 7 يناير 2013

الفيلم

   الرسالة الرابعة إلى ويليام



زهرة (2013) 


عزيزي ويليام،

هل تذكر الأفلام الأمريكيّة، حين يُفرغ أحد الأشرار مسدسًا دوّارًا، ثم يُعيد إليه رصاصة واحدة فقط، ثم يدوّر عجل الرصاص بحركة إبهام سريعة حتى لا يعرف المشاهدون إن كانت الرصاصة ستنطلق من الفوهة أم لا؟ ثُم يضغطون الزناد، وكلًّ شخصيةٍ وحظّها. 

إنهم يسمونها لعبة الروليتّا الروسيّة، وعليك يا ويليام أن تكون على ثقة بأن هذه المسدسات لن تطلق النار أبدًا، فإن الكتّاب لو أرادوا كتابة مشاهد تموت فيها الشخصية، لما احتاجوا إلى كل هذه الحبكة الدراميّة. إن هذه المسدسات لا تقتل أبدًا، إنها تُرعب فحسب، وما حاجة الكُتّاب أن يرعبوا شخصيةٍ ستموت بعد ثوانٍ قليلة؟ ما الفائدة من زيادة حبكة أخيرة، دفعة أخيرة، لقصة نعرف أنها انتهت. ما الحاجة، يا عزيزي، أن أكتب إليك كل يوم؟ 

هل تعرف؟ إن مشهد المسدس هذا هو أقرب ما يكون إلى قصص الحُب. في كلّ مرة تتكرر القصة، يدغدغ الحبّ صدرك مثلما يدغدغ المسدس صدغك، الشفاه الدافئة مثل الحديد البارد. كلما بدأت قصّة تفكّر: إنها النهاية، إنّي في طريقي إلى الأبد، إلى الحُب الخالد. ثم تمرّ لحظات الموت، ثوانٍ قليلة، أو سنوات قليلة، وتشعر أنها العمر الخالد بأسره، ثُم تسمع عن طريق جمجمتك صوت الزناد يشد إلى الخلف ثم ينفلت شيء ما في داخل المسدس، ثم الموت.

خذ نفسًا مليئًا بالحياة، لم تمت، كان المسدس فارغًا مرةً أخرى. ثم ابدأ قصّة حُبٍ جديدة. إننا حين نُحب يا ويليام، نعيش بين نهاية الفقرة السابقة وبداية هذه.. وستستمر قصص الحب، حتى تجد واحدةً محشوّةً بالرصاص تأخذ عُمرك. 

إني أتذكر أمك يا ويليام وهي تجثو على ركبتيها عند الطاولة المنخفضة وهي تحتضنك، كانت تنفخ لتطفئ الشموع في عيد ميلادك الثالث، وكان في جسدها المنحني سحر يعصر الدمع من عينيّ. كنت أسترق النظر إلى شفتها وهي تمتد في زفير، ثم أراقب كعبيها بالجراب الدافئة يسندن مؤخرتها اللينة. كانت قد مرّ في حينه ثلاث سنوات ونيّف على آخر مرة رأيتها عاريةً، ثم كنت أراقبها تقبّل خدّك.. يومها انطفأت الشموع دون دخانٍ يُذكر. 

(هل أعجبك ذلك؟ إنك تورطني أكثر وأكثر! إن الكتابة بلغتك جعلتني أتحدث عن أمك بصورةٍ غير لائقة، أهذا ما أردت؟ انظر إلى أين وصلنا! أرجوك اعفني من هذه المهمة يا عزيزي، يا عزيزي، أرجوك افهمني، إن عمرك هو عمر خسارتي في الجولة الأخيرة من لعبة الروليتّا الروسيّة، وأنا تعبت من الألعاب.)
  
إن أمك لا تحبّني، ولا غيرها من النساء، ومن حظّك أن صفاء تُحبك بالفعل. إننا يا ويليام، مثلما قلت لك، لا نعرف إن كان هذا الحبّ حقيقيا، إلا عندما ينفجر رأسنا، إلا عندما نموت. لقد رحلت عنّا يا ويليام، رافقك الموت إلى البعيد. فعُد يا عزيزي، عُد أرجوك، لتُخبرنا إن كنّا نُحبك بالفعل، أو أن كل ما خسرته، وكل ما عشته، أنا وأمك وصفاء لأجل سعادتك، كان فيلمًا واحدًا طويل. 

الأحد، 6 يناير 2013

حبال الشيب




أسرار السطوح المقدّسة (2008) - محمّد بدارنة


عزيزي ويليام،

لقد توقّفت أمك عن الصلاة ولم تعد تخرج إلى الكنيسة. 
لم يعد لأمك أي حصّةٍ من ضوء الشمس، غير تلك التي تلتقطها حين تخرج إلى الساحة لتعليق الغسيل على الحبال الممدودة في ساحة البيت. إنها تُغلق الشبابيك لئلا تتسرب رائحتك إلى الخارج، لكن ذلك لا يفي بالغرض.

إن أمك تفقد ألوانها يا ويليام. أظن، والله أعلم، أنها لم تعد على ثقةٍ بموضع صلاتها. لقد صلّت أمك يا عزيزي لسنواتٍ طويلة لتتخلص منّي، وها انقلب الدعاء على الداعي، ورحلت أنت بدلاً منّي. 

لقد أرادت دائمًا أن تبتعد، لكنك كنتَ هنا فلم تتمكن من الهجر. لم يعد منك الآن إلا أمل سخيف بأن تعود حيًا، ولا يعيدها إلى بيتنا المُعتم إلا هذا الأمل. عندما غبت يا ويليام، فهمت أخيرًا بأن جزءًا كبيرًا من حبّي الغزير لك، ليس إلا رغبةً دفينةً في داخلي بالحفاظ على أمك هنا إلى جانبي.. لكني قد خسرت اللعبة. 

حين تنام أمّك، أنزع من رأسها شعرها الرماديّ لتعود إلى صباها، وأغزل مما نزعت حبالًا طويلة لتعليق الغسيل، وأمدها في ساحة الدار الواسعة، وهي حبال تطول مسافتها كل يوم حتى تصل إلى آخر العالم، حيث يحبّ الناس دون مطالب.

لقد خسرت اللعبة، وها أنا أقاتل على أملٍ أخير باستعادتها. إنها تبتعد، وتبتعد، وتبتعد ماشيةً على حبال الغسيل، وأنا أنتظر. أمسك طرف الحبل الأوّل بسبابتي، وأعلق طرفه الآخر في عنقك يا عزيزي، عنقك الدافئ البعيد في تلك البلاد، حيث يحب الناس دون مطالب.

إن صفاء يا عزيزي تقضي أيامها تشمشم الجدران والأثاث طوال ساعات النهار لتمتص رائحتك، تبتلعها ثم تأوي للنوم، حيث تحلم وتحلم حتى تبتلّ ملابسها الداخلية، تستيقظ، وتُهديها لأمك التي تغسلها وتعلّقها راقصةً فوق حبال الشيب. 

لكنّ رائحتك بدأت تنفذ، وصفاء لم تعد قادرةً على استخلاص الأحلام، وقد يأتي يوم قريب وتنهار الرسالة من أوّلها.

إما أن تعود يا ويليام، وإما أن أرسل صفاء يوميًا إلى الصلاة في الكنيسة، لتأتي برائحة شبانٍ مؤمنين يبللون ثيابها عند الفجر.

لترقص أمك، صبيةً على حبال الشيب. 

عُد يا ويليام لينتهي هذا الكابوس، لقد ضقت ذرعًا بهذه العبارات، إني أريد أن أتحدث كما تحدثت طوال عمري، بالعربيّة السهلة. عُد يا ويليام، لا تخرب بيتنا. 

الفطر





عزيزي ويليام، 

إن الأمور لا تزداد إلا تعقيدًا، كادت البهارات تنفذ من أدراج مطبخنا، أنظر إلى وجهك الميّت يستنزف الكركم. 

عُد يا ويليام، تعال واسرع بلملمة الثياب الداخلية عن حبال الغسيل، أغلق نوافذنا، أشعل المدفأة، جهّز الشاي، حمّص الخبز، شاهد ناشينال غيوغرافيك، وعتّم الصباحات... تعال ليأتي الشتاء يا ويليام، نحن نكره الشتاء، نكرهه لكننا نريدك أن تأتي ليضيء البرق الطريق نحو نهاية هذه القصّة المزعجة، لكي ينبت في آخرها الفطر الشهيّ السام.

فطر المدينة يا عزيزي، ذاك المعلّب، وذاك المغلف في السلال، غير الفطر الذي عندنا. عندنا الفطر دون أشكالٍ رتيبة، لذا، فإنه يشبهك. ونحن نشبهك يا ويليام، فهلّا تعود إلينا؟

نحن يا ويليام لا نريد لك إلا كلّ خير. أنا وأمّك سننتظرك إلى الأبد، ولكننا لا نستطيع أن نحبس صفاء بين جدراننا إلى الأبد. قبل أن تذهب، كنت لها سجنًا ضيّقًا يحيطها صبحًا ومساء ويسلّيها، وعندما غبت في الممات، بدأت جدرانك تبتعد وتبتعد دون أن تتحطم، والسجن يتسع ويتسع دون أن تفتح أبوابه. أنت تعرف يا عزيزي أن السجون كلما اتسعت كلما صارت أكثر وحشية: أنظر قريتنا، أنظر غزّة، أنظر كوريا الشماليّة. 

لقد اشتقت إلى نقاشاتنا السياسية يا ويليام، هل تظن أن شيئًا سيتغيّر في كوريا بعهد الطاغية الجديد كيم جونغ أون؟ وهل تعتقد أصلاً، بأن السلطة، مهما اشتدت سطوتها، يمكنها أن تؤثر على طعم الفطر؟

لقد تعبت يا عزيزي، لقد أتعبتني وأنت تتقمص دوري في الكتابة، دعني أكتب لك ما أشاء، دعني أقول ببساطة، أنني أريدك أن تعود لأن هذه سنّة الحياة يا أبي. 

سلاماتنا الحارة لك ولغارسين وللجميع. 


السبت، 5 يناير 2013

العشاء



من تجهيزات ديفينشي للعشاء الأخير


عزيزي ويليام، 

مقعدك محفوظ على طاولة العشاء، تعال، نحن ننتظرك.. أظن أن صفاء بحاجةٍ إلى رؤيتك، أعتقد أنها غير سعيدة في الأيّام الأخيرة، كما أعتقد أنك تظلمنا في غيابك هذا. أقدّر حجم حقدك، لكنك تعرف أن شيئا مما حدث لم يكن بدافعٍ من خباثة أو نقمة أو حتى إرادةٍ حرّة، لقد جرت الأمور.. وكفى. 

هل ستعاقبنا مدى الحياة على فعلٍ لم نرتكبه بإرادتنا؟ ألا يمكنك أن تقدّر عفويتنا لمرةٍ واحدة؟ ألا يمكنك أن تسامح على أخطاء أرتُكبت دون أسبابٍ أو نوايا أو تربّص؟ لقد سامحتنا على أمورٍ أكثر تعقيدًا وبغضًا، وسامحناك على أمورٍ كثيرة سخيفة. ألا تستطيع لمرةٍ واحدة أن تفصل أحكامك الأخلاقية القاطعة، عن لحظة اتخاذها؟ تلك اللحظة الذاتية بامتياز؟ غير العادلة، غير الموضوعيّة؟

لا نريدك أن تعود لنرجع على ما كنّا عليه للأبد، عُد فقط لتُعطنا فرصةً لنخطأ بحقك لسببٍ يستحق، وبتخطيط ونيّة تستحق، كل هذا العذاب. عُد لأجلنا، لأجل صفاء، لأجل نفسك، لتكون على الأقل قد ارتكبت ردة الفعل المتطرفة هذه، على أساسٍ مبدئي. 

نحن لا نستحقّ أن تموت الآن، صفاء تحبّك، ونحن أيضًا.

عُد، ألم تقل لنا في السابق أن أكثر ما تخشاه هو أن تموت برصاصة طائشة أو متزحلقًا في البانيو؟ هل تراجعت عن ذلك؟ أم أن حاجتك في تلك اللحظة لعناقٍ طويل دافئ، أثناء انشغالنا بإعداد طعام العشاء، كانت أقوى من أي مبدأ تعيش من أجله؟

عُد يا ويليام، قبل أن يبرد العشاء. 



العشاء الأخير- ريان سيسلو

الجمعة، 4 يناير 2013

رح نفوّت خمسة في حلوقهن



"الخمسة رح نفوّتهن.. الخمسة رح نفوّتهن.. الخمسة رح نفوّتهن... الخمسة في حلوقهن..."

من خطاب المرشحة الجبهوية نبيلة سبنيولي أمام الشباب الملتهب

الخميس، 3 يناير 2013

ثلاثة بالمناسبة...

قبل ثلاث سنوات كتبت أوّل تدوينة في Message to the Tricontinental، ولم أكن أعرف كيف ستنتهي هذه المغامرة. حسبت أنها ستكون مغامرة مؤقتة أخرى لمدونة أخرى كالمدونات التي كتبتها بأسماء مستعارة من قبل.. شهر، شهرين، سنة وينتهي الأمر. لكن المدوّنة استمرت، ربما لأنها كانت المرة الأولى التي أدوّن فيها بإسمي، وربما لأنها أتت في ذروة الصراع الذاتي حول الخروج من الحزب. ولكن الأهم، هي أنني لا أعرف حتى الآن ما هوية هذه المساحة، لا أقصد هويتها السياسية، إنما هويّتها اللغوية. 

لا زلت لا اعرف متى يجب الكتابة بجديّة ومتى يجب الكتابة باختصار، لا زلت لا أعرف تدوينات كثيرة كيف كتبت، الأسوأ من هذا، لا أعرف لماذا كتبت تدوينات كثيرة وما القصد منها. كما أني بعرفش ليش عم بكتب إسا مثلاً بالفصحى. هذه مدوّنة لا أسلوب لها حتى الآن، لذلك فهي تمرين مستمر على الاختيارات، وكيس ملاكمة لتفريغ الأعصاب أحيانًا، وهو دفتر لتسجيل الملاحظات في مكان لن يضيع في الانتقال الى شقة جديدة بعد سنة.  وهو مكان للحب، وللكره، ولتسميع الحكي في أحيان كثيرة، ولبث النوايا المسمومة وبث الرسائل التي آمل أن تُقرأ في يومٍ ما. 

أما بعد...

مرقوا ثلاث سنين، بتأمل يجي غيرهن وأحسن منهن.

السنة الأخيرة، كانت سنة 2012، سنة أخت شرموطة، سيّد السيئات. 

وبالمناسبة، كانت أفقر سنوات التدوين من ناحية الكمّ. بس شو بفرق مع طيزي؟ مرق ثلاث سنين، وأنا بحب المدوّنة. 

وبالمناسبة، المدوّنة هي الأنثى الوحيدة الصادقة بحياتي.

وبالمناسبة، عم بفكر أغير شكل المدوّنة من هاد الأسود، لأبيض ناصع ناصع، بس مش ملاقي حواليّ شغلات بيضة، وكلشي أبيض كأنه عم ببعد، إضافةً إلى إنه الهوس الي كان عندي باللون الأبيض قبل فترة عم بخف وبخف.

وبالمناسبة، بحب أهدي هاي السنة لكل الناس الي انتهت علاقتي فيهن هاي السنة.

وبالمناسبة، الحزن قاتل.

وبالمناسبة، تخافوش. 

وبالمناسبة، بدك بس نكبر نصير صحاب؟ 

وبالمناسبة، الحزن قاتل جدًا.

وبهذه الأجواء السعيدة والمتفائلة منهدي الجميع أغنية السنة: 




وشكرًا


وبالمناسبة، بما أنه ثلاث سنين،
هذول أكثر ثلاث تدوينات بحبهن من هاي السنة.


أسمه زبّال، مش عامل نظافة


رقصة الرب



يلا، 
افرقوني بريحة طيبة.
:*

(والي فهم فهم)

الأربعاء، 2 يناير 2013

الكأس

على خشب البار، أريد كأسًا سميك الزجاج لا ينكسر عندما تضربه بكأس الندّيم. 
أريد كأسًا سميك الزجاج ثقيلاً، يحمل الثقل الكامن بي حين يتصادم بالآخرين
فرحًا وحبًا
كرهًا وغضبًا

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

ملاحظة نسوية هندية



من حظّ نساء الهند أن نسبة الأميّة عندهن مرتفعة، وإلا لقضين الأيام الأخيرة يكتبن لافتات "أنا مع انتفاضة المرأة في الهند لأن..."

الغريب في الأمر أن نسبة الأمية في الوطن العربي مشابهة للهند، لكن شيء ما تعثر عندنا في الطريق. على كل حال، وبمناسبة رأس السنة، لنرسل بطاقة معايدة تحمل صورة نساء هنديات يتصدين للشرطة بالحجارة والهراوات إلى جميع أنصار "الاحتجاج السلمي على خُطى غاندي" 

ولسّة جوّا القلبِ أمل...

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

إلى زميلة


زميلتي العزيزة وداد،

أرجو أن تكوني بخير، كما أرجو أن تقبلي معذرتي إذا ما بدر عنّي تصرف غير لائق ليلة الأمس، فهذه أوّل مرة أتناول فيها مثل هذه المشروبات. على أيّ حال، فكّرت مليًا في ما عرضته عليّ وأعتقد أني غير جاهز البتّة لهذا النوع من الأمور، رغم أني لي مواقفًا واضحة فيما يتعلق بأسئلتك، وسيكون من دواعي سروري أن نجلس وأفصّل لكِ هذه الآراء وقد نجد فيها شيء من الاختلاف فيما بيننا، ولا ضير في ذلك، فموضوعنا هذا قلما يتفق فيه إثنين. لكنّي لا أرى نفسي ألتزم في الشروط التي تحدّثت عنها ليلة أمس، وإن كان المقابل شديد الإغراء، كما قال لك الكثيرون، من دون شك. 

أعتقد أن في ما بدر من أسئلة أطروحتك نوع من الخشية بما يتعلّق بخوض أسئلة أيديولوجيّة، كما لا أفهم الإصرار على فسخ قيمة المساواة عن قيمة الحريّة، والتعاطي مع القيمتين من خلال سياقين معرفيين منفصلين، وبرأيي أن التزامك اتجاه المعرفة الشعبوية غير الأكاديمية لن يولّد أي إمكانيّات فذة في طرحك. أسمحي لي أن أتعدى، ربما، آداب الحديث بيننا، إلا أنني أشك في أن المصادر التي عرضتها عليّ يوم أمس تكفي للتأسيس عليها.

أرى أنه لا بد من إجراء تغيير في رؤيتك للأمور، ربما تبديل نقطة النظر للأمور والتوجهات المسبقة، لنحاول ذلك عن طريق سؤال: هل تظنّين أن تحقيق المساواة في المجتمع سيؤدّي بالضرورة إلى تحقيق حريّة الفرد في هذا المجتمع؟ وهل العكس صحيح؟ أيّ، هل تؤدّي حريّة الفرد في المجتمع إلى تحقيق المساواة؟ 

سأقترح عليكِ سؤالًا لطالما شغلني، كنت أريد أن أذكره لك في الأمس، لكني ارتبكت، كما رأيتِ، ولم أستطع أن أرتب أسئلتي بشكلٍ متسلسل: هل المساواة بين تحقيق الحريّات على مستوياتها المختلفة، لها علاقة في تحقيق المساواة في المجتمع؟ أقصد: كيف تؤثر التفاوتات بين تحقيق حريّة التعبير من جهة وتحقيق حريّة التملّك، من جهة أخرى (ذلك على سبيل المثال) في تحقيق المساواة في المجتمع، وأي من هذه الحريّات أكثر جوهريّة من أجل تمكين المساواة. أعتقد أن الخوض في هذا الجانب يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق هامة في أطروحتك، خاصةً إذا ما ناقشت حريّة المعرفة من باب السؤال حول حريّة الإرادة، هذا سيأخذ وظيفتك إلى اتجاهٍ فلسفيّ قد لا يروق لعرّابي الأكاديمية، وقد يعقّد الأمور أمامك خاصةً وأنك تخوضين غمار الـ M.A آتية من خارج الأكاديمية الإسرائيلية، ولا أعرف صراحةً طبيعة تعاطي كلية الشريعة في أم الفحم مع هذه الشؤون. 

على أيّ حال، أعتذر مرّة أخرى على طريقة تصرفي وارتباكي ليلة أمس، لعلّي كنت مخطئًا في فهمي للأمور. المراجع التي لديك جيدة لكنها قليلة، وبصراحة لم أستطع التركيز فيها لأنها كانت هذه أول مرة أشاهدك دون حجاب ودون، أقصد، بأجواء، كيف أقولها، بيتيّة ولعلّي أيضًا أقول عنها.. أنها، يعني، دافئة. وأعتذر أني أنصرفت بسرعة لكني كان يجب أن ألحق الحافلة الأخيرة، خاصةً أني، كما أشرت لكِ معتذرًا، غير معتاد على النوم خارج البيت إطلاقًا.

على أيّ حال، إنه لمن دواعي سروري أن أكتب لكِ وأن نلتقي في المستقبل القريب في أي مكانٍ عام ونناقش الأسئلة المقترحة لكتابة أطروحتك، ولكنّي، في تأكيد على ما قلته لكِ، لديّ الكثير من العمل لأنجزه لرسالة الدكتوراة، كما أني لا أحبّذ أن أكتب أي نوع من الأعمال الأكاديميّة بإسم أشخاص آخرين، فليس هذا ما نشأت عليه، ولن يكون ذلك مدعاة فخر لعائلتي، وأرجو أن لا تجدي في ذلك توجيه أي انتقادٍ لشخصك.

أما بالنسبة لذاك الشيء، فأنت تعرفين أنه لمن دواعي سرور أي شاب أن ينال ما عرضتيه، إلا أن أفضل أن يكون ذلك من خلال علاقةٍ لا تخالف أصول مجتمعنا، وأرجو ألا تعتبري ذلك إهانةً لكِ، فمكانتك محفوظة ولن أكون الأوّل إن قلت أن الكثيرين يتمنون هذه الالتفاتة الكريمة من قبلك. كما أني لا أطلب أي مقابل لخدمة أؤديها لزميلة عزيزة مثلك في مكانة أختي، إلا أن ظروف دراستي هي كما شرحت لك. ونهايةً، بخصوص ما ذكرتيه وأنت تخرجين وتدخلين زجاجة المشروب من وإلى فمك، فإني لم أتمكن من فهم جملتك بدقّة، إلا أني أعتقد، إذا ما أصبت في فهمي لما قيل، أن هكذا جزء من العلاقة بين رجل وإمرأة قد يكون فيه ما يهون المرأة ومكانتها مقابل الرجل.

أنتظر ردّك ولا تبخلي علينا بالأسئلة والنقاش
كل المودّة
عنان

الأحد، 23 ديسمبر 2012

البيت والليمون







من زار البيت؟
هذا سارق محترف يسرق الليمون من ثلّاجتنا، خفيف الخطى حريريّ اللثام. أعلّق بصماته لوحةً فوق السّرير.
بيتنا كلّه ثلّاجة واحدة كبيرة باردة، لا ليمون فيه.

*
من زار البيت؟
لو نزلتِ الأرض يومًا، لطارحك العبير الدّائم الخُضرة، لو نزلتِ. لو هجرتِ ذاك البيت فوق الدالية، لما داهمك اللص، لما لفّت سريرك بصمة المعتدين.
غدًا يوافيك المطر والعنب يسودّ حلاوةً.. ويموت.
تتهافت الدالية وفوقها البيت المثلّج، ذاك الذي لم تهجريه، ويسأل المستغرب: "أين العبير الدائم الخُضرة؟"

*
من زار البيت؟
من سفك الليمون؟
من أنهك الحقل الصغير؟
ويرفع المستغرب رأسه نحو أنقاض السماء الدالية.

*
كل الفصول انتهت، والأرض سوداء زالت.
ومن عتبة البيت، كان السقوط معدوم القعر.
الأرض زالت، وعلى جدراني السوداء، ستنتهز أميرة الدالية غصنًا جديدًا أخضر
ليعيد معها الأرض تزهر من جديد.

*
سأكون حينها جثةً معصورة
في ثلاجة الموتى البيتيّة.

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

ما بيعرف طريقه حدا


حُذفت، من كلمات الأغنية أدناه، بعض الكلمات، وهذا الحذف، عمليًا، هو التدوينة بنفسها.



بيتي صغير بكندا
ما بيعرف طريقه حدا
قرميده مغطى بالتلج ... وكل المرج

شجر وعصافير كتير
بتغط ترتاح وبتطير
ع قرميد بيتي الصغير بكندا

كلما بتتلج... بينطر يدوب التلج
كلما تغيّم ... بينطر يرجع ربيع

بيتي صغير بكندا
من حوله كل المدى
بابه ما له مفتاح
... بالي مرتاح
أوضة ودار وعلية
بقعد وحدي منسية
ع شبابيك بيتي الصغير بكندا

بيتي صغير بكندا
وحده صوتي والصدا
لا في صحاب ولاجيران ... القمر سهران
بفكر فيك وبشتاقلك
بحزن 

بيتي صغير بكندا
مابدي يزوره حدا

لـشو فتش بهالكون
وبعرف السعادة هون
بقلب بيتي الصغير بكندا