القول الفصل

القول الفصل

السبت، 29 أكتوبر 2011

الخميس، 27 أكتوبر 2011

أحجية

واحد طالع من البلد عشان يقدر يروح ع البلد، بس إذا طلع ومنجحش يروح ع البلد، بكون رجع ع البلد، وإذا طلع ونجح يروح ع البلد، بنجبر يرجع يطلع من البلد عشان يرجع ع البلد. 

حل الأحجية في الأيام القليلة القادمة...  :) 

الأحد، 23 أكتوبر 2011

عن الجُنون...


"عليَّ أن أجد أغنية أخرى يا لينا. ولكن ما الذي حدث للأغاني؟! أقسم لكِ يا لينا، أن كلَّ من استطاع استيعاب حزيران 67 قد نجا؛ الذي جُنَّ، جُنَّ يومها، والذي لم يُجن تَمسَحَ. أنظري إليهم، لم يعودوا يتذكرون، ولم يعد يهمّهم سوى مصير خميس، وما إذا كان سيذهب إلى الجنّة أم سيذهب إلى النار لأنه يحبّ البيرة..."





*الفقرة من رواية "زيتون الشوارع" لإبراهيم نصرالله، المشهد من Swing لطوني غاتليف. 

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

نصحانة حبيبتي..


- حبيبي، بتعرف ليش جمعية "نساء ضد العنف" بتنصّح؟
- ليش حبيبتي؟
-لانه فيها نشويات!
- نشويات؟!
- اه حبيبي..
- نسويّات حبيبتي.. نسويّات..

السبت، 24 سبتمبر 2011

يمكن لو...

كان كثير بضحّك أحضر فلم نادين لبكي الجديد "هلأ لوين" أثناء سفري إلى فرنسا، كثير محرج إنك تضحك على النكت الي ولا فرنسي فاهمها، وتصفي عم تضحك لحالك والقاعة بتتطلع عليك. كان كثير بضحك اني بحكي مع فتوش واحنا الطعين والزملاء المشاهدين يسمعونا نحكي عربي مش جزائري ولا مغربي ولا تونسي، لأ، عربي زي الي بالفلم! كان ببساطة ممكن اقنعهن إني مساعد منتج، ربما. اه عفكرة، سمعت انه فراس ابن خالتي بده يصير مساعد مخرج، عقبال العايزين.  


"يمكن لو.." أغنية جميلة، من فيلم جيّد (بالتقريب). "هلأ لوين؟" فيلم نادين لبكي الجديد، شاهدته اثناء زيارتي لفرنسا الأبية، محبيتوش كثير، كنت بدي أكتب ليش محبيتوش، بس بعدين قالولي انه يمكن يوخذ أوسكار، قلت خليني بإحترامي. 


أغنية، جميلة، جداً، جزيلاً. 

معرفتكش.

كأنّ الأمر قد انتهى…


كأنّ الأمر قد انتهى. كان الأمر مثل إبرة تخترق الجسد، تنفث محتواها وتخرج. كان الأمر سهلاً، إنهم يعلنون دولةً، كان الأمر بسيطاً، وانتهى. تقدمنا بطلب لتحقيق أحلامنا، هكذا، ببساطة، تقدم طلب لتحقيق أحلامنا في الأمم المتحدة، والناس هناك، في فلسطين التي أُعلنت، يصفقون أمام الشاشة الكبيرة. من الجميل أن نرى الفلسطينيين يحققون أحلامهم، ليتني كنت فلسطينياً أيضاً.
كأن الأمر قد انتهى، نحن الذين أنهيناه. انقطع البث من قاعة الأمم المتحدة وأنا لا أريد أن أعرف ما الذي يحدث هناك بعد انقطاع البث، أنا لا يهمني الآن أن يبقى التلفزيون مفتوحاً أم يُغلق، لماذا أقلق؟ لماذا أسمع الأخبار؟ لقد انتهى كل شيء، صار هنالك دولة فلسطين، وقدّم رئيسها، بصفته “رئيس دولة فلسطين” طلب للاعتراف بها، لقد صارت فلسطين دولة، هكذا، خلال شهر دبلوماسي مكثف، واعترف العالم تصفيقاً، بأننا نستحقها، انسوا الفيتو الأمريكي، ليس هنالك فيتو في التصفيق، لقد اعترف العالم بنا تصفيقا، وهذا ما يهم في الأمر، أن العالم عرف واعترف أن الأمر قد انتهى.
كأنّ الأمر قد انتهى، هذا العلم القبيح المقرف الملوّن بألوان داكنة ثقيلة، صار علم آخر بين أعلام الدولة، علم دولة هي ليست لي. كان الزمن المنصرم زمانًا عشت فيه لأجل شيء ما، وها هو الآن انتهى على الشاشة، لقد سرد رئيس الدولة تاريخنا، وتنازل عمّا يريد منه، وطالب بما يريد، وأنا أمام الشاشة أمضغ كل شيء كان لي وكوّنني في هذا الوطن الحلم، ثم أضعه في مؤخرتي. هل تحلمون بفلسطين؟ ضعوا الأحلام في مؤخراتكم!
لقد ذهب الجميع مع رئيس الدولة إلى نيويورك، الجميع على الإطلاق. ذهبت الجبهة الشعبية التي أضاءت أحلام الشباب الماركسية، وذهبت حماس التي بقينا نتمسك بها كما تبقى من مقاومة مسلحة. ذهبوا الجميع إلى هناك، ذهبوا الجميع إلى النهاية. وذهب الحزب الذي فيه كبرت، وذهب معه رفاقي الذين ماتوا وهم يلهثون وراء قيادة قوّادين يتاجرون بمؤخراتهم.
ما المنطق يا شهداء أكتوبر، مثلاً، من إحياء ذكراكم، بوسعكم أنت تموتوا الآن، فقد تمّت المهمة. ما المنطق يا ابن عين الحلوة؟ اذهب وادفن جدّك أو أباك، وهم أحياء، كل شيء قد انتهى، فجد لك مكانًا في البلاد، لا مكان تعود إليه.
عارنا، نحن، أننا نبحث عن “حقٍ كامل”، يا رئيس الدولة. وعارنا أننا لا زلنا نميّز بين السياسة والتجارة. عارنا أننا لا زلنا نستطيع نفكّر ونحلم في الوقت ذاته. عارنا أننا نطرح دائماً السؤال: “ما الذي كان سيقوله ناجي العلي عن هذا؟” لكنّ ناجي العلي مات. ونحن أيضاً، علينا أن نموت، فإن كل شيء قد انتهى.

الخميس، 22 سبتمبر 2011

حظ أعثر..

هذا اليوم كان أنحس يوم ممكن يكون موجود على وجه البسيطة. يحرق الله.
مفروض أروح على القُدس عشان أوصّل الباسبورت لحدا، وأعمل شغلة بالمكتبة..
أنا بدي أطلع من البيت، وإذ بتذكر انه انا معي الفيزا عشان اسحب مصاري، بس معيش مصاري اوصل ع المحطة المركزية الي بدي اسحب منها مصاري وأسحب ع القدس! بفتّش دار كاملة، بلاقي بالزبط خمسة شيكل ونص، عملياً ناقصني شيكل واحد، وفش!
قلت مش مهم، بلحق الباص الي بعده ع رواق، كمان ساعة ونص...  بتذكّر انه لازم اخذ الباسبورت، منيح الي مطلعتش ونسيته، بتذكّر إني ناسي وين حطيت الباسبورت. أيها الأخوة الأعزاء؛ ساعة وربع تفتيش على الباسبورت!!!! فش باسبورت.
في جارور واحد فتّشت فيه لحاله عشرين دقيقة، وفش، بعد نهاية التفتيش قررت: خلص، مش راح ألاقيه، بدوّر ع رواق بالليل، وبروح بكرا.  فجأة بعد عشر دقايق بتروّح الوالدة، إمي، عليها الصلاة والسلام، بتفتح الجارور (نفسه الي دورت فيه ثلث ساعة) وخلال دقيقة وعشرين ثانية بتطلع الباسبورت! طبعاً منتقاتل شي خمس-ست دقايق بكون الباص الي بعده صار طاير، مدوّر، وبطريقه لبيت المقدف.
بتعصبن، بقرر انه هذا يوم نحس ومش لازم أطلع، بكون مفكر انه الباص الي بعده كمان ساعة ونص-ساعتين!!
امي بتسألني: "أخليلك مصاري للتاكسي؟"
أنا بجاوب بكل الجفاصة إلي بالدنيا: "لأ، بديش اطلع، الباص كمان ساعتين شو وينتى بدي أوصل ع القدس. بديش اروح ع محل."
امي بتجاوب: "بلاش، انا طالعة ع الشغل."  وبتروح.
انا بتعصبن وبقرر افش غلّي بحدا على الجيميل، بضوي الشاشة بلاقي قائمة مواعيد الباص مفتوحة، إلي ربك وإلكم رب، الباص الجاي كمان 25 دقيقة!!! يعني اذا بطلع بهاي اللحظة المعطاة انا بقدر الحقه، بس وين. ما انا تجافصت وقلت بديش مصاري. كمان دور فش فراطة لتاكسي يوصلني ع المركزية!
بستسلم، بقول خلص، هذا اليوم مش إلي، لازم أنام. شوي، بدق ورد، أخوي، الصغير، مش كثير صغير، ع الباب. بفتح الباب، بسأله اذا في معه مصاري، فراطة، للتاكسي بلكي لحقت الباص إلي كمان ساعة، بقول انه معوش ولا شيكل، بس يمكن في بجزدانه. وين جزدانك ورد؟ بالمطبخ. يلعن الله انا كيف من الصبح مدورتش بالمطبخ؟!!! اخذت من ورد آخر خمسة شيكل كانوا معه وطلعت وقف بشارع هغيفن. للمعلومة، كل التاكسيات إلي بتروح على المحطة المركزية فش عندها ولا أي إمكانية ثانية غير انها تمرق من هذا الشارع. استنيت نص ساعة كاملة، مرقوا 6 تاكسيات وولا واحدة كان فيها محل!!! ولا واحدة!
بعد نص ساعة مرقت تاكسي، طلعت بالتاكسي، دفعت المصاري، قعدت. وصلت المحطة المر كزية مستعجل. طلعت على درج الكهربا، لابس شحويطة طبعاً، وانا مش منتبه بتقوم الشحويطة بتعلق بزاوية الدرج وإصبع إجري بنمعس، ولولا سحبته بعد ثانية كان انقطع.
دم، وجع وعم بعرج، بركض ع الصراف الآلي المعروف بإسمه العربي كاسبومات. بفتح الشنطة وبكتشف إني ناسي كرت الفيزا بالبيت!!!!!
بكفر، بسب، بتعصبن، من الاعصاب بنسى إجري الي عم بتسيل دم بالمحطة المركزية أمام الصبايا السكسي المروّحات من البحر. وبقول لحالي بعد مأخذت نفس: خلص انا لازم أروّح، ممنوع أطلع اليوم من البيت!
بعدين بتذكّر، انه ناقصنا ثنين شيكل وأربعين أغورة عشان أقدر أروّح.
اتصلت بربيع يجي يوخذني من المحطة: السيارة خربانة.
اتصلت بأبوي: رايح مع صاحبه ع طمرة الزعبية!!!! حدا بروح ع طمرة الزعبية يا زلمة!!؟؟؟
اتصلت بدينا: مش بالبلد.
اتصلت رنا: السيارة خربانة.
اتصلت بمطانس: بس كمان نص ساعة بتكون معي السيارة.


قلت لمطانس يرنلي بس يوصل، بستنى، نص ساعة نص ساعة، علماً انه اذا قررت اروح مشي أكيد أكيد أكيد كنت رح اندهس ع الطريق.


قلت الأربعة شيكل الي بقيوا معي شو بدي أساوي فيهم؟ رحت على هاي الماكنة اللعبة إلي بتطلع فيها دبب! لعبت أربع مرات، بالأربع مرات مسكت الدب، وسانتيمتر واحد قبل ميوصل الجورة، عشان أربحه، يوقع! فاك!


زهقت بالآخر وانا استنى مطانس، قررت العب ع اللعبة الي مبارح كل الليل وانا احاول اعمل فيها الأتشيفمينت الأخير، وغفيت بلا مأخلصها. خسرت تني قلت التوبة، آخر مرة لعبة، كان ناقصني 5 كوينز من 2500 عشان أخلّص اللعبة. ساعتها رن التلفون، وخسرت. فتحت الخط أقاتل مش عارف مين الخرا الي بعصلي اللعبة ولا الخرا برد على التلفون: "مطانس بحكي، مش تلفوني هاد، إطلع احنا منستناك برّا!."

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

خبئيني أتى.. السفر

غداً، الخميس، صباحاً- سأطير إلى فرنسا. أعرف أنني إن قلت أني سأطير إلى "باريس" أو إلى "مارسيليا" سأبدو أكثر تمكناً من السفر، إنني من ركّاب المدن. وأنا، لست كذلك.


الليلة قبل الأخيرة التي أنامها في البيت، للتوضيح فقط، سأغيب لأسبوعين لا أكثر، لكني خائف. هل أنا جبان إلى هذا الحدّ؟ أنا لا أخاف من الطائرات، ولا من العلو، ولا ترهبني فكرة أن تسقط أو تتفجر الطائرة بي.


لكني أخاف أن أبتعد. أنا أخاف من المدن الكبيرة. هناك شيء ما متعب في هذه المدن، هنالك تاريخ وأساطير وحروب وثورات وتحوّلات تاريخية، إنها مدن لها مكان في التاريخ الذي يتعلمه أطفال المدارس، لا الذي يبحث فيه المؤرخين المملين الذين لا يجدون أطروحة للدكتوراة غير تاريخ سخيف لبلدات أسخف.


أنا لا أستطيع أن أبتعد عن حيفا، أسكن في القدس ولا أسكن، أتعلم ما استطعت ثم أهرب قبل أن أموت حزناً بثوانٍ قليلة، إلى حيفا. كل شيء هنا أبسط، رواق، نحن لا نحاول أن نجعل من مدينتنا شيئاً، نحن لا نريد أن ندّعي أنها كانت هذا وذاك، نحن نريد فقط أن تتركونا بهدوئنا، أن تتركونا على رواق، لا نستعجل لشرب القهوة قبل الصودا.


نحن هنا أبرياء، نحن نحطّم دون قصد، ونكذب دون نيّة سيئة، ونخون دون سبق الإصرار والترصد. نحن ننم على بعضنا حين نملّ فقط، ونتحرش جنسياً لأننا لا نودّ إمضاء الليلة وحدنا في السرير، نحن، في حيفا، نخاف من العتمة. الماكرون في حيفا أغبياء، والأغنياء في حيفا ملطّات. الصيادون في حيفا لا يصيدون أكثر مما يحتاجون، نحن لا نطمع بشيء كغيرنا. هذه البلد المسالمة التي تستطيع أن ترتاح فيها بعد كل معركة تلعن فيها طعريس أخت أحسن رأس في البلد، حيفا تتقبل العداوة برحابة صدر، نحن، نحب أعداءنا، لأنهم أعداءنا، ونحبهم أن يبقوا أعداءنا دون الحاجة للدم اليومي، ولا للنفاق اليومي، ولا للتنازلات التاريخية، نحن أعداء ونعرف، لماذا لنا أن نشغل أنفسنا بتفاصيل هذه العداوة؟ كأننا نستطيع أن نغيّر فيها شيئاً. نحن واليهود في حيفا، نعرف أننا في يوم الحسم، نحن نحن، وهم هم، وواحد منّا سينتصر على الآخر، ولكن لماذا الاستعجال؟ فلنشرب الجعة في بارات اليهود في الكرمل، ونخرج دون أن ندفع الحساب.


أنا لا أستطيع ترك حيفا، هذا التنازل تاريخي، لا حاجة للجعجعة الفارغة في ذهنك، عزيزي القارئ، ليس للأمر علاقة بالنكبة، ولا بالبقاء في الوطن. لست حيفاوياً أصلا، أنا من البروة، ولا يهمني (ما دام يوم الحسم لم يأتِ) أن أخرج من سلوان، هؤلاء الذين يقاتلون الاستيطان في سلوان ولا يقاتلون ضده في عسقلان هم أعداءنا الذين فعلاً، بودي أن أرميهم في البحر.


انا لا أستطيع أن أترك حيفا لأني بحاجة لمكانٍ ما، واحد، في هذا العالم، أمارس في مودّتي للخلق. أنا لا أحب الشتائم، ولا أحب الهجوم، ولكني لا أستطيع أن أمتلك نفسي في كل مكان خارج هذا المكان.


أنا لا أريد أن أبتعد عن الخصر الذي أولد منه في كل لقاء، أنا لا أريد أن أبتعد عن همس الصباحات اللذيذة. عن الانفجار المرن، عن حبٍ يعرف الطرق في حيفا مثلما يعرفها إليّ؛ نحن نذهب في هذه المدينة، ولا نعود أبداً.


أنا لا أريد أن أترك حيفا لأني أخاف، على نكتة عابرة في ليلة الخميس، على صبية كان يمكن أن تُحرجني أمام الأصدقاء. أنا أخاف على عرس صديقتي التي لا أصدق انها فعلاً ستتجوز. أنا أخاف أن ينظم "الشباب" حفلة من دوني. أنا أخاف أن ينفجر شجار يهز الحي دون أن أقف عند النافذة وأضحك. أنا أخاف من أن يموت أحد الأصدقاء.. أو أحد الذين لا أعرفهم، دون أن أعرف أني لم أكن أعرفه من قبل.


أنا خائف، أنا لا استطيع الابتعاد عن حيفا كثيراً.
وأنا سعيد، لأنني خائف. أنا سعيد لأنني أعيد النشوة بقيمة الأشياء كلما شارفت على الابتعاد. وأنا سعيد لأنني أعرف كيف أبكي حيفا مبتسماً لملاقاة أحلامي الجميلة الصغيرة، في المدن الكبيرة.

السبت، 13 أغسطس 2011

نداء إلى المرضى النفسيين مؤيدي بشّار الأسد في فلسطين


 
أيها الفاشيين الكرام،
رأيت على صفحاتكم الفيسبوكية شعار "أنا شبّيح." 
وان كان الأمر كذلك، فمظاهرتنا غدًا، يوم الأحد، في تمام الساعة التاسعة مساءً أمام بيت الكرمة في حيفا...
وهاي الساحة والميدان :) 
بقر. 

حول النفي والخوف؛ فكرتين على ضوء الاحتجاج الإسرائيلي.


مجد كيّال


لقد طُرحت مواقف عديدة فيما يتعلق بالاحتجاجات الاجتماعية-الاقتصادية في إسرائيل يناقش معظمها مضمون هذا الاحتجاج، أي ما فيه من شعارات ومطالب وجهات مشاركة، وتُظهر آراء كثيرة تناقُض هذه المطالب وهذا الاحتجاج مع نضالنا كأبناء الشعب الفلسطيني من خلال مضمون الاحتجاج، شعاراته والمشاركين فيه.

قبل أن أبدي وجهة نظر مختلفة لا بد من طرح تنويهين لا يمكن للموقف أن يكتمل دون توضيحهما.

الأمر الأوّل: إن الحديث عن علاقة التناقض أو التماثل بين طرفين "نحن" و"هم" لا يُقصد فيه تقسيم عرقيّ، بمعنى أننا لا نتحدث عن "نحن العرب" و"احتجاج اليهود"، إنما تقسيم يعتمد على الموقف النضالي من قضية استعمار فلسطين. المقصود بـ"نحن" هو أصحاب الموقف المناهض لاستعمار فلسطين، والرافض لتجزئة القضية الفلسطينية، الذي يرى بالدولة الإسرائيلية- كدولة يهودية- كيانًا عنصريًا قائمًا على نفي المجموعة القومية العربية. أما الطرف الآخر فهو الطرف الذي يرى نفسه جزءًا من "الشعب الإسرائيلي" بما تحمله إسرائيل من مفهوم الدولة اليهودية، ويمكنه أن يرى نفسه كجزء من الوحدات الاجتماعية الإسرائيلية، أي أنه جزء من المجتمع الإسرائيلي. وحده هذا التقسيم هو القادر على احتواء (نظريًا) التناقض والمساحة الرمادية الناتجة عن واقع المواطنة، لأنه تقسيم يعتمد على الأبعاد الإنسانية (سأوفّر، حذرًا، استخدام ادعاء "الأخلاقي".) في بلورة الموقف السياسي. يأتي هذا التقسيم لأننا بحاجة إلى دائرتين مغلقتين تشكلان أساسًا متينًا نبني عليه فهمنا للتجاذب والتنافر اللذان تفرضهما الواقعية والعمليّة السياسية.

الأمر الثاني: يميّز الفيلسوف الألماني عمانويل كانط بين "الجُمل التحليلية" و"الجمل المركبة"، حيث يعتبر الجملة التحليلية جملة لا يتعدى فيها الخبر ما يتضمنه المبتدأ، ولهذا فإن العلاقة بينهما إما أن تكون صحيحة بالمطلق، وإما أن تكون خاطئة بالمطلق وبالأحرى: إما أن يكون التماثل تامًا، وإما أن يكون التناقض تامًا. فالجملة التحليلية التي تضم خبرًا ينقض مبتدأه ستكون بالضرورة خاطئة، ولا يمكنها أن تكون صحيحة إلا في حال دخول عامل الفرق الزمني الذي سيحوّل الجملة إلى "جملة مركبة" حيث يوسّع خبرها ويضيف على مبتدئه. وتمييز الجملتين، إضافةً إلى عامل الزمن، سيكون شأنًا مركزيًا في فهم وجهة النظر.

من غير الممكن، برأيي، تركيب إدعاء يحتوي الفهم الشامل للطرفين في الوقت ذاته وينجح باتخاذ موقف سليم من مشاركتنا في الاحتجاج. سؤال اتخاذ الموقف لا يأتي من وضع الحالتين بالمقابل، وضع الذاتين بالمقابل ومحاولة الربط أو نقد الربط بينهما. كل جزء من المعادلة "نحن" و"هم" هو جزء يمكن بحثه وادعاء ما يُنسب إليه من مواقف، كل جزء يُمكن أن يطرح بالنسبة إليه ادعاء مركّب، كل  جزء منهم يمكن أن يوضع في جملةٍ مركبة؛ يمكنني أن أُحلل حال الاحتجاج الإسرائيلي، وعلى خلفية التحليل أقدّم استنتاجات سياسية معيّنة، ولكن هل يمكن أن أقدم استنتاجات متعلقة بطبيعة نضالنا "نحن" من منطلق تحليل الجزء الآخر-"هُم"؟

الإجابة- لا. العلاقة بين "نحن" و"هم" كعلاقة تحليلية هي علاقة نفي، تناقض تام بين أسس وجود الكيانين. وإمكانية ربطهما في سياق توافقي هي عملية تحويل الإدعاء لإدعاء مركّب، يقضي بالضرورة دخول عامل الزمن، وعامل الزمن في هذا السياق السياسي يعني سقوط الحقّ بالتقادم.

قد نختلف في بلورة الشكل والموقف المتعلقين في أحد الأطراف، لكن حتى هذا الاختلاف على المضمون والأشكال والتصرفات يصبح مستحيلًا في حال نفي وجود الطرف في إطار الجملة التحليلية المعطاة. لأن الوجود-بالضرورة، أيها الأصدقاء- يسبق بلورة الماهيّة.

النقاش حول "المشاركة أو عدم المشاركة في الاحتجاجات الإسرائيلية" يعني النقاش حول "المشاركة أو عدم المشاركة في نشاط الآخر- مشاركتهم." أي أن النقاش متعلق بنضالنا "نحن"، بنشاطنا نحن وهل يمكن أن يكون جزءًا من نشاط الآخر. من غير الممكن برأيي أن نجد الإجابة على هذا السؤال من خلال بحث الآخر والسؤال عنه، أي من خلال نقاش مطالب الاحتجاج وشعاراته وغيرها. لا يمكن أن نطرح ادعاءات متعلقة بنضالنا من خلال بحث نشاط الآخر. فالآخر يتصرف بشكلٍ طبيعي، يخطط ويتخذ مواقف متعلقة بنشاطه من خلال رؤيته لنفسه ونقده لنفسه وتحليله لنفسه كذات قائمة. ما سقط به من يشارك في الاحتجاج، وسها عنه بعض الأخوة والأصدقاء الذين كتبوا ضد المشاركة بالاحتجاج هو بلورة موقفنا النضالي من منطلق طبيعة التحرّك الإسرائيلي؛ "أن نكون أو لا نكون هناك؟" لكننا في كلتي الحالتين ندرس كياننا دراسة مشروطة بطبيعة الكيان النافي له.

ولئلا يُساء الظن، يجب التوضيح، أني لا ألغي ضرورة أن نتخذ الاحتجاجات الإسرائيلية فرصة لطرح الأسئلة النضالية. إلا أني أود أن ألفت النظر إلى الفرق الشاسع بين نقاش نضالنا على ضوء الاحتجاجات الإسرائيلية، وبين نقاش نضالنا من خلال الاحتجاجات الإسرائيلية ونسبةً لها.

تكمن المشكلة في أن الصراع بين النقيضين "نحن" و"هم" صراع لأجل النفي. نحن نريد أن ننفي الفكرة الصهيونية، وهم يريدون أن ينفوا الوجود العربي الفلسطيني (فكرةً ومادّة) وهذا الاحتجاج هو احتجاج "لكي تصبح إسرائيل مكانًا أفضل"، لأجل "تحسين سياسات الدولة" و"تحسين إدارة الدولة."
                     
الآن، أنا أوافق من يقول أنّ علينا أن نعيش، أوافق أن لدينا قضايا حياتية، اجتماعية واقتصادية، طبعًا.  أوافق أن حل هذه القضايا يجب أن يتوازى بل ويسبق بخطوة العمل السياسي "الكبير"، ولكني أرفض صناعة الوهم رفضًا مطلقًا؛ أن نرى بسياسات الدولة وسبل إدارة الدولة سببًا لأزمتنا الاقتصادية والاجتماعية هذه كذبة، هذا وهم. مشكلتنا ليست سياسات الحكومات، بل وجود الدولة أساسًا. سبب أزمتنا هو ليس سياسات إسرائيل، سبب أزمتنا هو وجود إسرائيل كدولة عنصرية للشعب اليهودي وككيان استعماري في بيئتنا الطبيعية. يجب ألا نُغفل من تحليلنا هذه الحقيقة الصارخة: أزمتنا هي شرط من شروط تكوّن الدولة. لم يكن ممكنًا لإسرائيل أن تتكون كدولة ذات أغلبية يهودية وطابع صهيوني دون أن تدخلنا (وبشكلٍ مدروس) إلى ما نحن فيه من أزمات.

الآن سأقف عند أمرين غاية في الفكاهة وقمة في الساتيرا، الأوّل هو أننا تركنا كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها إسرائيل، واستيقظنا عند أزمة السكن. يعني، أزمة السكن هي أكثر أزمة متعلقة بنفينا كفلسطينيين، وأكثر أزمة متعلقة بالتمييز القومي ضدنا لأنها مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمصادرة الأرض، وتهويد الجليل والنقب، وتدمير القرى المهجرة التي نزح سكانها إلى "أحياء لجوء" في مدن وقرى أخرى وغيرها وغيرها... اللعنة،  ألم تجدوا قضية أقل تناقضًا؟ صفعتمونا بقضية المسكن بضربة واحدة؟ ألم يكن من الأسهل مثلًا أن تمهدوا لنا بقضية إضراب الأطباء مثلًا؟
الأمر الثاني المضحك هو أن أكثر فئة تغضب وتزمجر وتخاف وتضيء ألف ضوء أحمر عندما يتحدث أي شخص عن "نفي وجود الدولة الصهيونية" هي ذاتها الفئة التي تؤمن بضرورة نفي كل الدول! إن الحزب الشيوعي في بلدنا هو أكثر الأحزاب غرابة في العالم.

لا بد من أن نناضل لأجل قضايانا الحياتية، لأجل المسكن ولأجل التعليم ولأجل الصحة. لكن النضال الذي نريده هو نضال في فضاء وطني يصبح فيه هذا النضال اليومي هو ما يعيد إنتاج الوجود والحق بالوجود لنا كمجموعة وقطب في صراع النفي. تحدثت عن أن النضال اليومي في فضاء إسرائيلي يعتبر نفيًا لا يمكن احتماله للذات، ولكن في الوقت ذاته لا بد من الإشارة إلى أن الفضاء النضالي ضد إسرائيل يصبح فضاءً صحراويًا ميتًا إن لم يتفاعل مع المطلب اليومي للناس.
*

في سياق آخر وزاوية أخرى للرؤية يدور الحديث عن احتجاجات أزمة السكن من خلال الثورات العربية. وبالرغم من استهجان قراءة هذه الاحتجاجات بسياق ثوري عربي، إلا أنه لا يمكن أن نتجاهل العلاقة السرابيّة بين الثورة العربية والاحتجاجات الاسرائيلية التي يخلقها التزامن والتشابه بالأسلوب، وبالتالي، يجب نقد مشاركتنا  "نحن" في هذه الاحتجاجات نقدًا في سياق الثورات العربية.

الحد الأقصى من الصدق هو الشرط الأوّل لكل ثورة شعبية واحتجاج شعبي. صدق أمام الذات أولًا. إن الثورة هي الحد الأقصى من تطهير الذات، حيث أنها الاستعداد للتضحية بالنفس لأجل ما تقول، لذا فلا حاجة لتزييف ما تقول. لا يمكنك أن تثور في حين تمارس صنفًا من أصناف خداع الذات وإيهام النفس. لا تستطيع أن تثور وأنت تخدع نفسك بأنّ "الكف لا يلاطم المخرز" ولا بأنّ "لو شلنا الريّس حيجي اللي أسوأ منه" ولا بأنّ "الواحد لازم يشوف مصلحته بالأوّل." هذا النوع من خداع النفس إنما هو ناتج حتمي من الخوف وأدلجةً له.

الثورة الشعبية تأتي لتكسر حاجز الخوف، وتكسر معه كل الأوهام الأخرى التي نبنيها لأنفسنا. وفي الاحتجاج الشعبي- بالضرورة- شيء من الثورة الشعبية. وهنالك إجماع على أن الثورة التونسية والثورة المصرية كسرتا حواجز الخوف عند الناس، هذا ما نقصده عندما نتحدث عن "دروس الثورة"، وإلى هذا نشير عندما نتحدث عن أن  "العالم كلّه خرج، ماذا عنّا؟"

الآن نسأل: هل يعبّر انخراطنا في الاحتجاج الشعبي الإسرائيلي عن دروس الثورة هذه، كما يحاول البعض تسويقها؟ يقول الأمين العام السابق للحزب الشيوعي عصام مخول: "أعتقد أن ما جرى في ميدان التحرير موجود في أذهان كل من يوجد هنا اليوم." هل يمكن لنا "نحن" أن نشارك في الاحتجاجات الإسرائيلية وأن نشعر بنفسية ميدان التحرير في الوقت ذاته؟

السؤال استنكاريّ، لا يمكننا أن نكون صادقين في المشاركة في هذا الاحتجاج، لأننا لا نملك أي رابطٍ عاطفي مع عقيدة الاحتجاج هذه، والأهداف "السامية" التي تختبئ وراء المطالب المباشرة. لكن ما نفعله هو أننا نستمر في خداع الذات دون هوادة، والمشاركة في الاحتجاج هو جزء من خداع الذات، وهو ليس جزءًا من دروس الثورة بل سأقول إنه النقيض التام لدروس الثورة: إنه تكريس خداع النفس الناتج عن الخوف. هل كسرنا "نحن" حاجز الخوف في مواجهة النظام العنصري في إسرائيل؟ أبدًا؛ نحن لا نزال نخشى النزول إلى التظاهر دون تصريح من الشرطة، نحن لا زلنا نرتعش كلما استدعينا للتحقيق. نحن لم نكسر شيئًا من حاجز الخوف، بل نخدع نفسنا بالمشاركة بهزليات مسرحية تجعلنا جزءًا من تشويه سياق الثورة العربية.

درس الثورة العربية أن نهجر الانهزامية الداعية ل"ترك القضايا السياسية الكبرى."
درس الثورة العربية هو النضال لأجل القضايا اليومية من منطلق وعينا لذاتنا ككيان حي ونابض لا يقبل النفي من قبل أي آخر، فنضع القضايا الحياتية، الاجتماعية والاقتصادية على رأس الحراك الثوري الوطني المناهض للمصالح الاستعمارية الكبرى.



(حيفا)


* المقال أيضًا نُشر في صحيفة "فصل المقال"، للمشاهد اضغط هنا.

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

عاجل: وفاة الروائي غابرييل غارسيا ماركيز بسرطان الـCopy&Paste



انتشرت على صفحات الإنترنت (شاهدتها في الفيسبوك ومواقع كثيرة أخرى أهمها موقع عرب48) قصيدة تحت عنوان "رسالة ماركيز إلى العالم"، وقد كُتب قبلها: "ويبدو أن صحته تتدهور حاليا.. ومن على فراش المرض أرسل رسالة إلى أصدقائه، وقد انتشرت تلك الرسالة بسرعة، بفضل الانترنت، فوصلت إلى ملايين المتابعين والمحبين عبر العالم."



بالحقيقة لقد أصيب ماركيز بداء السرطان اللمفوي في العام 1999، وانتشرت أخبار عن صحته المتدهورة. وانتشرت في تاريخ 29 أيار 2000 قصيدة تحمل توقيعه تحت عنوان "La Marioneta" أي "الدُمية" وذلك في صحيفة "La Republica" الصادرة في بيرو. وقد قيل أنها قصيدة وداع كتبها جارسيا لأصدقاءه، تمامًا كما أتى في المواقع العربية.


هكذا انتشرت هذه القصيدة التي كتبها أحد عارضي مسرح الدمى المكسيكيين، ووقع عليها اسم ماركيز عن طريق الخطأ. ماركيز عن نفسه لم يقدم أي تعليق على الأمر، إلا أنه أصدر في الأسبوع ذاتها مقالًا (صدر بالعربية ككتاب) تحت عنوان "غريق على أرضٍ صلبة."


أنا عن نفسي لم أكن أعرف كل هذه المعلومات، لكن مرور سريع على ما نُشر يمكن لأي قارئ متواضع وبسيط أن يلتفت إلى أن ماركيز الذي كتب الرواية والقصص لم يكتب الشعر. ثم أن معاني القصيدة تافه، سيخفة ومبتذلة، ولا يمكن لكاتب مثل ماركيز أن يقدم مثل هذا الهراء بعد أن أنتج أجمل كلاسيكيات الرواية. الموضوع يحتاج إلى القليل من الإهتمام: سحقًا لثقافة الـcopy&paste. كان يكفي ان يبحث أحدهم عن النص الأصلي ليكتشف مئات المقالات والتقارير التي تكذّب هذه القصيدة.



السبت، 30 يوليو 2011

رسالة يائسة، إلى شهداء غزّة...




أنتم تعرفون الحقيقة كاملة، فلماذا إذًا لا تضعوا الأمور الهامشية، التي ستبقى لديكم للأبد هناك في السماء، وتمنحونا من وقتكم بضع دقائق؟ لا يمكن استحضار الأموات، أعرف، ولكن رسالة على الأقل لن تضرّ، أو تلميح بسيط يدلّنا على قسط من الحقيقة، فأنا أقترب من الجنون وأنتم تجلسون هناك جميعكم، نساء وأطفال وشيوخ ومدنيون وغير مدنيين، منذ سنتين وتسخرون منّا...

لا بد أن تقولوا شيئًا ما، ليس ضروريًا أن تُدخلونا في المتاهات الماورائية التي صارت حصتكم من الحياة. يمكنكم على الأقل أن تحدثونا عن الأمور الأبسط، التي أستطيع أنا، على الأقل، أن أفهمها. وإن كان صمتكم خشية أن أحمل ما تقولون وأنشئ منه حزبًا جديدًا، فلا تقلقوا، كل ما في الأمر أني أبغى تغذية الفضول، وأطمع بمادة جاهزة للحديث مع الجميلة المثقفة، أو أصادف فرصة الخلاص.
*

قولوا أي شيء، سأصدق كل شيء. حدثوني عن هؤلاء اللذين كانوا لا يحملون الجرح إلا على كفة اليد اليُسرى، فيخنقون الطائرات بالكوفية الحمراء ويهتفون "باسم الناس..."، وأخبروني ما الذي نال من شغف الحالمين؟ وما الذي حوّلهم لجثة ثورة ترقص الدبكة بتمويلٍ أجنبي؟ كيف قلّمت اليد اليسرى أظافرها؟ وكيف بسطت راحتها فارتاح العدو؟ ثم قولوا أنه كان من الأفضل لو أنهم سقطوا، ففي السقوط بعض الضجيج، بعكس الذبول التعيس الهزيل الحزين. 
*

وحدثوني عن اللذين يدّعون المعرفة، عن اللذين يجلسون العمر، بأذرع غير مشمرةٍ، بين الكتب بحثًا عن حقيقة، تلك الحقيقة التي لخصتموها أنتم بين رفح ودير البلح. هيّا اسخروا من مثقفين يبحثون عن معرفة نائية عن "رُعاع الشوارع" لئلا يمس غبار الرصيف صفوة النظرية الراقية، فيرفعونها عن الأرض عاليًا، ويعلقونها مؤطرةً جامدة، في الصالون الأدبي.
*

واحكوا عن الذين طُردوا من المكان الذي رسم ملامح وجوههم، ثم طُردت ملامحهم عن وجه المكان. احكوا لي، رجاءً، أن الرمل لم ينفذ من قسم الساعة العلوي بعد، وأن الغياب لا زال مؤقتًا، واحكوا أن المخيم لم يزل ولو مبدئيًا، اشتقاق من عبارة "الخيمة"، وأن الخيام، كل الخيام، مؤقتة. 
*

وهاتوا ما عندكم عن منظمة صارت "وطنًا معنويًا" نًصَّ دستوره على جدران المخيم ثم تلاشى على طاولة الصلح، فساوم المعنوي على حلمه وفقد المعنى. ثم قايض شرف المحاولة، وقايض الحق بثمن الإنجاز المخصي المضمون، فاقترب بضعة أمتار من حلمٍ لا تقاس الدرب إليه بالأمتار.
*

واحكوا الحقيقة عن نسل المقايضة الذي انتصر. نعم انتصر، وأزهر منه كل شيء حي، عن الدولة التي لنا، عن وزاراتها، مجتمعها المدني، مشاريعها، مؤسساتها، مهرجاناتها، بنيتها التحتية، حياتها الثقافية، برلمانها، إستراتيجيتها، علاقاتها الخارجية، إنتاجها القومي، عملتها وبالطبع، سيادة رئيسها. احكوا، احكوا عن دولة حدودها متغيرة (حيث لم يُبنَ الجدار بعد) بحسب مزاج أصدقائنا الجدد، وعن السيادة التي لا وقت لديها تضيعه على جدليات السيد والعبد الفارغة. وإن بقي متسع من الوقت، فاحكوا عن عاصمة دولتنا؛ دوّار بأسودٍ أربعة، يُسمّى "المنارة." 
*

وعن الذين حالفتهم الصدفة فبقوا في الوطن، ولم يحالفهم الحظ، فلم يبقَ الوطن.
*

وعن شيوعيٍ شيّع اسم وطنه ما أن شاع قرار التقسيم.
*

وعن أبناءٍ أشاوس، كثروا ونهضوا، ثم كبروا وهرموا وتقاعدوا، ثم غاب معظمهم، فلم يبقى في البلد من أبناء، إلا شلّة شُلّت قدرتها، اللهم إلا قدرة النطق، فامتهنوا الكلام، وكلما بادر آخر للحديث وباشر بالتحديث، قاطعوه.
*

وعن حزبٍ سار على خطى مفكر فقه الجدلية فأدار التناقضات، وأطلقها حجرًا في البحيرة؛ رحلة جديدة لرؤية الشمس من البئر الجديد. غاص الحجر عميقًا، إلّا أن أهل الخيبة والانتهاز ظلوا في البحيرة ترددَ أمواجٍ على السطح تُردد ما تحفظ بسطحيّة. وعندما غاب الفقيه، بان السفيه، فصار البحر مستنقعًا والسطح طحالبَ تلوح بالتهديد على باب المؤتمر ما أن ترى حالمًا آخر يهم بالحجارة.
 *

حدثونا كيف صار الوطن أرضًا لا ينبت فيها إلا شتل الفزاعات.


(كُتبت قبل نصف عام، قبل الذكرى الثانية للحرب على غزّة. النص لا يتوخّى الدقة السياسية أبدًا، مما وجب التنويه.)

الخميس، 28 يوليو 2011

مشاهد من عرس حيفاوي 1

(ساعة واحدة قبل وصول الضيوف إلى سهرة العروس، مطبخ البيت.) 

أنا: خالتي، في كباية ميّ؟
أم العروس: بدك ميّ؟ سميرة جيبي لإبن مبدّا ميّ.. 
بنت عم العروس: عمّي جمال وين حطّيت الميّ؟ 
خال العروس: بالبراد برا برا
بنت عم العروس: مجد بده ميّ
خال العروس: برا برا
ام العروس: إسألي عمّك جمال
جار دار العروس: لمين الميّ؟ 
عم العروس الي جاي من كندا: مَ إسا جبنا ميّ شو السيرة كمان دور؟ 
الشبينة: لإيش الميّ؟ 
خطيبة أخو العروس: إسا بسأل أمير وين الميّ 
الشبينة: للشرب يعني؟ 
ابن عم العروس الي جاي من كندا: أروح أجيب ميّ؟ 
خطيبة اخو العروس: أمير روح جيب ميّ. 
أبو العروس: طيب صبّوا من الحنفية. 
أم العروس: مية الحنفية بتنشربش. 
جدة العروس من جهة الأب: ليش دخلك مالها ميّة الحنفية؟
العروس: جيبوا ماييم مينيراليم،  حدا يروح يشتري ميي عيدن. 
صاحب أبو العروس الي بقرا جريدة: ميي عيدن مستوطنات. 
جدة العروس: الله يلعن أبوهن اليهود. 
الشبينة:  شوف بالبراد فش بالبراد؟
صاحبة العروس: كنّو فش ميّ؟
خال العروس: برا اسا طلعناها لبرا.. 
الجارة:  إم أيمن إذا بتحبي بتقدروا تيجو توخذو من عنا ميّ، مش بيناتنا إم أيمن
أبو العروس: اسا ببعث أيمن بنط بجيب من عند إبن طنّوس
عم العروس: يا زلمة لإيش اسا يطلع عند ابن طنّوس. 
ابو العروس: يا زلمة لإيش لكان فتحنا حساب عند الزلمة اذا ع كلشي بدنا نروح نشتري من..
عم العروس: يا زلمة انت روح تحمم والبس بدك تستقبل المعازيم
العروس: يابا بعدك مش لابس فوت البس
جدة العروس: يما ليش بعدك مش لابس
صاحب ابو العروس الي بقرا جريدة: فش حاجة ضغط، فش حاجة ضغط، أبو أيمن فوت تحمم والبس اسا بيجوا المعازيم. 
الشبينة: أجو المعازيم؟ 
صاحبة العروس: صارو بدهن يجوا المعازيم وبعدنا مش حاطين مي ع الطاولات؟ 
ابن عم العروس من كندا: انا بحط وين الميّ؟
خال العروس: فش ميّ، جابو ميّ؟ 
ام العروس: مش عارف في حدا قال بده يجيب ميّ، يمكن ابن مبدا اسألو ابن مبدّا.. 
خال العروس: قليى مجد جبت ميّ؟
أنا: ...

الأحد، 24 يوليو 2011

جد حبيبي؟ جد حبيبتي.



- ولاي مأجمدك حبيبتي!
- عنجد؟
- طبعًا، بحياتي مكنش مع واحدة هلقد باردة!
---

- حبيبتي لإيش نشتري كتاب Lonely Planet؟
- حبيبي كيف لإيش؟?!!
- حبيبتي طابا بدهاش  Lonely Planet!!
---

- حبيبي، انا بفكّر إنك كثير عم تشرب آخر فترة. 
- مضايقك الموضوع حبيبتي؟
- شوي.. 
- جاي عبالك نطلع نقعد بمحل نحكي ع الموضوع؟
- بنفع.. 
- منلتقي بالآيريش هاوس كمان ساعة؟ 
---

- حبيبي، مش بقولوا الإسلام هو الحل؟
- اه حبيبتي...
- طيب مين المشكلة لكان؟
---

- حبيبي بنفع تجبلي Always، وانت جاي؟
- لإيش حبيبتي؟
- شو لإيش.. جاييتني.
- جاييتك؟
- اه
- لكان انا لإيش جاي؟
---

اسمعوا هذا الإشي، شوفوا النغاشة، شوفوا الطيابة، شوفوا الروعة، شوفوا الجمال!!




اه وكمان الي بتغني مش عاطلة. 

*منغنشي وانا هومو.